باستثناءات تكاد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة لما يزل الخطاب النقدي العربي المعني بتجربة الحداثة الشعرية العربية يعيد القول حول الدور الذي نهضت به تجربة الشاعر السوري محمد الماغوط في التأسيس، ومن ثم في التأصيل، لقصيدة النثر العربية، من دون أن يكلف مؤرخو هذه التجربة ونقادها أنفسهم عناء البحث والتقصي فيما سبقها من علامات أحدثت ما يشبه الزلزلة في الذائقة الجمعية العربية التي عاشت لنحو أربعة عشر قرناً رهينة القواعد والقوانين التي انتهى الخليل بن أحمد الفراهيدي إليها عبر تتبعه للمنجز الشعري الذي أبدعه العرب في جاهليتهم، بالإضافة إلى ما قال به النقاد الأوائل، أمثال الآمدي والجرجاني وقدامة بن جعفر والجمحي وابن قتيبة وابن طباطبا.
إن المتتبع لتجربة الحداثة الشعرية العربية، ولاسيما ما يعني قصيدة النثر، ينتهي إلى أن ثمة ثلاث علامات تنتمي إلى الجغرافية السياسية السورية أرهصت بهذه القصيدة، وحملتْ في داخلها الملامح الأولى الدالة عليها، وأولها مجموعة أورخان ميسر (1914 - 1965): (سريال) التي كانت صدرت سنة 1948، والتي يمكن عدها أول مجموعة شعرية عربية تنتمي نصوصها إلى قصيدة النثر، وكان الشاعر أدونيس قدم لتلك المجموعة بقوله: (لئن كانت الثورة الشعرية مجموعة من المتغيرات الجذرية في مفهوم الشعر وفي بنية الكتابة الشعرية على السواء، فإن إنتاج أورخان ميسر يندرج في المقدمات النظرية الطليعية لهذه الثورة في الممارسة الشعرية العربية. إننا في هذه الثورة ننتقل من صورة جديدة للإنسان العربي إلى صورة جديدة للشعر العربي، أي من انقلاب في فهم الإنسان إلى انقلاب في فهم الكتابة).
أما العلامة الثانية، فهي مجموعة الباحث والشاعر خير الدين الأسدي (1900 - 1971): (أغاني القبة) (1951)، الذي عده الباحث عبدالفتاح قلعة جي (أول مَن كتبَ قصيدة النثر من أدباء حلب)، ووصفه بأنه كان من أوائل من طرح هذه القصيدة التي كان بدأ كتابتها منذ الثلاثينات بشكل جدي، كما وصف أسلوبه في المجموعة (بالأصالة والمتانة والأسر وروعة انتقاء الألفاظ والتصرف اللغوي والصوتي بها)، وأنه استطاع في (ديوان يتيم)، يقصد (أغاني القبة)، أن (يحقق شخصية أسلوبية متفردة، كما استطاع كلغوي ذواقة يدرك مجاهل اللغة وأسرارها أن يطلق ما في اللفظة من طاقات صوتية وإيحائية.. وقد نبه إلى الموسيقى الداخلية للكلمة، الناشئة عن المعاني والصوتيات، والتي تخلص القصيدة من الرتابة الموسيقية التي تفرضها الأوزان الخليلية).
وكان الأسدي صدرَ مجموعته بما يجهر بانتماء نصوصها إلى شكل جديد في الكتابة الشعرية والنثرية بآن، اصطلح عليه بالشعر المنثور، فقال: (هذه نفحاتٌ من الشعر الصوفي المنثور، ارتفعت عن دنيا اليقظة، كما ارتفع الموضوع عن دنيا الهيولى، وأرسلَتْها الغيبوبة الغارقة نثرات من رفاه الحب، وجَواه إلى ساحة ما وراء الطبيعة)، كما كان من أوائل من نظرَ، على نحو موجز في تلك المقدمة، لبعض خصائص قصيدة النثر، ولاسيما ما يعني الإيقاع الداخلي لها، ومن ذلك قوله: (وناديتُ موسيقى اللغة أجسدُ بها المعاني، وأجلو الأجواء التي ارتضيتُها، فلبتْ، ورفَدَتْ، وآذنتْ باستجابة غريبة سحرية في أدق أحاسيس النفس وأسماها).
وحسب غير مؤرخ لتجربة الحداثة الشعرية العربية تمثل مجموعة الشاعر إسماعيل عامود (1930 - 2015): (من أغاني الرحيل) (1959) علامة فارقة في حراك قصيدة النثر العربية، والتي أسهمت مع التجربتين السابقتين عليها، تجربة أورخان ميسر وتجربة الأسدي، في إحداث انقلاب في مفهوم الكتابة الشعرية العربية، وفي التأسيس لكتابة مغايرة لتقاليد تلك الكتابة وأعرافها وقواعدها التي ظلت تحكم تعريف الشعر كما تحكم شكله لأكثر من أربعة عشر قرناً. وكان عامود عللَ في حوار معه مضيه إلى ذلك الشكل من الكتابة، وتعلقه به بعد ذلك، برغبته الجامحة في الانفلات من المألوف، وفي تعريفه القارئ بأن الفن والشعر الوجداني الإنساني لا يمكن أن يؤطره شكل محدد ولون مقيد وديباجة تقليدية، وبأن الشعر المنثور، حسب تعبيره، يمكنه استيعاب أحاسيس أكثر.
ومهما يكن من أمر أن المجموعات الثلاث المُشار إليها آنفاً لم تستطع إحداث الأثر الكافي لحساسية شعرية جديدة، كما فعلت تجربة محمد الماغوط فيما بعد وحركة مجلة شعر ومَن اصطُلح عليهم بالشعراء التموزيين، فإنها تمكنت من أن تلقي حجراً في بحيرة الذائقة الجمعية العربية الساكنة، فتحرك ماءها، وتشكل دوائر كانت تكبر شيئاً فشيئاً، حتى تم الاعتراف بقصيدة النثر بوصفها جنساً أدبياً جديداً يجمع بين طاقتين إبداعيتين، الشعر والنثر، بعد أن كرس النقد القطيعة بينهما على نحو يشبه الخطين المتوازيين اللذين لا يمكن أن يلتقيا مهما امتدا، وحتى أنزل ذلك الجنس الأدبي الجديد الشعر من عرشه المقدس، وكشف عن تلك الطاقة الإبداعية الكامنة في النثر بالقوة حسب تعبير الشاعر والناقد العراقي علي جعفر العلاق في كتابه: (في حداثة النص الشعري)، وأكد بآنٍ أن الوزن الذي يمثل الرافعة الأولى لفن الشعر محض عامل خارجي، وأن مفهوم الشعرية أشمل وأوسع وأعمق من مفهوم الشعر، وأن الأول، مفهوم الشعرية، هو ما يميز القول الأدبي من سواه مهما كان من أمر الجنس الذي ينتمي هذا القول إليه.