مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

كريستيانا باكر.. من الشهرة الموحشة إلى حضن الإسلام

العديد من المشاهير البريطانيين دخلوا الإسلام من عقود، وصاروا من أهم دعاته، والمدافعين عنه، فنجد على سبيل المثال: إيفون ريدلي الصحفية التي أسلمت بعد رحلتها الصحفية إلى أفغانستان، والنجمة ميريام فرانسوا سيرا التي قامت بالتمثيل في طفولتها أمام النجمة كيت وينسلت عام 1995 في أستوديوهات هوليوود، أيضاً الصحفية لورين بوث أخت زوجة رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير، بعد زيارتها الصحفية إلى غزة، فأعلنت إسلامها عام 2008. وإن كان المطرب كات ستفينز أو (يوسف إسلام)؛ يقف على قمة المشاهير في بريطانيا ممن اعتنقوا الإسلام، منذ منتصف السبعينات؛ لكننا سنتوقف عند مثال فريد لواحدة من أشهر الشخصيات في حقبة التسعينات، لكونها مذيعة في محطة (إم تي في) الأوروبية لأغاني البوب، في برنامج يشاهده الملايين عبر العالم، وهي المذيعة كريستيانا باكر 1965، الألمانية النشأة والمولد في (عام 1965)، والمقيمة منذ بداية عملها في عام 1989 بالعاصمة البريطانية.
وعندما نقرأ كتابها (من محطة إم تي في إلى مكة) -في نحو 560 صفحة- يلفت نظرنا عدة نقاط، تشير لكيفية تحول عقليتها، ونوعية حياتها الأوروبية، وهذا التحول المتمهل، نحو الدين العربي وضوابطه، فيما وصفه السفير الألماني المسلم مراد هوفمان في مقدمة كتابها المذكور: (قادها مسلكها القلبي إلى ملحمة طويلة من عالم التسلية إلى تنقية الروح).
فبين هذين العالمين، نلمح في ثنايا صفحاتها التردد القلق الذي يعتريها بين ثقافتها المتجذرة وثقافة جديدة وافدة تلوح لفكرها، وبين قلب خاوٍ يملؤه فراغ موحش إلى قلب تؤنسه طمأنينة الإيمان، وهو ماعبرت عنه في البدء بكلماتها: (كنت أعود من سهرات الغناء التي يتجمع لها أكثر من سبعين ألف متفرج، وأشعر بالانتشاء، وأنا أقوم بتسجيل حوارت مع أشهر المطربين في الكواليس، بل أحياناً أقوم بمواجهة حشود الجماهير على منصة المسرح، فأجدهم يصرخون، ويصفقون لي، لأنهم بالطبع يعرفونني من برنامجي على المحطة، لكن مع ذلك عندما تنتهي الحفلة وضجيج الموسيقى، وصيحات المعجبين المدوية دون توقف، أذهب لغرفتي الهادئة بالفندق، وأشعر بداخلي بفراغ رهيب، فيستحيل على أي إنسان تحمل الاستمرار في عيش حياته، على هذا الإيقاع الجنوني طويلاً).
ونعرف أنها نتيجة لحالة الاكتئاب لم يفارق جيبها (دواء ألكا سيلتزر)، وفيتامين (ب) لتقوية الأعصاب، مع تعاطيها الخمر بصفة مستمرة، رغم أنها كانت ممن يفرش لهم السجادة الحمراء، في أهم مهرجانات الموسيقى بأنحاء العالم، لكن ظل الاكتئاب قابضاً فيها حنايا النفس، إلى أن حدث لها تحول مساره نوعي، قلَبَ حياتها، عندما تعرفت في لندن -أول التسعينات- على بطل لعبة الكريكت الباكستاني عمران خان (رئيس وزراء باكستان حالياً)، لنرصد التفاعل القلبي والتوجه المعرفي، عبر هذه العلاقة في أهم محطات رحلتها الإيمانية، فقد جذبها الشاب المسلم العالمي، وتعلقت بشخصيته، ثم سافرت معه إلى باكستان، مع صديقتها، حيث نتابع تأثرها الإيجابي ببكارة البيئة الطبيعية، والثقافة المختلفة تماماً عما نشأت فيه، وبعدما كانت لا تعرف عن القرآن سوى أنه كتاب صارم عتيق، يظلم المرأة؛ قَدِرَ عمران خان أن يزيل شيئاً فشيئاً فكرتها المختلة عن كتاب المسلمين المقدس، قائلاً لها: القرآن في الواقع لم يخطه بشر، بل هو كلمة الله، وأساس الإيمان بالإسلام.
كما كانت كريستيانا تظن -كما ذكرت- أن المسلمين يؤمنون بإله اسمه الله، وليس الإله، فأوضح لها عمران أن الله هو الكلمة العربية للدلالة على الإله، ثم شرع يشرح لها بعض الأمورالأولية، منها أن الإسلام يعني السلام، وهو ما يتأتى من تسليم المرء كل أمره لله!! وتستطرد في سرد دراما التحول في خريطة ذهنها، أثناء رحلتها البرية في قرية (تشيلاس) الباكستانية، وعند بحيرة (راما) الفيروزية، وسط فيوضات الطبيعة البريئة، حيث مكثت مع عمران خان، برفقة الأصدقاء، تقرأ أول كتاب عن الإسلام. وبعد عودتها إلى لندن، ومع عدة لقاءات كثيرة جمعتها مع عمران، كانت المناقشات بينهما لاتتوقف، وتشتد حرارتها أحياناً، منها ماذكرته:
(تحدثنا عن أثر العولمة في الترويج للمفهوم الغربي عن الاستهلاك والعلمانية وتقويض المجتمعات التقليدية...، ثم تحدثنا عن سطوة الموضة، وأن النساء في الغرب دائماً يتم استعمال أجسادهن العارية، وإبراز مفاتنها للترويج لسلعة ما، وهو ما يعد امتهاناً للمرأة).
ورغم عديد الجوائز الكبرى التي نالتها عن برنامجها؛ اعترفت كريستيانا أن المحطة الغنائية (إم تي في) التي تعمل بها، كان جُل همها هو الجنس والغواية بين الرجل والمرأة، وهو ما كان عمران ينبهها له من قبل، واصفاً طبيعة رسالة تلك المحطات أنها نوع من الإمبريالية الثقافية التي تضعف القيم الدينية:
(بدأت أفكر في كلام عمران، وأنظر للمحطة بنظرة نقدية، وأشعر بالاشمئزاز، كما أن من الأشياء المهمة التي تعلمتها من عمران طريقة معالجة الأخبار في وسائل الإعلام الغربية، بكلمات وتعبيرات تتماشى مع معاداتهم للإسلام، مثلما يطلقون على المقاتلين في سبيل تحرير فلسطين (الإرهابيين)، في حين يسمون الجيش المحتل الإسرائيلي (جنوداً)).
كما استلفت نظر كريستيانا أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي شجع عملياً على وضع حد للرق، وأدهشتها تلك الحقائق العلمية التي يزخر بها القرآن، مثل دوران الكواكب حول الشمس، وعندما أبدت ملاحظتها لعمران، وهما في طريقهما المعتاد، لمكتبة المسجد المركزي بلندن، وافقها قائلاً: عالمكم الألماني يوهانس كيبلر لم يكتشف أن الكواكب تدور حول الشمس في حركة دائرية حتى القرن السابع عشر.
ومن هنا نوجز أهم أسباب نجاح دعوة عمران خان التلقائية، لتصحيح بوصلة التصور الذهني لدى كريستيانا عن الإسلام، مثل:
- عدم دعوتها بشكل مباشر وعظي، لدين الإسلام، بل البدء بالأولويات، والكليات، في محو مفاهيمها المغلوطة.
- التعامل معها بلغتها، مع الفهم السمح لطبيعة ثقافتها، وتكوين
شخصيتها، مما يسهل من تقريب مضمون الفكرة لها.
- إهداؤه أول كتاب صغير لها، بعنوان (الإسلام والإنسان) للمفكر علي شريعتي، حيث يتناول الجانب الروحي والأخلاقي في رسالة الإسلام، دون تعاليمه وقيود الحلال والحرام، مما يجذب نهم الروح عند الكثير من الغربيين، لذا نوعية الاختيار تعتبر خطوة فارقة، تحدد اتجاه القبول، أو النفور لدى الغرباء عن الإسلام، ولعل هذا يذكرنا بموقف المفكر الفرنسي الأشهر فولتير من الإسلام، بعد قراءته لكتاب عن سيرة النبي محمد، فكتب مسرحيته (التعصب) التي ملأها بالسب والتحقير في شخص النبي (عليه الصلاة والسلام)، بعدما وقع ضحية كاتب وأكثر، ممن ترجموا للمجتمع الأوروبي سيرة نبي الإسلام ترجمة كاذبة ومدلسة، ثم نرى التحول الكامل لنظرة فولتير، عندما كتب كثيراً في الإشادة بدين الإسلام، وشعائره، بعد اطلاعه على كتاب المؤرخ المنصف هنري دو بولانفييه (تاريخ العرب وحياة محمد) (1731).
- أيضاً من أهم العوامل التي جذبت كريستيانا للتفكير ملياً، هو ما رأته من سلوك عمران خان في حرصه على ممارسة فروض دينه، والالتزام بتجنب محرماته، بينما كانت النقلة المفصلية هي مشروع المستشفى الخيري الكبير الذي كان يعمل عمران، وقتها، على إنشائه للفقراء من مرضى السرطان في مدينته (لاهور)، فجعلها تنتبه بعمق لفكرة الإيمان بالله، وأن الوجود له بعد آخر بعيداً عن ماديات الدنيا، بعدما أخبرها أنه سيترك لعبة الكريكيت، ليتفرغ لأعماله الخيرية، فتعجبت، قائلة له: تريد حقاً أن تترك لعبة الكريكت، وأنت في ذروة نجاحك من أجل التفرغ للأعمال الخيرية؟!
فأجابها، بجدية: إن جوهر الإسلام هو الإيمان بالله، والقيام بصالح الأعمال، والإنسان عندما يقف بين يدي الله، أو يضمه قبره، فإن ما يهمه وقت ذلك هو ما قدم من أعمال صالحة.
ورغم فشل مشروع الزواج بين كريستيانا وعمران بعد اتفاقهما، مما صدمها نفسياً بعض الوقت، ومع ذلك فما يؤكد أن توجهها الصادق لمعرفة تعاليم نبي الإسلام لم يتوقف على شخصية عمران، ووجوده في حياتها، بل ينبع من صميم الذات للمزيد من المعرفة والفهم الوثيق، لذا لجأت إلى أصدقاء مسلمين مخلصين في بريطانيا، من أهمهم الطبيبة أمينة التي أسلمت بعد تحولها من المسيحية التي ولدت بها، والمفكر الإنجليزي المسلم مارتين لينجز الذي قرأت كتابه عن النبي وأخلاقه الحميدة، فدأبت كريستيانا على الاستفادة والاستزادة، وكانت مرجعيتها كذلك من شيوخ الصوفية في مساجد لندن.
وعند تدبرها آيات سورة البقرة التي يُبلغ فيها الخالق الملائكة عن خلق آدم، ليجعله خليفة له في الأرض، ثم غفر له خطيئته، وعفا عنه، وعن حواء معاً، قبل نزولهما الأرض، اكتشفت أن الرؤية القرآنية عكس الرؤية المسيحية التي تربت عليها، فلم يخلق الله النبي آدم شريراً، أو أنزله الأرض، عقاباً له على خطيئته الأولى، وهي بالمناسبة نفس الآيات التي أثارت تفكير عالم الرياضيات الأمريكي/ جيفري لانج، وجعلته فيما بعد يعلن إسلامه، كذلك استوعبت كريستيانا أن القرآن يبتعد عن الغموض، فتقول: (على العكس، القرآن يخبرنا بوضوح أن الإنسان مولود على الفطرة، ولا يحمل وزر إنسان آخر (كل نفس بما كسبت رهينة) (سورة المدثر: 38)، (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (سورة الأنعام: 164)، وتذكرتُ كيف كان اليهود الكبار الذين قابلتهم كانوا يعاتبونني، لأني ألمانية، ويذكرونني بالهولوكست، وكنت بالطبع أشعر بالاستياء من هذه المرحلة في تاريخ ألمانيا، لكن في نفس الوقت لا يبرر هذا مؤاخذتهم لي، بأمر حدث قبل أن أولد).
كما كان همها كذلك التحقق من أن القرآن لم يظلم المرأة، مثلما هو الاعتقاد السائد وسط مجتمعها، لكن هناك آية أراحت لها قلبها، بما يخص مساواة المرأة في الحقوق والمسؤوليات مع الرجل، وهي الآية الكريمة بسورة التوبة (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض...).
وهكذا وصلت قناعتها لقمة منحنى التسليم بأن الإسلام هو الدين الحق، فاتجهت مع رفاقها لمسجد لندن لتعلن إسلامها (عام 1995)، وبالطبع لم تنته رحلتها عند هذه المحطة، بل بدأت محطات مضنية، لعل أبرزها: (الفصل التعسفي من العمل بالمحطة التلفزيونية -سوء معاملة أبيها الكاره للإسلام- محاربة التلفزيون والإعلام الألماني لها، عند استضافتها، ثم اغتيالها معنوياً، في بروباجندا فاشية ضد الإسلام، دون مصداقية مهنية - معاناتها في صيام رمضان في أول عام لها، وفشلها في ذلك، لعدم قدرتها على ترك شرب الخمر، حتى تخلت عن هذه العادة تماماً).
وظلت تداوم على حضور الجلسات الدينية، مع شيخها الصوفي وجماعته -على الرغم من ملاحظاتنا، واختلافنا مع بعض تلك الممارسات، والتفسيرات الصوفية المائعة، التي تنحو لإرضاء فكر المجتمع الغربي- فبلغت كريستيانا إلى المكانة التي جعلتها من أهم الدعاة، في أنحاء أوروبا، لإفهام الذهنية الغربية حقيقة الإسلام، فتجابه بثقة، وبشاشة، خرافات الإعلام الغربي، وافتراءاته عن هذا الدين.
ومع سطورها التي تصف مشاعر قلبها الصدوق المحب لله ورسوله، وتأملاتها في معاني الدين الجديد الذي امتزج، وأعاد تشكيل حياتها، تعترينا معها رجفة روحانية، تزيل عن قلوبنا غشاء الاعتياد، حيث تشف النفس، وترف الروح، في ملكوت التسبيح والمناجاة القلبية، فتوقظ فينا اللذة الكامنة في سويداء الفؤاد، تلك اللذة التي قال عنها أحد الزاهدين من السلف: (لو علم الملوك، وأبناء الملوك مانحن فيه من السعادة، لجالدونا -حاربونا- عليها بالسيوف).
ويفور الإحساس عندما تسرد لنا كريستيانا رحلتها المرهقة في الحج (عام 2009)، وكيف روضت النفس، وجاهدت إلف العادة، ليضيء وعيها بضياء الصبر، فتلمس آثاره لمساً في كل مناسك الفريضة، وهي تتمثل صورة النبي إبراهيم أول من امتثل طائعاً مُخبِتاً لهذه التكاليف الإلهية.
وبعد أن نطوي رحلة كتابها، تلوح لنا حقيقة ربانية، مفادها أن الهداية ليست قدراً مقدوراً، لا إرادة للإنسان فيها، كما يتوهم الكثير، بل هي هبة الله لمن يسعى ويؤوب إليه بقلب سليم، وصدق الحق في قوله: (ويهدي إليه من ينيب).
ذو صلة