إن الخطاب الشعري العربي مشروع إبداعي مفتوح على التحديث والتجريب والتجديد، متجاوب مع معطيات العصر، ولهذا فهو يشهد انتعاشاً لا مثيل له في السنوات الماضية، كما أنه يشهد حراكاً فاعلاً ومؤثراً، مؤذناً بتحولات نوعية في سياقات اهتمامه التي يفرضها تطور مراحل نمو المجتمع العربي ومتغيراته. هي تطلعات تشهد تكوين رؤية فنية متطورة حول أفق التعبير الإبداعي، تحقق معادلة التوازن بين فضاء الوعي الفني وحدود المسألة الأدبية لتكون هذه الرؤية محل توافق، تشارك في صياغتها المدونة الشعرية العربية، التي صنعت جسراً تتخطى عبره المسافات الزمنية بين ثقافتنا وتراثنا الأدبي والثقافة الغربية المتقدمة فنياً، فكانت مسألة الحداثة كامتياز جمالي ومعرفي، فتح للإبداع الشعري العربي طريقاً نحو عالم المعنى والحقيقة، فتبنى هذا الإبداع قيماً ورؤى فنية وجمالية جديدة أثرت فضاءات النص الشعري بمدارات تخييلية، تتجاوز الواقع المعيش والمادي، ومن ذلك نزع هذا الشعري ونظمه إلى تعبير جديد ومركب استوعب جماليات الكتابة الشعرية التي تمازجت فيها المعارف التراثية بالمعارف العصرية المتجددة والمبتكرة، وعناصرها الجمالية المستحدثة.
وقد يكون من المفيد أن الشعرية العربية الراهنة قد انفتحت على تيارات فنية متطورة وعوالم معرفية متنوعة، أخصبت هذا الخطاب الشعري وأثرته وبصمته ببصمة متميزة ذات شكليات فنية وتقنية حددت ملامح هذه التجربة الشعرية وعناصرها البنائية التي أسهمت في تعميق البعد الجمالي والتعبيري عند كل شاعر.
وتأسيساً على ذلك فالخطاب الشعري العربي يمضي بخطوات دؤوبة إلى آفاق أوسع لينقلب من عقال النمطية والتوجه القديم، نحو كتابة شعرية مدعمة بفضاءات الوعي الفني من خلال رؤية شاملة، لتصبح هذه الكتابة أكثر اقتراباً من مرجعيتها الحية المتمثلة في الحياة والواقع المعاش في علاقاته الصراعية الداخلية والخارجية، والمتأمل في راهن الشعر العربي, يجده يضم تجارب شعرية متفاوتة في أبعادها الفنية الدلالية، فبعض هذه الكتابات الشعرية يخضع لمنطق التميز الفردي الذي يرغب في نسج النموذج الخاص به، وأبرز ما يتجلى لنا حين نكاشف هذه النصوص الشعرية أنها تتناول قضايا ذاتية ومجتمعية، وإنسانية جادة ومهمة ومصيرية، بلغة انزياحية ولغة واقعية تجريبية قوامها التلوين الفني والتشكيل الجمالي الموحي الممزوج بالصور البيانية التي تثير القارئ.
وينطلق معظم الشعراء العرب في إبداعهم الشعري من رؤية وجودية عابثة من مقومات الألم والمأساة، وهي عبارة عن تراجيديات الرعب والقلق، والضياع والخوف، الغرض منها التسفيه بمواضعات الواقع وتعريته، وكشف قيمه المهترئة التي تحيل على انحطاط الواقع وانسحاقه أمام عنف البطش والقوة الساحقة التي يتسلح بها القوي الشرير ويشهرها في وجوه الأطفال الأبرياء والشيوخ الضعفاء والعزل.
ومع ذلك ففي يقيني أن الاهتمام بالشعر عند المعنيين بشؤون الأدب، جزء لا يتجزأ من الاهتمام بشؤون الحياة والواقع المعيش، وبقضايا المصير الإنساني، مهما بلغت حرارة هذه القضايا من درجات الهبوط أو الارتفاع.
ومرجع هذا اليقين اعتقاد راسخ عندي بترابط قطاعات الأدب والفكر، النقدي فيما بينها من جهة، وفيما بينها وبين قطاعات الحياة العلمية من جهة أخرى، وإيماناً بأن للشعر دوراً يؤديه في إرهاف الوعي، وصقل الوجدان، وإنماء الأحاسيس وتكوينها وتوجيهها لتنساق في هذا الصراع التاريخي أو ذاك، ومن هنا فإن اهتمامنا بالشعر في مثل هذه الأجواء السياسية والاجتماعية في الأحداث الآنية الطارئة وأن يتسم بطابعها من الجدية والإلحاح، وإني لأعتبر أن طرح قضايا الشعر العربي بين فضاءات الوعي الفني، وحدود المسألة النقدية، ومواجهتها بنفس الحرارة التي تواجه بها قضايا المصير السياسي، وغيرها من القضايا الأمامية، دليل على بلوغنا مرتبة التفكير النقدي الشمولي أي مرتبة التفكير العلمي الثوري الذي لا نزال نفتقر إليه حتى في أعلى مراكز القيادات الفكرية التي تعمل على التغيير والثورة في مختلف المجالات وأدقها وأخطرها على الإطلاق.
فاستناداً إلى ما قدمت وانطلاقاً مما أحسب أنه نهج يرتكز على قواعد نقدية شمولية متماسكة على مستوى مصيري في النقد الأدبي والدراسات الأدبية أتناول قضايا الشعر العربي بالبحث والتحليل خالصاً إلى تقييمه على ضوء مفهومي للشعر من حيث أن الشعر لغة خاصة يعبر بها صاحبها عن معاناته، كإنسان اجتماعي مرتبط حتماً، بوعي منه أو بغير وعي، بوجه من وجوه الصراع في بيئته، ويقف من متناقضات هذا الصراع موفقاً معيناً إلى جانب هذا الاتجاه أو ذاك، شأنه هنا -على اختلاف المضامين والأشكال- شأن أهل الفكر والرأي عموماً، إذ هو كشاعر فنان ينبري إلى التعبير عن المعاناة الإنسانية، من دونهم جميعاً، بالرؤيا والحلم، أي بالصور والرموز، وسائر موحيات التشكيل والنغم، ومن هنا فكل عمل شعري أصيل، إنما هو في جوهره الأسمى حلم عظيم عن واقع عظيم، وذلك يعني بأبسط تعبير أنه من حيث الظاهر صورة فنية رائعة ودلالة إيحائية بارعة لمدلول واقعي رائع، وبعد خلفي فكري على مستوى النظر الفلسفي وشموله وعمقه.
إن الشاعر الحق، الشاعر اليوم، هو إنسان مفكر في الأساس، فيلسوف في المنطق، لكنه لا يعبر عن معاناته بالكلمة العارية، بل بالإشارة وجميع ما يرمز ويوحي، وحتى نستفيد من ثمار الحداثة المعاصرة والمناهج النقدية الغربية واستغلالها بالشكل الأمثل الذي يعيد للفكر النقدي العربي مكانته، ومن ثم تحقيق البناء الأدبي المنشود وفق أسس فنية وتقنية متينة، تصمد أمام أعاصير التيارات الفكرية والفنية الغربية، ولن يتأتى ذلك إلا بترشيد الحركة النقدية لكي ترقى بمستوى الإبداع الأدبي وتحارب في الوقت نفسه الرداءة، والتصدي للأدب الترفيهي الرخيص الذي لا يسهم في تنمية العقل وتطوير البناء الثقافي المأمول.
وبناء على هذا الأساس، يمكن القول إن الشعر العربي المعاصر قطع أشواطاً مهمة في الارتفاع بحداثة القصيدة العربية على أيدي شعراء بارعين، جاهدوا مجاهدة إبداعية للوصول إلى ضفاف رؤية فنية وجادة لتطوير النص الشعري الراهن، وتحقيق رؤيا شعرية عميقة بوسعها الحضور المكثف والشاسع على الساحة الأدبية.