يعلم معظمنا أن هنري لوسون وجوديث رايت هما من أيقونات الأدب الأسترالي، ولكن من غير المعلوم للكثير أنهما كانا من ذوي الإعاقة. بدأ لوسون في فقدان السمع عندما كان عمره تسع سنوات، بينما بدأت رايت في فقدانه مع بداية العشرين من عمرها، ولم يسبق لأحد منهما أن عرف عن نفسه بأنه أصم في السياقات الثقافية، ولكنهما اعتبرا الصمم عاملاً مؤثراً مهماً في كيفية الكتابة والدواعي لها. فقد قال لوسون إن فقدان السمع كان (مسؤولاً إلى حد كبير عن كتابتي)، وذكرت رايت أن الأمر (أثّر فعلاً على كل تفاصيل حياتي، وجزء من الظروف التي أعيش تحت وطأتها). وعلى الرغم من ذلك فإن الاعتراف بصممهما نادراً ما يُعترف به عند مناقشة أعمالهما، فعند النظر إلى الأعمال الأدبية والنقدية التي كُتبت حول لوسون في قاعدة البيانات الأسترالية للأدب (AustLit)؛ نجد أن عشرة أعمال من أصل 788 عملاً أدبياً قد أشارت إلى صممه. وأربعة من بين 595 عملاً أشارت إلى صمم رايت. لذلك إذا أدركنا تأثير صممهما على كتاباتهما، بدلاً من تجاهله؛ فإن إمكاناته الإبداعية تصبح واضحة وجلية، وتعطي بدورها صورة أكثر دقة لهذين الكاتبين، وللأدب الأسترالي عامة.
هنري لوسون.. الصمم المتأصل في كتاباته
ولد هنري لوسون في عام 1867 في جرينفيل نيو ساوث ويلز في أستراليا، واستمر فقدان السمع الذي بدأ معه عندما كان في التاسعة من عمره حتى بلغ 14 عاماً، ومن حينها أصبح من الصعب وصف صممه بدقة، ولكن الأمر الأكيد أن من كان يتحدث إليه كان يحتاج أن يحدثه عن قرب، وأن يكون مقابلاً له. كتب سابقاً عن حضوره المسرحيات قائلاً:
(أقول دائماً إنني (رأيت) ولا أقول (سمعت)، لأنني لم أسمع قط أي مسرحية، وكان يتوجب علي الاستفسار مسبقاً -أو بعد ذلك- وقراءة النشرات أو تخمين الحبكة والحوار).
لم تكن السماعات الطبية متاحة بشكل عام، وكان هناك قليل من التسهيلات المقدمة للصم، مما يعني أن لوسون كان محروماً في كثير من الأحيان، حيث أنه حاول الالتحاق بالجامعة مرتين، ولكنه فشل؛ لأنه لم يستطع سماع اختبار الإملاء. ومع ذلك كان عازماً على أن يصبح كاتباً منذ سن الثالثة عشرة، وبالفعل نُشرت أول قصائده في مجلة (البوليتن) الأسبوعية عندما كان في العشرين من عمره. كان لصممه تأثير كبير على محتواه وأسلوبه طوال مسيرته الكتابية التي استمرت 35 عاماً، فقد كتب عن تجربته مع الصمم في كتاباته الخاصة مثل كتابه Fragment of Autobiography (جزء من السيرة الذاتية)، وفي قصائده مثل The Soul of a Poet (روح شاعر). تضمنت قصصه القصيرة شخصيات لديها صمم، وكتب عنها بشكل مختلف، فالأشخاص السامعون غالباً ما يجعلون اهتمامهم منصباً على الصمم، والتركيز الأساسي في كتابة شخصية الأصم في قصصهم، ولكن في قصص لوسون غالباً ما كان يذكر الصمم الذي تعاني منه الشخصية مرة واحدة فقط، ولكنه كان يكتب عن الصمم في التفاصيل. فقد كان الصمم جزءاً أيضاً من أسلوبه في الكتابة، ونادراً ما يشمل وصفاً للأصوات في كتاباته حتى في اللحظات الصاخبة بشكل دراماتيكي، وبدلاً من ذلك كان يكتب تفاصيل بصرية دقيقة ومعقدة.
كتب عن الانفجار في قصته القصيرة The Loaded Dog (الكلب المحشو):
يقول البوشمان إن المطبخ قفز من مكانه وعاد مرة أخرى، وعندما تلاشى الدخان والغبار كانت بقايا الكلب الأصفر الكريه ملقاة على السياج الخشبي في الفناء، وكأن حصاناً ركله إلى النار ومن ثم تدحرج في الغبار تحت العربة، وأخيراً ألقي به على السياج من مسافة بعيدة.
كان لدى لوسون اهتماماً خاصاً بكيفية تأثير المعلومات البصرية على التواصل، ودائماً ما كان في حالة تأهب شديد كشخص أصم لأي علامات بصرية قد تساعده على فهم وفك رموز الكلمات التي يصعب عليه سماعها، ولذلك فقد جرب هذه الديناميكية في كتاباته. ففي قصته The Union Buries its Dead (الاتحاد يدفن موتاه) والتي تدور أحداثها حول بلدة تقيم جنازة لشخص مغمور، ومع سير الأحداث يفهم القارئ المزيد عن الأشخاص المتورطين وعلاقاتهم، من خلال ما يقومون به بقبعاتهم أكثر من الكلمات التي يتحدثون بها. أما بالنسبة للقصة القصيرة Hungerford فإنها تعتمد بشكل أساسي على الكلمات المنطوقة، وتعبر عن نفس الفكرة، ولكن بطريقة مختلفة، ومع غياب المعلومات البصرية فإن ذلك يعني أن القارئ لا يستطيع تحديد من يقول الحقيقة.
ينخفض الاتزان مع زيادة عدد الأشخاص المشاركين في التواصل في قصص لوسون القصيرة، وهذا يتماشى مع تجربته كشخص أصم، فعندما تحتوي القصة على شخصيتين أو ثلاثة فقط تظل الأجواء هادئة والأحداث تسير بشكل متوقع، حتى في قصة مثل Hungerford التي تتسم بالغموض، حيث لا يتضح من يكذب ومن يقول الحقيقة؛ يستمر الهدوء. بيد أن قصة Bill, the Ventriloquial Rooster (بيل، الديك العجيب)، والتي ينجر فيها حي بأكمله في عقد العزم على رؤية ديك جارهم مهزوماً في المعركة؛ تصبح الأحداث فوضوية وغير متوقعة - بسبب مشاركة أربعة أو أكثر من الشخصيات.
صمم جوديث رايت.. نتاج إبداعي
ولدت جوديث رايت في أرميديل في نيو ساوث ويلز عام 1915م، وبدأت بفقدان سمعها من عمر 22 عاماً، وشُخصت بعد ثلاث سنوات بمرض تصلب الأذن، وهو شكل من أشكال نمو العظام غير العادي داخل الأذن الوسطى الذي يسبب فقدان السمع التدريجي. أدى صممها إلى منعها من الالتحاق بالقوات النسائية خلال الحرب العالمية الثانية، ووجدت عوضاً عن ذلك وظيفة إحصائية في جامعة كوينزلاند. ولكن عندما عاد الجنود من الحرب، وأصبح دورها غير مستقر؛ اتخذت قراراً حاسماً يعود بشكل مباشر إلى صممها، فقد كتبت عن هذا الأمر في سيرتها الذاتية Half a Lifetime (نصف حياة) قائلة:
(لم يعد بإمكاني أن آمل في كسب لقمة العيش من خلال القيام بأي شيء في المجال التجاري أو الأكاديمي، سيزداد الصمم لدي، وسيزداد أيضاً العداء للنساء اللواتي يشغلن وظائف مرتفعة الأجر، ربما آمل أن أعيش من خلال الكتابة).
حافظت جوديث رايت على ذاكرة الصوت حتى أصبحت صماء تماماً في العقد الأخير من حياتها، وكانت قادرة على أن تسمع الأصوات باستخدام جهاز مساعد للسمع (على الرغم من أن هذه الأجهزة كانت في بدايتها ضخمة ومحرجة اجتماعياً)، ولكن مع ذلك ظلت عملية قراءة الشفاه والتواصل بالنسبة لها مرهقة. كانت النزهات مع زوجها جاك ماكيني تعني بأن يقابلها ويسير بشكل معاكس إلى الخلف حتى تتمكن من قراءة شفاهه. ويظهر لنا التعب وهشاشة التواصل من خلال المواضيع البارزة في شعر رايت مثل: سيطرة الصمت، وتصوراتها حول حدود اللغة، واهتمامها الدقيق بالعالم غير البشري وبخاصة الطيور.
ويبدو أنه دون الصمم أيضاً لما كان هناك إنتاج غزير من المراسلات لجوديث رايت، فنظراً لأنها لم تستطع إجراء أي مكالمات هاتفية لجأت بدورها إلى كتابة الرسائل، وقامت بتكوين صداقة عن طريق المراسلة مع زميلتها الفنانة باربرا بلاكمان (والتي كانت هي الأخرى عمياء)، واستمرت هذه المراسلات لمدة 50 عاماً. لقد كان الصمم بعيداً كل البعد عن كونه عائقاً في حياة رايت، وإنما كان يتجلى في حالة إبداعية وسخية. تم جمع رسائلها في مجلدات مثل The Equal Heart and Mind (القلب والعقل المتساوي) (2004)، وWith Love and Fury (بحب وغضب) (2006)، وأيضاً في Portrait of a Friendship (صورة للصداقة) (2007).
تبعات تجاهل الإعاقة
كان للصمم تأثير أساسي على كتابات رايت ولوسون، وأثر على أسلوبهما ومحتواهما، وألهم بعض قصائدهما وقصصهما الأكثر شهرة، ولذلك فإن إغفال الصمم من سيرتهما، أو الإشارة إلى الصمم على أنه تفصيل غير مهم؛ يقدم عنهما صورة غير مكتملة ومضللة. ويتم غالباً تصويرهما على أنهما مؤلفين غير معاقين، مما يسهم وبشكل كبير في الصورة النمطية أن الأدب الأسترالي يتميز بالغالبية العظمى من الكتاب غير المعاقين.
وكثيراً ما يتم تفسير الاستثناءات مثل قصة الأطفال I Can Jump Puddles (أستطيع القفز فوق البرك) (1955) للكاتب الأسترالي آلان مارشال والذي أصيب بالشلل الجزئي نتيجة لشلل الأطفال في مرحلة الطفولة؛ على أنها في مجملها روايات للتغلب على الإعاقة، بدلاً من كونها سرداً عن الفخر بالإعاقة كما هي، وهذا يخلق انطباعاً بأن الكتابة عمل لا يمكن القيام به وغير ممكنة للأشخاص ذوي الإعاقة. يتشرب القراء غير المعاقين - خصوصاً القراء الصغار واليافعين - هذا الفهم الخاطئ، وعندما يكبرون ليصبحوا ناشرين أو معلمين أو أمناء مكتبات أو محررين أو بائعين للكتب؛ فإنهم ينقلون هذه الرسالة دون تفكير إلى الجيل التالي عن طريق استمرار إغفال الإعاقة في الكتابة الأسترالية.
قد يقول البعض إن الكتابة عن الإعاقة بدأت في التحسن، مشيرين إلى أعمال مثل الأنطولوجيا الأخيرة Growing Up Disabled in Australia (النشأة كمعاق في أستراليا)، والتي حررتها الكاتبة المعاقة كارلي فيندلي، ومع تلك الأنطولوجيا ورغم أهميتها، إلا أنها تركز أكثر في تسليط الضوء على الأشخاص ذوي الإعاقة بدلاً من الكتاب المعاقين، وعلى الرغم من أن ذلك الأمر لا يشكل مشكلة في حد ذاته إلا أن المساهمات لا تمثل تجربة الكاتب في كونه كاتباً معاقاً.
إن عواقب محو الإعاقة من الأدب الأسترالي يكون وقعها أسوأ على القراء والكتاب المعاقين؛ فهي تحرمنا من تاريخنا وانتمائنا. حيث ينشأ العديد من الأستراليين ذوي الإعاقة ويكبرون دون قراءة كتاب لكاتب يعاني من نفس الإعاقة التي نعاني منها، ويحدث أن نقرأ كتباً تتضمن شخصيات تعاني من نفس الإعاقة التي لدينا، ولكنها عادةً ما يكتبها كتاب غير معاقين والذين في كثير من الأحيان لا يتقاطعون مع تجربتنا في الحياة. وحتى عندما نقرأ كتباً لكتاب معاقين، ففي الغالب لا نعلم ذلك. فعلى غرار تجربة لوسون ورايت فإن الشاعر الأسترالي المشهور ليز موراي -على سبيل المثال- أقر بأنه يعاني من التوحد لعقود من الزمن قبل وفاته، وذلك منذ عام 1974، ولكن هذه الحقيقة مغيبة ونادراً ما يتم الاعتراف بها حتى الآن.
من هذا يوحي لنا الأمر أنه ليس هناك أحد مثلنا، إذ نهيم دون وجود أي نماذج يحتذى بها، ويجب على الكتّاب المعاقين الطموحين حينها إعادة اختراع العجلة باستمرار عندما نكتب عن تجربتنا الخاصة للعالم، ثم يتوجب علينا بعد ذلك أن نقنع عالماً معتاداً على قراءة تصورات زائفة عن تجربتنا بأن قصصنا الحقيقية ذات أهمية.
الكتّاب المعاقون، وعلى الرغم من كل ذلك؛ كانوا دائماً جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الأسترالية. وعندما نفهم الإعاقة على أنها حالة معقدة، بدلاً من مجرد عجز؛ فإننا ندرك حينها أن الإعاقة تولد الإبداع.