في منتصف ديسمبرمن العام الماضي، تعرض الشاعر البحريني القدير عبد الرحمن رفيع لأزمة قلبية أدخلته المستشفى العسكري في البحرين، ومن يومها إلى لحظة رحيله وهو على الفراش الأبيض بين يدي الحكيمات، وكانت كل الدعوات تمنت له الشفاء، لكن القدر كان أقوى من كل شيء، حيث أسلم الروح لباريها يوم الأربعساء الحادي عشر من مارس 2015 مودعاً محبيه بعد رحلة طويلة مع الأدب، والشعر.
من هو عبد الرحمن رفيع؟
هو من الشعراء الذين يتمتعون بحافظة كبيرة، ورؤية شعرية أدبية عالية الإبداع، لقدرته على مزاوجة الشعر باللهجة العامية واللغة الفصحى.
تقول سيرته: إن عبد الرحمن رفيع ابن فريج الفاضل، ولد في بيت يطل على بيوت الزامل والبسام بجوار مسجد عبدالرزاق، أبصر النور ليكون أحد الأصوات المؤثرة في الساحة الخليجية والعربية والعالمية أيضاً..
خرج رفيع ليقول كلاماً غير الكلام المتداول المألوف، ويطرح أسئلة محرجة على العالم الذي يعيش فيه، جاء ليكون صوتاً مختلفاً مغايراً غير مسبوق في طرحه ورؤيته، ويرسم بالشعر أجواء مجالس يسكنها الفرح والبهجة..
وفي أكثر من حوار ولقاء ودردشة، تكلم الشاعر عبدالرحمن رفيع عن طفولته، ففي حوار أجراه معه عبدالغني بو ضمرة لجريدة العرب تناول رفيع ولادته ونشأته الأولى، بقوله: (ولدت في المنامة سنة 1938، في بيت متمسك بالدين تمسكاً كبيراً، كان الكتاب الوحيد الموجود في منزلنا هو القرآن الكريم).
أحد جيران رفيع من أوائل الدارسين بالجامعة الأمريكية في بيروت (الوالد أهدى لابنه حقيبة مليئة بكتب التراث مثل كتاب الأغاني والعقد الفريد والبيان والتبيين والمثل السائر والبخلاء وغيرها الكثير من المصادر وأمهات الكتب التي أدخلت رفيع في عالم مختلف عن عالم الكثيرين ممن رافقوا صبا وشباب رفيع).
ويقول رفيع: (شخصياً أنا محب للقراءة، وورّاقٌ بالفطرة، إلى درجة أنهم كانوا ينادونني على المائدة وأرفض لإكمال الفصل أو الفقرة.. الحقيبة كانت منعطفاً كبيراً في حياتي المستقبلية)، وقضى عبدالرحمن في الكتاتيب (المطوعة) 4 سنوات، أصَّلت فيه اللغة القرآنية.
وفي المدرسة وأول دخول الأيام الدراسية في المرحلة الابتدائية اختبر عبدالرحمن، وبدل وضعه في الصف الأول انتقل فوراً إلى الصف الثاني، وفي نهاية المرحلة الابتدائية كان مسؤولاً عن الجريدة الحائطية بالمدرسة.
علاقة رفيع بالشاعر عبد الرحمن القصيبي
شاءت الأقدار أن يكون الشاعر الدكتور القصيبي زميلاً دراسياً لرفيع فتوطدت بينهما علاقة أدت بهما هذه العلاقة لمشوار طويل في الحياة والأدب.
فمن الصداقة إلى ربوع الأدب اجتمع رفيع بالقصيبي، وكانت كلية الحقوق هي الرابط لعلاقتهما الطويلة حيث يقول رفيع: (بدأنا نتصل بالحياة العملية، فالجامعة مليئة بالطلبة العرب من الشام والعراق والكويت، وعن طريقهم بدأنا نطلع على الاتجاهات الكبرى في السياسة العربية، وهناك كان القوميون والبعثيون والإخوان، واختلط الأدب بالسياسة).
وفي بداية مشواره السياسي انضوى عبدالرحمن رفيع تحت مظلة الإخوان المسلمين لفترة من الزمن، ثم اتجه إلى حزب البعث بشكل سطحي، وأخيراً فضَّل أن يكون مستقلاً، ويتفاعل مع كل الاتجاهات. وعن هذه المرحلة يقول رفيع: (هنا بدأت أكتب القصيدة بمعناها الحقيقي، ديواني الأول كان يمثل فقرة القاهرة، أما الأخريات فهي نتاج البحرين).
ولكن تحكم الظروف رفيع، فلم يكمل دراسته لمادة الحقوق، ولم يكمل أي عمل بدأه في حياته التي قال عنها: (تركت الجامعة بعد ترفعي للسنة الرابعة، فقط لأني فوضوي وبوهيمي، وقلت لنفسي إن الدراسة يمكن أن تنتظرني، وأنا أخذت ليسانس في جامعة الحياة، وأما الليسانس الرسمي فلم أحصل عليه أبداً).
وفي في سلك التدريس يقول عن تجربته: (لسوء حظي قضيت 7 سنوات من عمري في التدريس، ثم انتقلت إلى وزارة الدولة للشؤون القانونية وعملت هناك 5 سنوات، ثم إلى وزارة الإعلام ـ إدارة الإعلام والفنون، وعملت مراقباً للشؤون الثقافية حتى أحلت على التقاعد سنة 2003 ).
حكاية الشعر برفيع
يرى عبد الرحمن رفيع أن حكايته بالشعر كمثل حكايته بالبحر، فالشعر الشعبي الذي أبدع في كتابته وإلقائه يرى فيه أنه يمتاز بخاصية يخاطب فيها جميع الفئات ويشبهه بـ(الخبز الساخن)، لافتاً إلى أنه يمتاز عن الشعر الفصيح بمخاطبته الشريحة الأوسع (هو لغة التخاطب اليومية وأروع مثال على ذلك العامية المصرية، تربينا عليها وتعلمناها من الأفلام والمسلسلات المصرية، فاللهجة المصرية مأهولة بالشعر)، ويعطي مثالاً على ذلك مقاطع من رباعيات صلاح جاهين.
أنا اللي قلبي في المحال ارتوى
شفت القمر
نطيت لفوق
طولته ما طولتوش إيه ها يهمني
وليه مادام بالنشوى قلبي ارتوى
وعند سؤاله، (هل يوجد انعكاس سلبي للشعر الشعبي على الفصيح؟) يرد رفيع بحكاية تاريخية: (كان أحمد شوقي يقول أخشى على الشعر من بيرم التونسي، والحقيقة أن أحمد شوقي كان يغار من بيرم بدليل أن شوقي اتجه إلى الشعر العامي لاحقاً، وكتب الأغاني بالعامية لمحمد عبدالوهاب، وليس له انعكاس سلبي على الفصيح لأن القرآن والحديث النبوي يسند اللغة، كما أن الشعر العامي يمتاز بأنه يخاطب الطبقة العريضة من الجماهير، أما الشعر الفصيح فيخاطب فئة المثقفين).
ويضيف: (إذا كان هناك شاعر عامي فهناك عشرات الشعراء الفصيحين، أما عن سلبياته فإن مفرداته تتغير أكثر من الفصحى لأنها عرضة للتجارب اليومية، أما الفصحى ففيها نوع من الثبات، كما أن الشعر العامي يمتاز بالتقوقع والإقليمية، فمثلاً العامية المصرية تستسيغها بينما السودانية تستاغ بالسودان والمغربية بالمغرب).
رحل رفيع بعد مشوار طويل مع الشعر والأدب، ومع حكاية قلَّ من عرفها في الأدب العربي، وإن ذكرت فهي رسالة تواصلت حتى وصلت لعبد الرحمن رفيع التي ختم فيها مشوار حياته الإنسانية والأدبية.. رحم الله الراحل رفيع وأسكنه فسيح جناته.
رحل بعد أن أشعل القلوب بمحبته، تاركاً لنا أدباً جمَّاً، وشعراً لا يزال جليس مجالس الأدب العربي والخليجي خاصة.