يعتبرها النقاد واحدة من أهم الشاعرات في الأدب العالمي، وقالت عن نفسها وهي في الحادية والعشرين من عمرها: (لا أعرف امرأة أكثر موهبة مني في الشعر). في الحقيقة يجب علي أن أقول لا يوجد إنسان يمتلك مثل هذه الموهبة، لكن ما دونته في دفاتر يومياتها، يكشف جوانب بشعة في شخصيتها وسلوكها، فهل ينبغي أن نستمتع بشعرها، ولا شأن لنا بأخلاقها، كما نفعل مع أدب أبي نواس مثلاً؟ أم أننا نعاني من ازدواجية معايير في التعامل مع المرأة والرجل؟ فنقسو عليها لأنها امرأة، أم أن البشرية تحتاج إلى العباقرة وإنجازاتهم العلمية والأدبية، ولذلك لا يجوز أن نطبق عليهم المعايير التي تسري على البشر العاديين؟
الخط الفاصل
يصاب الرأي العام بصدمة، حين يسمع أن المغني الشهير أو لاعب الكرة العالمي، الذي يحبه الملايين، ويعتبرونه مثلهم الأعلى، يضرب زوجته، فهل ينبغي أن يقاطعوا أغاني الأول، ويتوقفوا عن مشاهدة المباريات التي يلعب فيها الثاني؟ هل نتوقف عن سماع ألحان موسيقار عالمي، لأنه عنصري؟ هل يجب أن يكون المفكر أو المخترع أو العبقري في أي مجال قدوة في الأخلاق؟
في السنوات الماضية بدأت حملة (أنا أيضاً) أو (Me too) والتي كانت في المقام الأول موجهة ضد الرجال الذين يستغلون مناصبهم أو مكانتهم في المجتمع للتحرش بالنساء، وجرى فضح الكثيرين منهم، بعد نشر أسمائهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ومع زيادة زخم هذه الحملة، انتشرت دعوات لمقاطعة مسلسلات وأفلام، أبطالها متهمون بالتحرش، وقد وجدت فيها ملايين النساء حركة إيجابية، تكشف الجرم الذي تعرضن له لسنوات طويلة من الصمت والتجاهل، مع الاعتراف بأنها لم تلتزم كثيراً بالمبدأ القانوني الشهير، الذي ينص على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، الأمر الذي تسبب في تحطيم سمعة البعض، تبين بعد ذلك أنهم أبرياء من هذه التهم، أو على الأقل لم تتأكد المحاكم من ارتكابهم لهذه الجرائم المشينة، فحكمت ببراءتهم بسبب عدم كفاية الأدلة. فهل نواصل الاعتراف بالموهبة الفذة، ونستمتع بها، حتى ولو كانت هناك شكوك في أخلاقيات أصحابها؟
وعودة إلى الأديبة الروسية، مارينا تسفيتايفا، التي لا يتعلق الأمر حيالها بشكوك أو اتهامات حاقدة، أو شائعات مغرضة، أثيرت حولها، بل هي اعترافات كتبتها بخط يديها، ودونت تفاصيلها في 15 كتاباً حوت يومياتها في الفترة بين عام 1913 وحتى عام 1939، نشرت مؤخراً بالعديد من اللغات، في طبعة روسية كاملة، وطبعتين فرنسية وألمانية، احتوتا على مقتطفات منها، تقع في مئات الصفحات، وتكشف أن تسفيتايفا تخلت عن مشاعر الأمومة تجاه ابنتها الثانية، فكانت تتركها مقيدة أحياناً وهي رضيعة في البيت بمفردها، وسلمتها إلى دار أيتام وهي في الثانية من عمرها، متسببة بذلك في مقتلها جوعاً، وتعترف بفجاجة أنها لم تستطع أن تشعر بالحب تجاه هذه الطفلة التي جاءت عن طريق الصدفة، وأنها كانت (كائناً لا مستقبل له)، وأن ملامح وجهها تشبه شخصاً زنجياً، لكنه أبيض البشرة، مضيفة: (إنني لم أحبها أبداً، طوال حياتها).
هل يمكن أن نستمتع بقصائد الحب التي كتبتها، والتي بهرت الكثيرين أثناء حياتها، وملايين القراء بعد وفاتها، إذا علمنا أنها ثمرة علاقات غير شرعية، مع كثير من الرجال، بل وبعض النساء؟ ألم تقل (المرأة المحترمة - ليست امرأة)؟ إنها هذه الشخصية النرجسية التي قالت عن نفسها: (من لا يحبني، لا يعرف الحب).
جنون العظمة أم تقلبات الزمن؟
كانت البداية في عام 1892 داخل أسرة مرموقة، الأب عالم في تاريخ الفن، ومؤسس واحد من أهم المتاحف في العاصمة الروسية موسكو، وهو متحف بوشكين -نسبة إلى الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين، مؤسس الأدب الروسي الحديث-، والأم ذات الأصول البولندية الألمانية عازفة بيانو، نشأت مارينا كطفلة معجزة، تتحدث عدة لغات، وتتدرب ساعتين في الصباح، ومثلهما في المساء، على عزف البيانو، في وسط برجوازي غربي الهوية، كان سائداً في موسكو قبل الثورة الروسية، كتبت في مذكراتها عن نفسها في مرحلة الطفولة، أنها كانت تقرأ بطلاقة وهي في الرابعة من عمرها، وكانت تعزف الألحان التي لم تتدرب عليها، من النوتة الموسيقية التي تراها لأول مرة.
نشرت ديوانها الشعري الأول (ألبوم المساء) عام 1910، وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وتزوجت ضابطاً وهي في سن العشرين، ونشرت في نفس السنة ديوانها الثاني (المصباح السحري)، ثم أنجبت طفلتين، قرر زوجها الالتحاق بالجيش الأبيض، المناوئ للثورة، وغاب عن أسرته لسنوات، تعرضت فيها البلاد لفقر مدقع، وعرفت مارينا تسفيتايفا معنى الجوع والحرمان، وشهدت مصرع ابنتها الصغرى إيرينا، قبل أن تغادر روسيا إلى المنفى في باريس، مروراً ببرلين، التي قضت فيها شهرين، أقامت فيها علاقة مع ناشر كتبها، ثم إلى براج، التي بقيت فيها عامين ونصف العام، حيث وضعت ابنها جورجي عام 1925، وبقيت في المنفى 14 عاماً، قبل أن تعود إلى روسيا عام 1939، ثم تموت منتحرة شنقاً في عام 1941.
من المؤكد أنه من الصعب جداً التحول من العائلة الأرستقراطية الثرية، إلى السكن في غرفة فوق سطح عمارة، لا تتوافر فيها أساسيات الحياة، وتضطر إلى بيع مقتنياتها لشراء الطعام، واستخدام خشب الأثاث كوقود لطهيه، ثم التوجه إلى بيت الأيتام، وتزعم أنها خالة الطفلتين، اللتين فقدتا والديهما، حتى تستلمهما الدار، ثم تغيب أسابيع قبل زيارتهما، ليتبين لها أن الدار ليس فيها تدفئة ولا رعاية طبية، وطعام لا يكفي لبقائهما على قيد الحياة، وأن الأطفال الصغار يعانون من المرض، يرقدون متلاصقين في فراش قذر، وبينهم ابنتها الصغيرة إيرينا وقد بدا عليها الهزال الشديد، وفقدان العقل، فتقرر أخذ ابنتها الكبرى أريادنا، التي كانت أحسن حالاً، وتركت الصغيرة تلقى حتفها، مبررة ذلك بأن الطعام القليل المتاح لديها تستحقه الابنة الكبرى، وبعد موت الصغيرة تكتب لزوجها: (لا تحزن على إيرينا، فأنت لم تعرفها على الإطلاق، تخيل أن ذلك كان حلماً فقط)، مضيفة: (سيكون عندنا ابن، أعرف أن ذلك سيحدث، سيكون ابناً رائعاً بطلاً، لأننا بطلان)، وأوضحت أنها لم تر الجثمان، ولا تعرف مكان القبر، وتعلق قائلة بأن ذلك يبدو شيئاً فظيعاً، (من منظور خارجي فقط).
زوجها الذي كتبت له في رسالة: (إذا حقق الله المعجزة، وأبقاك على قيد الحياة، سأعطيك كل شيء، سوف أتبعك مثل الكلب)، ولكنها في الوقت ذاته لا تتورع عن إقامة العلاقة تلو الأخرى، بل إنها تكتب (لست مخلوقة لهذه الحياة، وبالنسبة لي فإن كل شيء يبدو حريقاً، بإمكاني التورط مع عشرة رجال في وقت واحد، كم هي رائعة تلك العلاقات، ولكن لا يمكنني تحمل الصد، إنني أشعر حينئذ بالجرح).
يبدل زوجها موقفه، ويعلن ندمه على القتال في صف الجيش الأبيض، المعادي للنظام السوفيتي، ويشارك في عمليات قتل بتكليف من المخابرات السوفيتية في باريس، ويتمكن من الهرب من فرنسا، ويلحق بابنته التي سبقت الجميع بالعودة من المنفى الفرنسي إلى موسكو، في عام 1937، وبعد عامين عادت مارينا وابنها أيضاً.
تتعرض الابنة للاعتقال، بتهمة التجسس لصالح حكومات غربية، وبقيت في معسكرات الاعتقال 17 عاماً، وكذلك تعرض الأب للحبس، الذي لم يطل، حيث يعتقد أنه قتل رمياً بالرصاص، أما هي فقد تعرضت للتهجير في عام 1949 خشية تعرضها للأذى على يد القوات الألمانية النازية، لكنها لم تتحمل أكثر من ذلك، وبعد عشرة أيام من وصولهما انتحرت، علماً أنها كانت دوماً تعتقد أن حياتها لن تنتهي نهاية طبيعية.
كثيرة هي المقالات والكتب بكل اللغات، التي تناولت تفاصيل أعمالها الأدبية، بالإشادة بها والقول بأن (عشرة شعراء يظهرون دفعة واحدة في تسفيتايفا)، وأن ما تكتبه (هو المعيار الحقيقي للشعر الرائع الحديث)، واعتبار أنها كانت تتأرجح بين المبالغة الهائلة في عشق الذات والطموح لبلوغ القمة من جانب، وتدمير الذات بلا هوادة.
الغريب أنها كتبت رسالة وجهتها لنا، نعم لنا نحن، قالت فيها: (أحفادي الأعزاء، أحبائي وقرائي بعد 100 عام، أرجوكم من أعماق روحي: اشعروا بالشفة تجاهي، لأنني أستحق أن أنال الحب).
ماذا تريد أن تقول؟
لعل القارئ قد شعر بالدوار، حديث عن شاعرة روسية من القرن الماضي، ثم أبي نواس من القرن التاسع، ثم حملة (أنا أيضاً) من القرن الحادي والعشرين، والحرب الأهلية في روسيا أثناء ثورة 1917، وهجوم القوات النازية في الحرب العالمية الثانية، والسؤال عن الأخلاق، وإمكانية الفصل بين العبقرية وأخلاقيات صاحبها، ولعله فوق كل ذلك، لاحظ أنني لم أنقل شطراً واحداً من أشعارها الكثيرة، المتوفرة ترجماتها بالعديد من اللغات، والسبب في ذلك أنني أترك القرار له، إما أن يأبى أن يقرأ لها، أو يقول إنني أبحث عن الإبداع أينما كان.
لعلي لا أملي على القارئ رأياً، إذا قلت إن قبول اختراع تقني، يسهم في تسهيل حياة البشرية، ويحافظ على البيئة، مثل السيارة الكهربائية، أو الهاتف الذكي، أو اكتشاف علاج لمرض يقتل الملايين، يمكن قبوله بغض النظر عن صاحبه، بشرط ألا يتجاوز الخطوط الحمر، مثل التجارب على البشر، لكن الأدب مهما كان مبهراً، فإن الأديب يضع أفكاره في شعره، -كما فعل أبو نواس في مدح الخمر-، لذلك فإن جمال الشعر، والأعمال الأدبية المبهرة، لا يمكن فصلها عن الأخلاق، وبناء على ذلك يمكن العيش، دون أن نقرأ للأديبة الروسية، مارينا تسفيتايفا، أو غيرها ممن جاهر بانتهاكه للقيم الأخلاقية، ويسري الأمر نفسه على المغني أو لاعب الكرة، لأن لهم تأثير على الشباب.
ليس من المفترض أن نمارس الرقابة على الفن والأدب، فالإبداع في حاجة إلى حرية، لكن عالم اليوم الذي تهيمن عليه ثقافة (كل شيء مباح)، لا ينبغي أن يكون المثل الأعلى لنا، لنحافظ على ثوابت، تمثل هويتنا العربية الإسلامية، وإننا على ثقة في قدرة دولنا وحرصها على ألا نصبح بلا هوية. أليس كذلك؟