مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

آثار ألف ليلة وليلة في الآداب الغربية وفنونها

(ألف ليلة وليلة).. عنوان أشهر مجموعة قصصية عربية، فلم يشتهر كتاب في العالم مثلما اشتهر هذا الكتاب، ولم يؤثر كتاب في الأدب العالمي مثلما أثر هذا الكتاب.
هو سفر من أسفار العرب، وبالرغم مما فيه من تأثيرات الحضارات الأخرى كالهندية والفارسية إلا أن الأدب العربي احتضنها وتعهدها بالبقاء، ويمكن القول بكل ثقة إن ألف ليلة وليلة عربية الوجه واللسان.
ومع أنّ المسعودي في (مروج الذهب) وابن النديم في (الفهرست) يشيران إلى كتاب فارسي بعنوان (هزار أفسانة) أي ألف خرافة، والخُرافة بالفارسية يقال لها: أفسانة، وهزار يعني ألف، فمع أنهما ذكرا هذا الكتاب القريب الشبه في عنوانه وشخصياته الرئيسية بألف ليلة وليلة، إلا أنّ كتاب ألف ليلة وليلة بتقاليده القصصية، واحتفاظه بصورة مميزة للحياة العربية عبر العصور يثبت عربية هذا الكتاب، ويؤكد براعة الخيال العربي، فلم يكن كتاب ألف ليلة وليلة كتاب تسلية فحسب، بل كان ولم يزل موسوعة أدبية عظيمة زاخرة بالكنوز الأدبية والفكرية والسياسية والاجتماعية التي تصور شخصية الإنسان العربي في أزمنة معينة، وتبين خلجاته النفسية وتطلعاته الإنسانية عن طريق الحكايات والخرافات التي يتخللها شواهد شعرية كثيرة، ويتضح ذلك بكثرة في الحكايات البغدادية.
وهذه الحكايات التي يتألف منها هذا الكتاب تقسم إلى أربعـة أنواع: -1 حكايــة المفتتح. -2 حكايات الإطار. -3 حكايات تضمينية. -4 حكايات خارج السياق.
وقد جاء النوعان الأخيران لتسلية أحد شخوص الحكاية، أو للعبرة، أو لدفع مكروه عن أحد الشخوص، أو لأسباب أخرى. وهذه الحكايات كما جاء في الموسوعة العربية العالمية (مجموعة من الحكايات التي روتها شخصية تُسمى شهرزاد للسلطان شهريار). وشهريار ملك عاين خيانة زوجته فتحول إلى سفاح، يأخذ بكراً كل ليلة ويفترعها ثم يقتلها من ليلتها، حتى ضج الناس وهربوا ببناتهم، ولم يبق في تلك المدينة إلا شهرزاد ابنة الوزير. وشهرزاد حاكية هذه القصص شخصية قرأت الكتب وسير الملوك وأخبار الأمم. قيل إنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ والشعر، فقالت لأبيها وزير السلطان: زوجني هذا الملك، إما أن أعيش، وإما أن أكون فداءً للبنات وسبباً لخلاصهن. وكانت تقص عليه كل ليلة حكاية، ثم تسكت عندما يدركها الصباح عند موقف مشوِّق، مما جعل السلطان يستبقيها لسماع حكاياتها الباقيات.
وقد أبهرت وحيرت هذه الحكايات الغرب منذ ترجمة هذا الكتاب لأول مرة على يد (أنطوان جالان) المستشرق الفرنسي في القرن الثامن عشر، ثم تبعتها ترجمة (إدور وليم لين) ما بين (1838 - 1840) ثم ترجمة (جون باين) ما بين عامي (1882 - 1884) ثم ترجمة (رتشر برتن) الإنجليزية (1885).
وكان لحكايات (ألف ليلة وليلة) تأثير عظيم على الآداب والفنون في العالم كله، فهي إنجاز أدبي ضخم قدّره الغربيون، فترجموه إلى لغاتهم، وتحول الكتاب إلى وحي لفنانين كثيرين ظهر في أعمالهم الروائية والمسرحية والشعرية والموسيقية وغيرها.
وممن تأثر به من الأدباء (هنري فلدنج) و(خرخلوس برخيس) و(ثاكلي) و(اسكت) و(جوتا) و(جيرال دي نرفال) و(دماس) و(استندال) و(فلبير) و(هلكي كونل)... إلخ. هذا غير استحضارها في الفنون الأخرى، فقد وضع (رامسيكي كورساكوف) سيمفونيته الشهيرة (شهر زاد) عام (1887)، كما ألهمت الرسام (إدموندولاك) وغيره. وتحولت بعض حكايات الكتاب إلى أفلام، كفيلم (علاء الدين) و(لص بغداد) و(علي بابا) فضلاً عن كثير من ألعاب الأطفال وبرامج تسليتهم.
ومن الأعمال الأدبية التي تأثرت به مسرحية الكاتب الإسباني (بيدرو كالديرون) (إنما الحياة حلم)، وهناك أيضاً المعجزة الثالثة والعشرون في (ديوان المعجزات) للشاعر الإسباني (جونثالوا ديبرثيوا) وهي تشبه قصة التاجر البغدادي الذي سُرقت منه أمواله في الصين، فاضطر إلى استدانة ألف مثقال من أحد التجار هناك، واعداً إياه أن يردها له في ميعاد وموضع معينين.
وأيضا (الأيام العشرة) للإيطالي (بويكاشيو) الذي ضمن عمله هذا مئة حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة، وأسندها إلى سبع سيدات، وثلاثة رِجال اعتزلوا المدينة فراراً من الطاعون، وفرضوا على كل منهم حكاية يقصها على أصحابه.
كما اقتبس منها الكاتب الإنجليزي (شكسبير) مسرحيته (العبرة بالنهاية) والكاتب الألماني (إفرايم ليسينغ) في مسرحيته (نافان الحكيم).
و(إدجر ألن بو) في قصته (the sothand and saknd tern of shahr zad) الليلة الثانية بعد الألف من ليالي شهر زاد، التي أنهاها بإعدام الملك شهريار زوجته شهرزاد، على خلاف ما في ألف ليلة وليلة الأصلية. ومن الأعمال التي تأثرت بـ(ألف ليلة وليلة) قصة (the story telars dotar). للكاتبة (كاميرون دوكي) للأطفال.
وفي اليابان ترجمت (ألف ليلة وليلة) في القرن التاسع عشر مرتين، وفي القرن العشرين عدد من المرات، وكان لها حضور طويل في أعمال غير قليل من الروائيين والشعراء.
وفي الشعر الإنجليزي نجد قصيدة (ويلز ويرث) (the belud tenson the kolekshns the arebbin nit) وقصيدة ألفريد تين سون (collection of the arebin laies) التي يقول النقاد عنها: إنه قد استوحى أسوارها الساحرة من قراءته في (ألف ليلة وليلة) وبالذات من قصة (نور الدين وأنيس الجليس)، وقد تردد فيها ألفاظ مثل: بغداد وهارون الرشيد، والبلبل والخلافة.
ومن تأثير (ألف ليلة وليلة) العظيم في الأدب العالمي تمهيدها السبيل لظهور مذهب الواقعية السحرية ذلك المذهب الذي شاع في ثمانينات القرن العشرين على يد عدد من كتاب أمريكا اللاتينية أمثال (خورخي لويس بوخيس) و(يرسيم بركيس)، وقد ذكر (بلخيس) أنه تأثر بذلك الكتاب في بناء طريقته الإبداعية، بما تعج به من الخوارق والمعجزات، والدهشة والغرابة، واللامعقول.
وكان (جوته) يتذكر بعض قصص ألف ليلة وليلة، التي كانت جدته تقصها عليه قبل أن ينام، وقد انعكس تأثيرها على جوته في روايته الأولى (ألان فيرتر)،
فقد جاء في رواية (فيرتر): (كانت جدتي تحدثنا عن الجبل الممغنط، وكيف تتفكك السفن التي يشتد دنوها منه، ويتطاير حديدها فيسقط ملاحوها في البحر بين الألواح المتداعية).
ومن أعمال جوته التي تأثر فيها بهذا الكتاب مسرحية (مزاج العاشق)، وكتب جوته قصيدة تحت عنوان (دير شاتس بلابر) حفار الكنز، استوحاه من حكاية علي بابا والأربعين حرامي. وتأثر جوته بحكاية البِساط السحري فنسج على غرارها مسرحية (الابنة الطبيعية) عام (1802).
هذا غيض من فيض التأثير العظيم لكتاب (ألف ليلة وليلة) في الغرب في الآداب والفنون، ولازال التأثير مستمراً.
ذو صلة