مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

بعد موت أركون ... مأساة الفكر العربي برحيل مفكريه

الأنهار التي تغذي الفكر العربي تبدو قليلة جداً وهاهو أحد الأنهار المعرفية الكبرى يجف برحيل الجزائري محمد أركون على بُعد مسافة قصيرة جداً من رحيل عدد من المفكرين العرب الذين تساقطوا كحبات الكرز. ويأتي رحيل أركون عن دنيانا الفانية بعد رحلة عامرة بالعطاء الإنساني المثير للكثير من الجدل.. ليكمل مسلسل جفاف الأنهار المعرفية المتدفقة بعد أن رحل قبله المغربي محمد عابد الجابري والمصري نصر حامد أبو زيد والدكتور غازي القصيبي الذين بوفاتهم تكون الثقافة العربية فقدت أعلامها الكبار واحداً تلو الآخر.


الكثير منا  يتخذ موقف الضد أو يختلف على أقل تقدير مع أركون والجابري والبغدادي وأبو زيد والقصيبي ومن قبلهم ابن حزم وابن رشد وابن عربي والكواكبي والتوحيدي؛ بل حتى مصطفى محمود وأبو حامد الغزالي شهد طرحهم كثير من الشد والجذب والاختلاف، ونحن هنا سنستعير مقولات متزنة في التعاطي مع هذا الاختلاف.
ويحضرني هنا للشيخ علي الطنطاوي مقولة جميلة سمعتها منه في موقفه من كتاب (طوق الحمامة) عندما قال: «من أراد أن يقرأه كقطعة أدبية فعليه به فهو في هذا المجال مرجعية أدبية يرتهن إليها». وهو ذات الرأي الذي أطلقه المفكر سلمان العودة عندما قال بعد وفاة الجابري: «إن الإنسان ليس جماداً ولا حجراً ينشأ ويفنى بتغيرات طفيفة، والفكر أي فكر يتمرحل وينمو ويمر بمنعرجات عدة، وليس من الحكمة أن نتخذ موقف الضد لمجرد موقف أو نتاج بعينه أو في مرحلة عمرية معينة».
وبعيداً عن موافقة أركون وغيره فيما خلصوا إليه من نتائج وما أفاؤوا به علينا من نتاج فإنه من المهم أن نركز على أثر باق لهؤلاء لأنهم أسسوا لطرائق تفكير ومسافات حضارية ومساقات ومساريب فكرية عميقة ورسموا خطوطاً عريضة لما يمكن فعله من أجل الغد الذي نترقبه.
على أرض الواقع يظل أركون واحداً من أبرز المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث الذين كانوا علامات كبرى، حتى وإن اختلفنا معهم في بعض أو كثير من الجزئيات، ويكفي أنه أحد أبرز رواد الدعوة إلى الحوار بين الأديان, وقد نصب نفسه واحداً من ألمع أساتذة تاريخ الفكر الإسلامي وأحد رواد التنوير الإسلامي في العصر الحديث.
وبتأمل سيرته التي تمثل أنموذجاً في مجالات الدأب والعمل الجاد والجرأة في الطرح والاستنجاد بكل منجز إنساني في سبيل الوصول للغاية سنجد أنه لم يبلغ هذا الشأن الكبير لمجرد أنه كان ضد الدين الإسلامي فقط (كان داعية لكل ما هو غربي كما يُروج), حتى وإن فعل شيئاً من هذا في فترة ما فهذا شأنه، لكننا سنجد أنفسنا أمام حقيقة تقول: إن أركون ارتكز على إرث معرفي هائل كان نتاجاً لانفتاحه الفكري والمعرفي على مختلف النتاجات المعرفية في مختلف حقول المعرفة الإنسانية، حتى وإن أتاحت له الحياة في الغرب فرصة المعايشة لكثير من المعارف والنظريات والمناهج النقدية وشروطها وظروف نشأتها, وهذا ما أتاح له فرصة الانفتاح المعرفي غير المشروط على مختلف المعارف.
هذا الإرث الهائل من المعرفة أهّل أركون وبجداره أن يكون اسماً حاضراً على المستوى العالمي وأستاذاً للفكر الإسلامي في السوربون، بل ذهب لأبعد من ذلك وطور اختصاصاً يدرسه هو (الإسلاميات التطبيقية).
يحسب لأركون أنه من القلائل الذين تشعر أنهم حاولوا جادين أن يجعلوا الصرامة المنهجية والبحث العلمي مرتهناً وفصلاً في الخطاب المختلف عليه، ورغم هذا شعرت وأنا أتابعه في برنامج (إضاءات) مع تركي الدخيل، وكذلك في إحدى محاضراته في الكويت أنه واحد من القلائل الذين يحاولون جهدهم لجعل المعرفة شأناً شعبياً ومفهوماً من الكل رغم الوجبات المعرفية الثقيلة التي يشتغلون عليها، يلاحظ هذا بعمق وهو يتحدث عن المعرفة الإنسانية وعن أهمية إعلاء شأنها بالنظر لنتاج كل البشر دون استثناء، ومحاولة جعل التأمل والتفكير مشتركاً لكل الناس وعادة حياتية يمارسها الكل، وأن نوسع المعرفة ونعمق العلمية لتضييق المساحات أمام نشوء الخرافات والأساطير، وألا تقتصر المراجعات والتأمل والحوارات الناضجة على النخبة، مع ضرورة التركيز على أهمية ممارسات المساءلة, ونشر وإشاعة ثقافة إثارة الأسئلة كمدخل نحو الفهم الواعي وهذه مناهج منطقية جداً وبديهية, بل هي غايات معرفية ودينية  لا تعارضها الأديان، بل تدعو إليها وتجعل منها عبادة متى تأدبت مع الخالق.
أركون ونصر والجابري كانوا يحفرون بعمق في التراث العربي ويسائلونه كما كانوا يحفرون في بنية العقل الإسلامي، لكنه كان حفراً بإزميل حاد وبصرامة لا تعترف سوى بالعلمية والمنهجية، وقد يكون هذا مأخذاً عليهم، وإن بدا أركون في لقاءاته ومحاضراته في الخليج على وجه التحديد أقل صرامة، وكان ظهوره يراعي كثيراً الرؤية السائدة رغم موقفه النقدي الذي يرفع فيه القدسية عن كل ما حولنا.
هؤلاء المفكرون في نقدهم المعرفي اعتمدوا على أدوات متعددة تستحضر الشرط التاريخي وتستعين بأدوات التحليل والتفكيك والتأويل وتسخير المعارف الغنية بعلوم حديثة كاللسانيات والأنسنة والإنثروبولوجيا وعلم النفس ومناهجه واستفادته من العلوم الحديثة ومنتجاتها وأدواتها.
وأعانت هذه التوجهات أركون تحديداً على بناء مناهجه النقدية وتأملاته الفكرية ومكنته من الحفر عميقاً في بنية الفكر الإسلامي الأمر الذي جعل آراءه وأطروحاته ومحاضراته تغوص في بحر من المعارف وتحظى بكثير من الجدل. وهو بهذه الممارسة يرسم منهجاً وطريقة تصلح مرتكزاً لكل باحث.
أركون في مختلف أطروحاته لا يغفل أي علم أو دين أو معرفة إنسانية فهو ممن يحترمون المعرفة الإنسانية على اختلاف مصادرها كما يستحضر الشروط المختلفة سيسولوجيا وأنثروبولوجيا بمختلف أدواتها في تأملاته ومراجعاته النقدية وهذا الأمر غير متعارف عليه في مراحل سابقة قبل أركون الأمر الذي جعل من فكره يبدو غريباً وشروطه النقدية تبدو شديدة الجرأة.
عُرف عن أركون نقده للعقل الإسلامي القائم حالياً وكان يدعو إلى بناء منظومة من المراجعات الفكرية لكل ما هو قائم، كان هذا من أجل الوصول إلى معرفة صحيحة لا تتأثر بمؤثرات قد تكون مضللة من وجهة نظره ومثل هذا الطرح مدعاة للتأمل والمراجعة حاله حال أي منتج آخر دعا لمراجعته ومطارحته فكرياً بشرط أن تكون المراجعة مبنية على أسس منهجية ووفق معايير علمية وعقلية وأخلاقيه.
والحال نفسها تنطبق على تأكيد أركون على أن القدسية للنصوص التأويلية خطأ تاريخي ومنهجي، وكانت دعوته إلى مراجعة كل التأويلات تنطلق من رؤية يعتنقها تقول بأن كل النصوص ظنية التأويل وقابلة للمراجعة الفكرية باستخدام أدوات تتسم بكونها تجمع بين المنهجية والحداثة وتفيد من الفكر الإنساني والمعرفة الإنسانية بوجه العموم، فكل هذه الأطروحات هي ليست أقوالاً تحتم علينا قبولها كما قال بها أركون.
ولا تمثل المراجعات الفكرية التي طرقها أركون سوى لبنة لممارسة أعمق تنطلق من الاشتغال المنهجي على الطرح الذي قال به والمعرفة التي أنتجها والرؤية التي خلُص إليها، وبهذا فهو يقدم للعقل العربي خدمة عظيمة، فهو يؤسس لانفتاح معرفي، وإعلاء شأن النقد العقلاني المكتمل الشروط، وبناء مفاهيم تُعين على الفهم وتوصل إليه، وحياته الفكرية تبدو لبنة صلبة لممارسة تدعو إلى الشغف بالنقد والمراجعة والتأملات المنفتحة على كل العلوم والبيئات والأسماء الفكرية والفلسفية من مختلف العصور والأديان والحضارات الإنسانية، وهذه الفلسفات التي ينتجها بممارساته هي أهم مما أنتجه فعلياً.
ورغم أن لأركون محاولات كثيرة لتأسيس منظومة معرفية وثقافية تستلهم رؤاه ومناهجه النقدية في بعض الدول، وكذلك إلقاؤه كماً كبيراً من المحاضرات وطرحه عدداً كبيراً من المراجعات الفكرية، ودعوته إلى شيوع ثقافة المراجعة الفكرية وعدم قصرها على فئة معينة من الناس تؤكد رسوخ قيمة أخلاقية ومعرفية ورؤيوية يؤمن بها تقوم على احترام شديد للعامل المعرفي وتؤكد على إسهام جميع الناس في إثرائها، وهذا التوجه هو من وجهة نظري أهم ما تركه لنا وما خلفه من إرث معرفي وفكري أمتنا في أمس الحاجة إليه اليوم.
وتأتي دعوات أركون المتكررة إلى تدريس علوم الأنسنة والفلسفة واللسانيات وعلوم الأنثروبولوجيا ومناهج التحليل النفسي وإسقاطات اللاوعي وتفسيراته، انطلاقاً من قناعات مترسخة لديه تهدف إلى بناء معرفة أكثر ثراء وبناء عقلية موسوعية منفتحة قادرة على الفهم والتأويل والتعاطي مع الحياة وهذه المنعطفات والمحطات التي عاشها أركون هي مرتكزات صلبة لبناء الغد المعرفي العربي.
وهذه المنعرجات لا تقل أهمية -بأي حال من الأحوال- عما تركه من نتاج معرفي مختلف عليه ومن أرث معرفي مدون قابل للمراجعة والتأمل, بل إن الأهم والمعترك الحقيقي للأمة هو كيفية العمل على بناء منظومة فكرية تفيد من رؤية وممارسات هذا الجيل، حتى وإن اختلفنا مع الطرح والنتاج والنتيجة التي خلصوا إليها.
ذو صلة