مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

الجابري.. هرم إبستيمولوجي

إلى حدود منتصف يوم الاثنين، الثالث من شهر مايو (2010)، كان نبأ وفاة المفكر المغربي الأبرز والأشهر محمد عابد الجابري قد ذاع وبشكل لافت، سواء في بلده المغرب أو في العالم العربي ككل. المغرب الذي ظل حريصاً على الانتساب إليه من ناحية تفكيك خطاطاته الثقافية والفكرية الكبرى التي كانت وراء تعثره التاريخي أو من ناحية الانخراط في العمل السياسي الحزبي المباشر الذي رأى نفسه فيه، والمناخ الإيديولوجي الساخن الذي كان بدوره يحفز على ذلك، الواجهة الأنسب للمواجهة بمعناها الأعرض للرد على أشكال الهجمة الدولاتية التي كانت قد بلغت ذروة التسلط والاستبداد. هذا وإن كان فيما بعد سيضطر إلى الابتعاد عن هذا العمل من أجل التفرغ للتحليل الإبستيمولوجي الذي لا يفارق نوعاً من النضال الأكاديمي.
نقول الابتعاد وليس الانسحاب كما يردد ذلك البعض، لأن الرجل، وكما أكد على ذلك بنفسه، وفي بعض حواراته، ظل حريصاً على تتبع ما يحصل وسواء في الحزب الذي انتمى إليه ولم يتنكر له، وبالرغم من الرجة التي هزته وخلخلت بنيانه، بل وجعلته كباقي الأحزاب كما ينبغي أن نعلن ذلك، أو ما يحصل في المجال العام الذي ظل، ونتيجة السياق المتدافع، يتلون بمشكلات جديدة أعلن الجابري، ومن موقع العقل النقدي، عن مواقفه الخلافية بخصوصها.
وكما ظل الجابري حريصاً على الانتساب للعالم العربي الذي ينتمي إليه بلده المغرب الذي هو مفترق ثقافات وجغرافيات. وقد ظل حريصاً على هذا الانتساب، لكن من منظور قومي عروبي متفتح، لا تخطئه القراءة ما بعد الأول، بل وحتى القراءة الأولى، لتفكيكه لما عبر عنه بالخطاب العربي المعاصر الذي سيحتفظ به عنواناً لأحد كتبه التي سعى فيها إلى مواصلة النبش في أهم الأعطاب التي كانت وراء فشل المشروع النهضوي العربي الذي لا يزال يتواصل حتى الآن.
والمؤكد أن هناك من كان قد خاض في الموضوع نفسه وفي مقدمة هؤلاء مواطنه المؤرخ الأبرز والأشرس عبدالله العروي وذلك من خلال كتابه الإشكالي بل والصادم، (الأيديولوجيا العربية المعاصرة). غير أن الاختلاف هنا كامن على مستوى المقولات الفكرية والمستندات التصورية التي سعى الجابري من خلالها إلى الابتعاد عن النقد الإيديولوجي نحو القراءة التشخيصية أو التشخيص غير الرحيم (Diagnostic Impitoyable) الذي أفاد فيه الجابري من المنجز المعرفي الفرنسي السائد وقتذاك.
وعلى هذا المستوى خلف محمد عابد الجابري ميراثاً فكرياً كبيراً يذكرنا بميراث كبار المفكرين الموسوعيين من الذين حاولوا قتل القديم فهماً، لكن بنوع من الإفادة من مكتسبات الحداثة، وكل ذلك في المدار الذي لا يفارق تلك الجدة الجذرية التي لا يخلو منها مشروع الجابري بدوره وفي منحاه العام الذي ينبغي أن نميز داخله، وعلى طريقة الأنكلوساكون، ما بين (التبسيط) (Simplicity) الذي لا يعني، أبداً، نزعة التبسيط (Simplism). ومن ثم فإن التبسيط، الذي يؤخذ على الجابري، لا يخلو في النظر الأخير من تعقيد كامن في سند التحليلي الذي ينهض على مقدمات تفضي إلى خلاصات تظل خلافية غير أنها تظل متماسكة ولا يمكن دحضها منهجياً.
ذو صلة