مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

راشد المبارك المثقف الوطني

الدكتور راشد المبارك رجال في رجل، هناك شخصيات مؤثرة في الساحة الأدبية والثقافية إذا غابت عنا تترك فراغاً كبيراً. فقد شيعت مدينة الرياض يوم الخميس الثلاثين من ربيع الثاني لسنة ألف وأربع مئة وستة وثلاثين للهجرة عالم الذرة الأستاذ الكبير الدكتور راشد بن الشيخ عبدالعزيز بن حمد بن عبداللطيف المبارك. وهو من مواليد مدينة الهفوف سنة 1354هـ. في الثامنة من عمره فقد حنان الأب، فترعرع في كنف والدته، لتصنعه ابناً باراً بدينه ووطنه وأمته، وليصبح واحداً من رموز العلم والأدب في بلادنا الكبيرة. 
وقد عرف عنه سعة الاطلاع والثقافة والسمعة العلمية والأدبية العريضة داخل الوطن وخارجه، يعود الفضل في هذا إلى مدينة الأحساء بخاصة وبيئتها العلمية وأسرته الغنية بالمعارف التي أكسبته الخبرة الرفيعة، وأنارت طريقه إلى العلم والمعرفة، حتى أصبح علماً من أعلام الفكر في مملكتنا الحبيبة. نشأ في مدينة الأحساء في بيت علم ودين وأدب وبدأ حياته بدراسة القرآن الكريم والعلوم الشرعية على يد أعمامه وفقهاء أسرته دارساً في الوقت نفسه اللغة العربية على يد علم من أعلام اللغة في ذلك الوقت وهو الشيخ مبارك بن عبداللطيف المبارك. 
كما حرص على حضور الحلقات العلمية التي كانت موجودة آنذاك، وما لبث أن رأى في نفسه بأن العلم هو الطريق الصحيح لرقي حياته الشاملة. فالتحق لهذا الغرض بالمدرسة الابتدائية بالهفوف سنة 1363هـ، وبعد ذلك واصل دراسته الثانوية متخرجاً منها سنة 1378هـ، فظهرت عليه بواكير النبوغ الفكري والعلمي، وظهر هذا في مقالة نشرتها صحيفة المدرسة الثانوية بعنوان: (قصة نفسي). 
لقد كان عالمنا وأديبنا الدكتور راشد المبارك، ومنذ وقت مبكر من طفولته محباً للقراءة والكتابة، ثم ما لبث بعد تخرجه من المدرسة أن عمل في مالية الأحساء لينتقل بعد حين إلى الظهران موظفاً في محكمة القطيف، لتشكل هذه التطورات نظرته الأعمق إلى الحياة، ومن ثم التصميم على مواصلة المزيد من الدراسة والتعلم، فالتحق في بعثة دراسية إلى القاهرة ليحصل على البكالوريوس في علم الكيمياء والفيزياء عام 1384هـ، ليلتحق بعدها بكلية العلوم بجامعة الرياض معيداً، حيث تم إثر هذا ابتعاثه إلى جامعة مانشستر في (إنجلترا) ليحصل على دبلوم الدراسات العليا في الفيزياء الجزئية، وعندما عاد إلى أرض الوطن عين مديراً للمختبرات الكيميائية سنة 1389هـ، ثم حصل في العام نفسه على بعثه دراسية أخرى إلى بريطانيا، ولكن إلى جامعة ويلز، ليتخصص في علم كيمياء الكم، ويتخرج فيها بدرجة الدكتوراه سنة 1393هـ، ثم عاد إلى الوطن ليعين أستاذاً للكيمياء في جامعة الرياض، حيث كان من ضمن تخصصه الدقيق استخدام الذرة في الزراعة، ليكون أول سعودي في تاريخ البلاد يحصل على هذا التخصص النادر. 
يعد عالمنا الدكتور راشد آل مبارك واحداً من أبرز علماء وأدباء زمانه، فقد ذاع صيته في أرجاء الوطن العربي لتواصله العلمي والأدبي الوثيق مع نخبة من الأدباء والمفكرين على امتداد الوطن العربي، وشارك بزخم في العديد من البحوث الجادة في أوسع المجلات العلمية انتشاراً وسمعة، ليجمع بهذا بين فضيلتي العلم والأدب في هذا الإطار. ولسمعته ومكانته العلمية المتناهية اختير عميداً لكلية الدراسات العليا في جامعة الرياض، إضافة إلى عضوية المجلس الأعلى لجامعة الملك فيصل، ثم عضواً في مجلس أمناء معهد تاريخ العلوم العربية في جامعة فرانكفورت في ألمانيا. 
كما اختير في عضوية أمناء جامعة الخليج العربي، وأيضاً عضواً في لجنة معادلات الشهادات العليا في وزارة التعليم العالي، ثم تبوأ مكانة أرفع بتعيينه رئيساً للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الأسيسكو) من عام 1401هـ - 1407هـ. كما كان عضواً في إدارة الموسوعة العربية العالمية التي كان يرأسها الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وكذلك عضواً في المجلس الأعلى للإعلام الذي كان يرأسه الأمير نايف بن عبدالعزيز.
 ندوته الأحدية 
بدأ رحمة الله تعالى منذ عام 1403هـ بعقد ندوة ثقافية أسبوعية شاملة، يحييها مساء كل أحد، عرفت بالأحدية، وجعلها ملتقى لأهل العلم والأدب والثقافة الأصيلة، حتى شبهها البعض بالجامعة المفتوحة، إذ تتنوع موضوعات هذه الندوة من المحاضرات في علم الذرة والإلكترونات والليزر والأشعة والنظرية النسبية إلى قضايا في الاجتماع والاقتصاد والفلسفة والتاريخ والشعر والأدب، وتستقطب هذه الندوة نخبة ممتازة من مفكري وعلماء المملكة، إلى جانب استضافتها مشاهير الساسة والفكر والأدب والعلم من مختلف الأقطار العربية، ومنهم على سبيل المثال:الشيخ محمد الغزالي، حسن الترابي، فاروق الباز، فيصل الحسيني، سليمان العيسى، فيصل قنصل، عبدالعزيز الرفاعي، روجيه جارودي، محيي الدين صابر، عبد الرزاق قدورة، عبد القادر القط.. وغيرهم، وأصبحت هذه الندوة من المعالم الثقافية لعاصمتنا الحبيبة الرياض.
 ومن أبرز صفاته رحمه الله الجود والسخاء وحب النفع للناس والسعي لتيسير أمورهم. يكره التعصب للرأي، ويحترم الرأي الآخر. يسعد في خدمة الناس، وحل مشاكلهم، فله أياد بيض كثيرة في أعمال الخير والبناء الاجتماعي، ويعرف ذلك من حوله صغيراً كان أو كبيراً. كان رحمة الله على تواضعه وبساطته واسع المعرفة كثير الاطلاع غزير الإنتاج.
ذو صلة