مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

راشد المبارك.. قراءة بعد الرحيل

 منذ ما يزيد عن عشرين عاماً، بدأت أتلمَّس ملامح مشروع ثقافي في صالونات الرياض الثقافية. تكررت زياراتي بين حين وآخر لمنتديات ثقافية تقام في صالونات أدباء أو متذوقين للأدب أو محبين لأجواء الثقافة والأدب. 
 لم تستحوذ تلك الصالونات على كثير اهتمام مني، فالظاهرة الثقافية حملت معها علاقات أخرى أكثر تعقيداً. إلا أن من بينها ظاهرة ثقافية لفتت انتباهي، وشدتني لمعنى آخر، ومنذ الزيارات الأولى بدأت أشعر أن تلك الندوة ليست فقط ظاهرة ثقافية عابرة، ولكنها مؤسسة ثقافية غير رسمية، وسمة بارزة الحضور في المشهد الثقافي الوطني، وتواصل معرفي وثقافي وعلمي، سمته حوار منتج تجاوز ملامح مرحلة اتسمت إلى حد ما بالجمود أو البقاء في حضن مفردات ثقافية لا تتجاوزها. 
ومنذ البدء أدركت أن للمثقف الذي يقف خلف تلك الندوة ويديرها ويرعاها ويتابع مشروعها سمة وحضوراً وانشغالات أكبر بكثير مما ألفه الوسط الثقافي التي عبرت عنها صالونات، حضرت وغابت، ومجالس عقدت وانفضت.. ولم تكن تلك الندوة سوى أحدية الأستاذ الدكتور راشد بن عبدالعزيز المبارك رحمه الله. 
عندما يُذكر الدكتور راشد المبارك، تستدعى ندوة الأحدية الشهيرة، وعندما تُذكر الندوة تبرز ملامح الصديق العزيز والمثقف الكبير الراحل راشد المبارك. إلا أن (الأحدية) في نظري لا تشكل سوى جزء يسير من مشروع ثقافي كبير عنوانه مفكر ومثقف لا تتوقف مهمته عند رعاية ندوة ثقافية، بل تتجاوزها إلى ذلك الإطار الذي يشد المثقف إلى عالمه فاعلاً ونشطاً في خدمة مشروع يؤمن به، ويدافع عنه، ويبذل الكثير من أجله.
 كانت تلك الندوة تعبيراً عن شغف الرجل بتكوين ملمح ثقافي يضم كل الأطياف الثقافية عنوانه نشر ثقافة الحوار، قبل أن تصبح مهمة رسمية، وتأسيس هذا الحوار على فكرة التسامح والقبول بالرأي الآخر قبل أن يصبح ذلك عنواناً شائعاً. كانت مدرسة حقيقية للاستزادة المعرفية، وللدربة على الحوار وجدلية الأفكار، وكم حملت من طروحات، جرأتها ومصدر مباغتتها في مرحلة قلق ثقافي واستسلام للسائد. 
 وإن كانت ثمة صفة يمكن أن تستوعب راشد المبارك فهي المثقف المفكر، فهو مثقف كبير بالمفهوم ليس فقط الموسوعي الاطلاع والواسع المعرفة، ولكن من خلال دوره التنويري، الذي يجسد ملمحاً مهماً في شخصيته وتكوينه. 
 أعتقد أن هناك أربعة جوانب يمكن قراءتها في شخصية راشد المبارك، الجانب الأول يتعلق بإضاءته الفكرية، والآخر، جانب المثقف في شخصيته، والثالث أدبه وشعره، والرابع إسهامه في المشروع الثقافي الوطني من خلال ندوة (الأحدية). وأعتقد أن هذه الورقة تقصر عن بلوغ أي من هذه الجوانب، لكنها تحاول إضاءة بعض تلك الملامح التي يمكن أن تفتح مجالاً رحباً فيما بعد لقراءة أوسع وأشمل لراشد المبارك مفكراً وشاعراً وأديباً ومثقفاً. 
سأحاول أن أتلمس إضاءات راشد المبارك الفكرية من خلال بعض كتبه وهي: أوراق من دفاتر لم تقرأ، هذا الكون ماذا نعرف عنه، وفلسفة الكراهية، والتطرف خبز عالمي. ومن يدقق في مضامين تلك الإصدارات يمكن أن يخلص إلى خيط تنتظم فيه رؤية المثقف والمفكر راشد المبارك. 
فأوراق من دفاتر لم تقرأ، مرافعة فكرية تصعد بك لاكتشاف ملامح العطب، فمن صور الجذوة والخمول في فكر المسلمين، ومن الفكر صانعاً للحدث، إلى الفكر لا يتعامل إلا مع نفسه، إلى تلك الظواهر التي تلمَّسها المؤلف في علاقة المسلمين بالفكر اصطلاحاً وقراءة واستلهاماً، إلى صناعة الكلام وهيمنته على بضاعة العرب الأدبية والمعرفية. نتلمس هذا الخيط الذي يشد أجزاء تلك القراءة العميقة للخمول الفكري وآثاره وتبعاته وعوامل استدامته.
وإذا حق لي تقييم تلك الدراسة التي تتجاوز ستين صفحة لقلت إنها أيقونة الكتاب برمته ومدخل مهم لاستيعاب التوجهات الفكرية لدى راشد المبارك.
 (هل عرف البشر في تاريخهم الطويل جهداً مهدوراً أو مزاولة غير متحضرة أو توحشاً في الطباع والأخلاق، أكثر ضياعاً أو أشد جفاء وأبعد عن خلق الإنسان في مستواه المفترض والمشروط، من جهد مزاولة أو توحش من يسعى لخنق الفكر، أو الحجر عليه أو مصادرته، أو فرض فكر مخالف عن طريق سوط الجلاد أو عصا المؤدب.. هل هو قارئ للتاريخ ذلك الذي يظن أنه يمكن التعامل مع الفكر لتأكيده أو الدفاع عنه أو محاربته بوسيلة غير فكرية..). 
وعندما ندرك أن هذا المبحث المتميز في موضوعه وجرأته واستلهامه للمشكل الكبير الذي يعيد إنتاج التخلف والتراجع قد نشر قبل ثلاثة عقود من الزمن ندرك أسبقية راشد المبارك في إثارة الانتباه لمسألة تكاد حينها تغيب عن المنظومة المعرفية التي تكرس ثقافة التلقين والتدجين. 
(إلى كل طغاة العالم) فصل آخر لا يقل أهمية عن الفصل السابق، فقد كانت صرخة في وجه الاستبداد، واقتراباً من تفسير نزعة المستبد، وإدانة كبيرة لطغاة العالم، وذلك قبل أن تصبح التحولات الكبيرة في مفاهيم الديمقراطية عنواناً مفضلاً لكثير من الكتاب والمحللين. وفي هذا الكتاب أيضاً نجد همَّاً يؤرق العالم والمفكر راشد المبارك تجاه قضية لم تتأصل قيمها بعد لتصبح فريضة واجبة إلا أنها غائبة، وهي قضية البحث العلمي. 
وفي هذه المسألة يستفيض راشد المبارك في تناول عدد من الاستشكالات حول انتشار أو انحسار الثقافة العربية.. من خلال ملاحظته لظاهرتين: الأولى، العجز الفاضح على مستوى المشاركة في المنجز العلمي والتقني لعالم اليوم المتقدم.. والأخرى أن ثقافة الغرب انتشرت وبهرت لما حققته من إبداع في كشف أسرار المادة وطبيعة الكون.. وهو ما يجهل أو يخفى عن قصد في محيط الثقافة العربية.. ولا يتردد في تكثيف الإشارات حول أن القدرة العلمية هي الأم الولود لكل الجوانب المؤدية إلى القوة، وهي الفريضة الواجبة والغائبة في آن واحد. 
هذا الكتاب تنتظم دراساته في خيط يمكن تلمسه واكتشاف معانيه، عنوانه حالة التوقف والجمود، التي لا يكسر هيمنها سوى إعمال الفكر وإشغال العقل واستعادة التفكير في اللا مفكر فيه. 
أما كتاب فلسفة الكراهية، فهو بقدر ما يحرك الإعجاب بموضوعه ومضمونه وطريقة معالجته.. يحرك الرغبة في الاستشكال والتحديق المزمن في مسائل شائكة معقدة.. ألقت بظلالها في السنوات الأخيرة على مجمل الأحداث العالمية، وشكَّلت سؤالاً مهماً في عقل العرب والغرب حول علاقة المسلمين ببعضهم وعلاقتهم بالغرب. ومن بين المعاني الدقيقة التي يجترحها المؤلف في هذا الكتاب نكتشف وعيه ورؤيته العميقة للإشكال الإنساني.. ولغته الدقيقة البليغة التي عبرت عن المعاني تلك بشفافية ووضوح. 
إن النزعة في البحث عن السلام النفسي والاجتماعي، هي ما يحرك المؤلف ليخلص معللاً طول غياب الوجه الإنساني من الحضارات القديمة: 
 (إن عقل الجماعة أو المجتمع يبقى أحقاباً متطاولة مجتراً أو مزاولاً لما ألف وعرف مهما كان حظ هذا الألف من الظلال وبعده عن الحقيقة. إنه يفقده النظر المبصر لما هو عليه من خطأ ما لم يصدمه من الأحداث ما يوقظه من سباته). 
 (هل الكراهية فلسفة أي أن تكون بناء يقوم على فلسفة بمعنى أنها موقف عقلي يجيء نتيجة لأحكام العقل وشروطه؟.. هل هي موقف فكري اعتمد قضايا المنطق في مقدماته ونتائجه، وهل عُرف أن أحداً من دعاة ورعاة الكراهية دعا إليها دعوة تقوم على الإقناع بفوائدها وعوائدها من حيث إنها صفة فضل أو عمل عقل.. أم أنها حالة تدعو إليها الأخلاق؟ هل هناك من يرضى أن يقدم نفسه أو يقدم للآخرين معرفاً ذاته على أنه داعية للكراهية حامل لها مبشر لمحاسنها، مهما جاءت ممارساته وسلوكه وعلاقاته ترجمة لهذه الكراهية؟). 
(ليست الكراهية إلا الإعلان الضاج عن عجز الذات عن مواجهة مشكلاتها مواجهة ذكية وقوية تخرجها من هذه المشكلات، وليس تأصل الكراهية واستحكامها إلا دليل على تأصل العجز واستحكامه). 
 بهذه الكلمات يحاول إخراج هذه المسألة من حدود القراءة التجريدية.. حيث يحلق في فضاءات نفسية/ اجتماعية إلى حدود البحث في دراسة حالة تتماس مع الثقافي والتاريخي، الذي يمثل البيئة المثالية لإشعال فتيل الكراهية وهو يتحفز دائماً إلى إضرام النار في التاريخ وجغرافيا الآخر.. لرفع درجة حرارة الواقع ليصبح في مستوى النزال التاريخي الذي كان. 
 أما علاقة المسلم بمثله فقط عالجها المفكر راشد المبارك عبر إضاءة جميلة، استلهمها من تلك التغذية الضارة من السنابل الميتة وجذور تلك الكراهية وحصادها المر عبر قراءة في سفر الخلاف بين الفرق الإسلامية المتناحرة.. وانتهى إلى دعوة إلى حلف فضول جديد. وفي رأيي أن هذا الجزء هو أكثر أجزاء الكتاب أهمية، وهو المناط به تحرير العلاقة مع الآخر المؤتلف - إن جاز التعبير - لتمييزه عن الآخر المختلف، مهما بدت المسافة التاريخية لعقدة الخلاف كبيرة وشاسعة، ومهما سعى بعض أحفاد الكارهين لإعادة إنتاج خطاب الكراهية والفرقة والخلاف المذموم. 
أما في كتابة التطرف خبز عالمي، فتظهر لدى المؤلف روح الباحث المستقصي، والمثقف الذي تتنازعه روح التسامح ونبذ الكراهية والتعصب، وتؤرقه دلائل وشواهد تغذي نزعة التطرف لدى الآخر أيضاً. وفي هذا الكتاب تتبّع دقيق واستقصاء لا يمكن تجاوز دلالاته. وهو يؤكد ألا تعارض بين ما جاء في كتاب فلسفة الكراهية وما جاء في كتاب التطرف خبز عالمي ولكنّها مقتضيات الموضوعية، وما توجبه على الذات من شروط العدالة التي توجب محاسبة النفس وإنصاف الآخر. 
 وتتلخص رؤية راشد المبارك لقضية التطرف -وهي من أكثر القضايا التي تُشغل العالم في وقتنا الحاضر، حديثاً عنه، ومقاومة له، وتتبعاً لآثاره- بأن التطرف ظاهرة شاذة في الشعوب والمجتمعات وبين أتباع المذاهب والأديان إلا أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تتجاوز معالجة هذا الشطط، العدل إلى الظلم ولا أن يؤخذ البريء بذنب المذنب ولا أن يُسحب خطرُ التطرف وأثره على من سواهم من بني جنسهم، أو المشاركين لهم في معتقد أو ثقافة، فتصبح المعالجة عند ذلك خطأ فادحاً يحوِّل التطرف إلى مرض جماعي يستفحل داؤه ويصعب علاجه. 
أما في كتابه الفريد الذي أدب فيه العلم (هذا الكون.. ماذا نعرف عنه؟) فقد كان إسهاماً يشغل مساحتين في عقل راشد المبارك. أولاهما قلقه الدائم من تواضع المنجز العلمي لدى العرب والمسلمين وغفلتهم عن هذه الفريضة الواجبة الغائبة، وكأن هذا الكتاب محاولة لنشر ثقافة علمية رصينة بلغة أدبية أكثر رصانة وجمالاً واستساغة، ولتكون مفاهيم العلوم الطبيعية قريبة من أذهان القراء لا حقل المتخصصين وحدهم. 
أما اللافت في هذا الكتاب فهو محاولته كشف تلك العلاقات بين مسار التقدم في الاكتشافات العلمية وخصوصاً قوانين الطبيعة، وأثرها على العلوم الأخرى الاقتصادية والاجتماعية.. وعندما بدأ يربط بين قوانين الحركة لنيوتن وتلك التطورات في مسارات تلك العلوم الاقتصادية أو الاجتماعية، حلقت داخلي تلك الومضة النادرة لأرى بوضوح تلك العلاقة بين قوانين العلم الطبيعي والإسهام الذي أحدثته في تطوير علوم الاقتصاد والاجتماع والسياسة... ولم أجد أن باحثاً أو مفكراً أو دارساً عربياً كانت له عناية لبحث تلك العلاقة بين قوانين الطبيعية وأثرها في التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على النحو الذي اقترب منها أو عالجها هذا الكتاب.
وكان آخر مؤلفات راشد المبارك (شموخ الفلسفة وتهافت الفلاسفة) الذي صدر قبل أربع سنوات.. فقد عرضه فصولاً في ندوته وأخضعه لكثير من المراجعة قبل نشره.. وهو كتاب يعترف بشموخ الفلسفة باعتبارها سلماً للحقيقة، لكنه يراجع تهافت بعض الفلاسفة في تفسيرهم أو مذهبهم أو رؤيتهم لقضايا جعلها المؤلف تحت عين النقد والتشريح، ما جعل من هذا الكتاب يستحق أهمية خاصة للمشتغلين بالفكر والفلسفة. 
من تلك الإضاءات يمكن اكتشاف ملامح الخط الفكري عند راشد المبارك، ويمكن القول إن تلك الإسهامات الفكرية التي ظهرت في دراساته وأبحاثه وضمَّنها في كتبه تقود إلى اكتشاف التالي: 
- النزعة الإنسانية المتفوقة لدى راشد المبارك، فهو مسكون بقلق الإنسان، مشغول باكتشاف عثراته، باحثاً ومشترطاً حياة أرقى وأفضل. وتبرز روحه المتسامحة والداعية لفضيلة الاهتمام بقضايا الإنسان وعلاقته بأخيه الإنسان متجاوزاً نزعات الكراهية، ومديناً بواعثها، وكاشفاً تهاوي وضعف مقوماتها، وهشاشة عوامل صمودها وبقائها. 
- الجملة العصبية الفائقة الحساسية لدى راشد المبارك، التي تلتقط مناطق قد تبدو غائبة عن التفكير أو من غير المفكر فيه، واستدعائها نقاشاً وبحثاً واستقصاء. وهذه سمة المفكر الذي يشعل الأحداق والعقول بإضاءة زوايا قد تبدو مجهولة أو غير مقروءة أو يتم تجاهلها على الرغم من أثرها البالغ الأهمية في معاودة استلهام مشكلة تخلف أو تعثر وبواعث تقدم ونمو. 
- انشغاله وقلقه الكبير على مستقبل أمته، ونزعته الدائمة لتشخيص واقع التخلف والتوقف من منظور وأبعاد تطال العلمي والثقافي والتاريخي بلا مواربة أو قلق من الاقتراب من مناطق يحاذر كثيرون الاقتراب منها. 
- انتصاره لهويته العربية، ونزعته القوية لتأكيد عناصر القوه ومكامن الإبداع فيها ودفاعه القوي عن حصون أمته، التي يمكن أن تستعاد لحالة ميدانها، التقدم لا التوقف عند الماضي، والبحث في مكامن الخلل لا إدانة الآخر، وجرح الذات ومواجهتها لا الهروب منها أو مداراتها. 
- القدرة على الربط الفائق بين عناصر التقدم بالإجمال، وعنايته بالفكر كمقوم أصيل وكبير لمواجهة مأزق التوقف. يعينه على ذلك قراءته الفلسفية العميقة وإحاطته بالمذاهب الفلسفية ومحاكمته لها. 
أما راشد المبارك المثقف، فهناك ملمح في شخصية مثقف لم يتوقف عند حدود إنتاج المعرفة استلهاماً وإضافة وإبداعاً. إنه تجسيد لدور المثقف التنويري، الذي يحمل بالإضافة إلى تكوينه المعرفي، قيمة أخرى أكثرَ أهمية وهي الإسهام في إنتاج المجتمع نفسه. 
وإذا تجاوزنا صفة المثقف الموسوعي المعرفة، إلى مستوى المثقف التنويري الحامل لقيم فكرية وإنسانية يدعمها رصيده المعرفي واطلاعه الواسع، تتجسد في مستوياتها الأعلى، صناعة للوعي، ومشاركة في البناء، واستلهاماً لدور لا يعاني التناقض أو الشلل أو الجمود. فيمكن حينها تلمس كيف يتجسد ذلك الدور الكبير لمثقف مثل راشد المبارك الذي لم يتوقف عند حدود إنتاج المعرفة أو قراءة الفكر، أو تلمس إضاءات الأدب أو جدليات الواقع واستعادة مضامينه ومحاولة إعادة تركيبه.. لنكتشف تلك اللحظة التي يعانق فيها المثقف تلك المفاهيم الفاضلة، ويجسدها فعلاً وحراكاً وعملاً دائباً عنوانه حق الإنسان في الحياة. 
كثيرون أولئك الذين يقتربون من هذا المعنى ترفاً فكرياً توسلاً وصعوداً على ملامح الإنسان. إلا أنه من النادر أن نرى ذلك الدور التوسطي الكبير بين تلك القيم التي يحملها مثقف، والممارسة اليومية التي تتعايش فيها تلك الأفكار مع الحركة والفعل ومعاودة البحث عن منافذ إضاءة تبدد وحشة عالم مسكون بالدمامات والقلق والتوجس. 
 بين منظومة فكرية يعبر عنها راشد المبارك في طروحاته وكتبه وبحوثه ولقاءاته التي تتميز بقدرة عجيبة على البناء المنهجي، وهو يستلها من مخزون بالغ الدقة والترتيب، دون ارتباك أو تعثر.. وبين ذلك الدور التوسطي الذي يجسد تلك العلاقة بين النظرية والممارسة تشتعل إضاءة الاعتراف بوجه المثقف. 
 لقد جسد عنوان البقاء في مشهد ثقافي له سمة الحضور لكن خلفه تكمن قناعات بمعنى ودور هذا الحضور. ذلك الحضور الجميل بين إشعاع الثقافة والتمتع بأجوائها المثرية للعقل والذائقة والبحث الدائب عن الحقيقة، وبين دور المثقف ومهمته الصعبة لصناعة عالم يستجيب لقناعاته، وهي حتماً لن تخرج عن انتصار المثقف للإنسان بكل ما يحمل هذا المعنى من أبعاد.
لقد رأيت دور المثقف الوسيط يتبلور في مهمة يحملها المفكر والمثقف الكبير راشد المبارك، الذي سخَّر الثقافة لخدمة مشروع يؤمن به، وبذل من الجهد انتصاراً لحق الإنسان المنتهك أو المتعثر، ومارس ذلك الدور التوسطي - ما وسعه الجهد - بين المجتمع والسلطة. 
 وعندما أتحدث عن راشد الإنسان، فلا يسعني سوى أن أقول إن خلف ذلك الحضور الشخصي والمخزون الثقافي الكبير يكمن إنسان كبير أيضاً. إنسان يتألم بشده لبعض الواقع الذي لا يسر، ويتحول هذا الجانب الوجداني في شخصيته من حالة قلق إلى شعور فائق بالالتزام، وحراك إيجابي، ليتبنى قضايا وطنية أو قومية لا يراها سوى جزءاً من مهمته، ودوراً لا ينفصم عن معنى وجوده. مثقف طالما استخدم كل علاقاته بلا تردد من أجل الانتصار لحق يراه انتهك، وطالما حمل عبء معاناة إنسان وجعل منها قضيته الأساسية حتى يصنع شيئاً من أجلها. وطالما عرفت عن قرب كيف تبدو للبعض تلك المفارقات بين وجاهة النشاط الثقافي والتزاماته وعلاقاته وبين حضور الإنسان في أجندة مثقف قد لا نكتشفه إلا نادراً. 
لطالما توقفت عند تلك الانتهازية الثقافية، التي تتبدى علامة فارقة عند كثير من المثقفين اليوم بين عبء مشروع لا يصنعون من أجله الكثير، وهم الذين يحافظون على بقائه توسلاً للمعنى الثقافي، وبين ممارسات انتهازية جعلت من تلك النماذج حالة بائسة لا تبشر بإمكانية الثقة بدور مثقف أو الاقتراب من عالمه المسكون بين الانتهازية وتوسل ذلك الحضور في مشهد ثقافي يعج بالكثير من الجعجعة والقليل من الطحين. 
راشد المبارك حالة خاصة في هذا المشهد الثقافي، مثقف يحمل منظومة فكرية بالغة الدقة يعبر عنها كثيراً في أطروحاته وكتبه وبحوثه وفي لقاءاته التي تتميز بقدرة عجيبة على البناء المنهجي حتى يصل إلى تلك النتيجة المبنية على مقدمات مستفيضة تقدم لسامعه أو قارئه فكرة مباشرة عن قيمة هذا المخزون المعرفي والقدرة المتميزة على المحاكمة الذهنية الدقيقة ومقدرة على الانسجام بين منظومة ذهنية يعبر عنها المثقف في أدبياته المسموعة والمقروءة وبين دور ومهمة المثقف الفاعل والمؤثر. 
 لم تكن مسألة الحضور الجماهيري حاضرة في عقل مثقف كراشد المبارك وهي لا تحتاج أكثر من مداعبة العواطف الاجتماعية والانتصار اللفظي في منبر أسبوعي يتيح ممارسة ذلك الدور، وهو من ظل يحاذر أي خطاب جماهيري عاطفي أو انتهازي لحشد الأضواء وتركيز فكرة البقاء في مشهد ثقافي. إنه من نذر نفسه لممارسة دور كان بالإمكان أن يكون أكثر تأثيراً وابلغ حضوراً لكنه تعامل مع نسق عام لم تتجسد فيه فضائل المثقف الوسيط. وهنا تكمن إذن فكرة الوسيط الموضوعي، فهو ليس معني إلا بما يحققه من نتائج، قد تتأتى عن طريق تلك الممارسة، وقد تتواضع نتائجها لأسباب خارجة عن إرادته.. لكن الإصرار على ممارسة هذا الدور والعزوف عن الأضواء أو البحث عن الجماهيرية، هو المعنى المتجسد في مثقف استطاع أن يصالح بعض التناقضات لصالح فكرة البقاء، وهو يحظى بالقبول والثقة. 
 أعتقد أن الدكتور راشد المبارك لعب هذا الدور بحذق، وهو الذي لم يجعل الحضور الثقافي سلَّماً يصعد عليه، بل سخَّره لعبور هذا الدور وهو دور المثقف الوسيط.. هذا الدور الذي ظل يتراجع ضمن معادلة القوى الاجتماعية اليوم. إنها المهمة التي نذر نفسه لها. مثقف يرى أن دوره أكبر وأكثر أهمية من البقاء في مشهد ثقافي في ندوة أسبوعية. 
راشد الإنسان لا يمكن فصله عن راشد المثقف، وفي زمن بات فيه التماس دور المثقف الوسيط معقداً وصعباً، وفي بيئة قد لا تعترف أحياناً بهذا الدور، فقد انتزعه راشد بجدارة، وبطريقة تنم عن قدرة مذهلة على الاستحواذ والقبول، وراشد المفكر لا يمكن عزله عن راشد المثقف، فهو دائماً في حالة تأمل واستعادة واستشكال تبدأ من تراث العرب الأدبي حتى تخوم الفلسفة الغربية التي تعني له تحدياً ذهنياً لا متعة عقلية فحسب. وراشد المتذوق والشاعر والأديب اقترب من النقد الأدبي قارئاً ومتأملاً ومبدعاً، وراشد العالِم المسكون بفكرة التقدم العلمي شرطاً وإنتاجاً وبحثاً ووظيفة، قدم عطاءً متميزاً، لا في حلقات معزولة في سياق أبحاث علمية متقدمة، ولكن في قدرته على قراءة حلقات العلم والكشوف بطريقة جعلها مادة أدبية شيقة، وملمح فكري مهضوم، واستدراك لتأثير خاف على كثيرين في طبيعة ذلك التقدم وتجلياته. 
رحم الله فقيد العلم والثقافة والإنسان النبيل الدكتور راشد بن عبدالعزيز المبارك رحمة واسعة.
ذو صلة