حملتك في صحو عيني حتى..
تهيأ للناس أني / أبي..
أشيلك/ حتى بنبرة صوتي
فكيف ذهبت ولا زلت/ بي؟
(من قصيدة نزار قباني في رثاء أبيه، انظر مجموعته (قصائد) الطبعة الثامنة ص 157 - 161).
لقد تغيرت ملامحه، وصوته ترهل، وضاقت خطاه.. هرِم.. وتغير كما تغيرت طبائع الأشياء، فبعد رحيله، فقد العُشبُ جزءاً كبيراً من نضارته، وتلون الصبحُ الصبوح بالصفرة الباهتة، والورد بالغبرة والذبول، وشاخت الشمس في كبد السماء، عندما رحل الرائع الماتع.. هذا الفقير إلى الله (سليمان فيَّاض).
توطئة
ربما يكون الكُتَّاب من القِلَّة التي لا ترحل فعلياً، يتركون لنا شذراتهم وخلاصات مشاهداتهم وحيواتهم، واليوم يُضاف إلى قائمة الراحلين والراحلات شيخ من شيوخ القَص في الأدب العربي المعاصر، (الأديب سليمان فيَّاض)..
حصاد النشأة والتكوين.. سيرة حافلة
ما نراه من صمت يُغرق الوجه كمداً وحزناً، يدل على أن الخبر المُحزن لم يعد قيد الحفظ، لقد رحل سليمان فيَّاض -وهو من مواليد 1929، ابن محافظة الدقهلية- عن عالمنا في 26 فبراير 2015 عن عمر يناهز 86 عاماً، بعد صراع من المرض، وبعد تردي حالته الصحية، وارتفاع نفقات علاجه، في ظل غياب الدولة عن قامة في حجمه، ذلك الكاتب الذي استطاعت أعماله المتعددة أن تشق لها مساراً متميزاً في واقع القصة العربية من حيث نصاعة اللغة، وعمق التناول، وجدية التجربة، وطرائق التعبير السردي، ويظهر ذلك منذ أعماله الأولى، إذ انتهج أسلوب التناول الواضح الحاد الذي ينأى عن الترهل اللغوي، والانفعالي. وقد خلف الراحل عشرات المؤلفات التي تتناول القصة والرواية وسير أعلام العرب، وعلم اللغة والقواميس، وتطوير اللغة العربية.
سليمان فيَّاض اسم كبير في عالم الرواية العربية. كان صاحب مشروع عبّر عنه بأعمالٍ سردية توزعت بين القصة والرواية والمقال السردي.
دائماً ما يتملكني الحرج عند الكتابة عن هَرمٍ غاب عنا، واليوم هذا الحرج يتضاعف، لأني أكتب عن سليمان فيَّاض، فهو لم يكن بالنسبة لي موضوع كتابة فقط، فقد قرأت أول ما قرأت (أيام المجاور)، ففي تلك الرواية التي تأخذ طابع السيرة الذاتية حميمية السرد، تلك التي تحمل بين طيات سطورها جدائل ذهبية، بها دفء التاريخ وسطوته في آن واحد.. لقد تفوق سليمان فيَّاض -من خلالها- على نفسه، بعد أن قدم لنا عالماً مليئاً بالتفاصيل الحياتية الدقيقة التي أجاد صنعتها بحرفية البناء الماهر العارف ببواطن الأمور.
سليمان فياض الإنسان
لقبه أصدقاؤه بالحكيم، فعندما كان يخرج عن صمته لكى يقول رأيه في مسألة من مسائل الأدب أو السياسة كان حاداً وحاسماً، كما كان يجيد الصمت والاستماع في ذات الوقت ويجيد كشف الحقائق والوصول إلى لُب الموضوع، ومع الاقتراب من الحكيم تكتشف أنه يكتب ما يعيش ويعيش ما يكتب،
فلم يستند إلى أيديولوجيا جامدة أو جماعة أو حزب أو تنظيم، صنع الحكيم نفسه وشق بجهاد فكرى وفني لنفسه طريقاً خاصاً أوصله إلى مكانة متميزة بين أقرانه في الإبداع الأدبي وفى أبحاث اللغة وفى إعادة قراءة التراث والتاريخ الإسلامي بعيون حرة ناقدة متخلصة من ظلام القرون الوسطى التي تحاول أن تحاصرنا فيه ليس فقط الدعاة المتعصبون والتنظيمات المتخلفة ولكن مناهج الدراسة ومحاذير البحث في التراث والتاريخ الإسلامي.
ومن مأثور قوله: (لا يمكن أن تتعلم العوم وأنت تتحدث عنه واقفاً على الشاطئ، فيجب على الكاتب أن يذهب إلى حيث لم يذهب أحد بعد).
ثم قال: (لن تستعيد الكتابة عافيتها إلا إذا ساعدنا بنقد النفس ومحاسبة الذات على انبثاق روح الانتماء والحلم القومى).
لقد كان فياض مشغولاً طيلة الوقت عن نفسه بالآخرين، يجاهد للأخذ بأيديهم ودفعهم إلى البدايات الأولى والتقاط الجوهر الحقيقي من بين الزائف المتراكم والفرح بكل ما هو أصيل وحقيقي، ورغم أن سليمان فيَّاض غادرنا بجسده لكنه لن يغادرنا أبداً لأن عوالمه السردية تسكن فضاءات كتاباتنا حتى لو لم ندرك ذلك جيداً، فصاحب (أحزان حزيران) و(أيام المجاور)، كان شغوفاً باصطياد اللحظات الإنسانية في عاديتها ودهشتها، ليدخلنا عالمه السردي المائز عن المألوف والمغاير للسائد، وطالما عرف كيف يبحث في قصصه عن النقطة الجدلية الحية التي تمتزج فيها الحياة بالكتابة.
القارئ لنصوص فيَّاض، يجد نفسه مشاركاً في إعادة إنتاج النَص، وهذا ما قالته نظريات القارئ والاستجابة أن القارئ مشارك أصيل في إعادة إنتاج النَص، وأن النص الذي لم يُقرأ لم يُكتب أصلاً.
فمن رواياته (أصوات)، (القرين)، (لا أحد)، (الصورة والظل)، (الفلاح الفصيح). وله أيضاً (معجم الأفعال العربية المعاصرة)، (الدليل اللغوي)، (أنظمة تصريف الأفعال العربية)، (الأفعال العربية الشاذة)، أضف إلى ذلك، إنتاجه لسلسلة من الكتب عن سير أبرز الأعلام في العلوم والآداب، مثل (ابن النفيس) و(ابن الهيثم) و(البيروني) و(جابر بن حيان) و(ابن البيطار) و(ابن بطوطة) و(ابن سينا) و(الفارابي) و(ابن رشد) و(الجاحظ) وغيرهم. كما اهتم أيضاً بالثقافة الإسلامية، ومن دراساته في هذا السياق كتاب (الوجه الآخر للخلافة)، كما حصل سليمان فيَّاض على عدة جوائز، مثل (جائزة الدولة التشجيعية) 1970 عن مجموعته (بعدنا الطوفان)، وجائزة (سلطان العويس) من الإمارات 1994، و(جائزة الدولة التقديرية في الآداب) 2002، إلا أنه عاش طوال حياته بعيداً عن الأضواء، ولم يشكُ يوماً من مسيرته الصعبة في الفن والحياة.