تعتبر دراسة المسكوكات الإسلامية من أهم فروع الدراسات الأثرية ذات الصلة الوثيقة بتاريخ الدول التي تعاقبت على حكم أقاليم دار الإسلام. ونظراً لطبيعتها الوثائقية بوصفها إصدارات رسمية يعتنى بها وبما يسجل عليها من كتابات ونقوش؛ فإن المسكوكات الإسلامية تعد مصدراً مهماً لا غنى عنه لدراسة الأحوال السياسية للدول.
وقد حرص الحكام من خلفاء وملوك وسلاطين وأمراء على تسجيل أسمائهم على الإصدارات النقدية، توكيداً لسلطتهم، وذلك باعتبار أن (السكة) في الدول الإسلامية هي إحدى شارات الملك الثلاث، وهي: الخطبة والسكة والطراز.
وتكتسب دراسة المسكوكات أهمية متزايدة في حالات تاريخية معينة، مثل قلة المصادر التاريخية التي تتناول الفترة التي أصدرت فيها، أو تضارب تلك المصادر في معلوماتها، فضلاً عن قصر فترات الحكم في بعض الدول، وكثرة الخلافات والصراعات فيها.
وتعد الدولة الجلائرية (737-836هـ / 1336-1432م) نموذجاً مثالياً لمثل تلك الحالات التي تزداد فيها الأهمية العلمية لدراسة المسكوكات؛ نظراً لقلة المصادر التي تناولت تاريخ هذه الدولة، وتضارب بعض المعلومات، بل غموضها. يضاف لذلك حقيقة أن هذه الدولة قد ظهرت في فترة عامرة بالاضطرابات والصراعات التي رافقت تفتت دولة إيلخانات المغول في العراق وإيران وأواسط آسيا لعدة دويلات صغيرة.
فبعد وفاة أبو سعيد بهادر خان آخر حكام المغول الأقوياء في سنة 736هـ (1335م)؛ تتابع الأمراء الصغار على حكم مناطق مختلفة من أراضي الدولة التي تفتت فيما بينهم، مما أدى لزوال دولة إيلخانات المغول.
وقد انقسمت تلك الدولة إلى عدة دويلات، وهي: دولة آل كرت في هراة، ودولة السربداريين، ودولة المظفريين، وأخيراً دولة الجلائريين الذين اتخذوا من بغداد وتبريز مركزين رئيسين لحكمهم.
وقد عثرت على مجموعة من النقود الفضية لتلك الدولة ضمن مجموعة النقود التي يحتفظ بها مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية بالرياض، وهي فيما أعلم أكبر مجموعة من نقود تلك الدولة في مجموعات النقود الإسلامية في المملكة العربية السعودية، ووجدت أنه من الملائم أن أقوم بدراسة هذه المسكوكات الفضية، آملاً في أن تساعد المعلومات التي ستتناولها هذه الدراسة في استجلاء بعض الجوانب الغامضة في تاريخ الدولة الجلائرية.
تتناول هذه الدراسة النقود الفضية التي ضربها حكام الدولة الجلائرية خلال سنوات حكمهم فيما بين عامي 736 و836هـ (1336-1432م)، وذلك على ضوء مجموعة النقود الفضية الجلائرية المحفوظة بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، وتحتل هذه المجموعة موقعاً خاصاً بين مجموعات نقود تلك الدولة، إذ يصل عددها إلى 65 قطعة، متنوعة في طرزها، وتحمل أسماء عدة دور سك في العراق وإيران، وهو ما يتيح الفرصة للوصول إلى معلومات أكثر دقة وشمولية عن طبيعة النظام النقدي للدولة، وأهمية النقود الفضية فيها.
وقد أفادت دراسة هذه النقود في استجلاء حقيقة الطابع المذهبي للدولة الجلائرية، ذلك أن العديد من المؤلفين ظنوا أنها تحدب على مذاهب التشيع، باعتبار أن الأمراء تسموا بأسماء مثل الحسن والحسين والقاسم، كما كانت لديهم أوقاف مدرة على المراقد الشيعية في النجف وكربلاء.
ولكن الحقائق التاريخية تشير إلى أن آل جلائر لم يكن لديهم تعصب لمذهب بعينه، بينما تؤكد كتابات النقود الجلائرية أن المذهب الرسمي للدولة كان مذهب أهل السنة والجماعة، إذ تواترت أسماء الخلفاء الراشدين الأربعة على عملاتهم الذهبية والفضية، وهو ما يتماشى مع ما ذكرته المصادر التاريخية من أن شيوخ المتصوفة وأئمة الجمعات وشيخ الإسلام كانوا يختارون جميعاً من فقهاء السنة.
ولعل نتائج هذه الدراسة التي تأتي في الخاتمة تؤكد حقيقة الازدهار الحضاري والفني الذي عرفته دولة الجلائريين، أشهر الأسر التي ظهرت في العراق وإيران في فترة ما بين الإمبراطورية المغولية وظهور الغازي الكبير تيمورلنك؛ حيث حرص سلاطينها على رعاية الفنون والآداب.
وقد قسمت هذه المقالة إلى مقدمة وثلاثة فصول مع الخاتمة والنتائج، لكي يتسنى للقارئ فهمها بشكل مبسط على هذا النحو:
الفصل الأول: الأحوال السياسية والاقتصادية للدولة الجلائرية
واحتوى هذا الفصل على أربعة مباحث، الأول منها تناولت فيه الأحداث السياسية للدولة الجلائرية، مركزاً على فترات حكم كل من حكامها، وبيان أهم الأحداث والصراعات التي وقعت إبّانها.
وجاء المبحث الثاني بعنوان (الأحوال الحضارية للدولة الجلائرية)، حيث تعرضت لأهم مكونات المجتمع في عصر الدولة الجلائرية، والتي تضم:
- الطبقة الحاكمة
- رجال الدين
- الموظفون
- التجار والزراع والصناع
أما المبحث الثالث فكان بعنوان (نظام الدولة)، وتعرضت فيه لأهم الدواوين التي أشرفت على إدارة البلاد خلال فترة حكم الجلائريين، وهي:
- ديوان السلطنة
- ديوان الاستيفاء
- ديوان الإشراف
- ديوان الإنشاء
- ديوان النظر
- ديوان القضاء
وختمت هذا المبحث بالحديث عن نظام الحكم الذي اعتمد على تبعية الأقاليم للحكم المركزي مع بعض الاستقلالية، وعن علم الدولة الجلائرية، والأعياد التي كان يحتفل بها رسمياً.
وآخر مباحث هذا الفصل كان تحت عنوان (الأحوال الاقتصادية والثقافية للدولة الجلائرية)، وتناولت فيه مجمل الأحوال الاقتصادية في الدولة، وكذلك النواحي الثقافية، وأهم الأدباء والشعراء، وكذلك الفنون والصناعات التي ازدهرت تحت حكم الجلائريين الذين أولوا عناية خاصة بفن المنمنمات، وبخاصة في مدينة تبريز.
الفصل الثاني: الدراسة الوصفية
وتشمل هذه الدراسة النشر العلمي لرسالة الماجستير المقدمة لجامعة الملك سعود لعدد 65 قطعة فضية هي مجموع النقود التي ثبت بعد الدراسة أنها تعود للدولة الجلائرية.
وهذه القطع سُجلت عليها خمس دور ضرب، هي: البصرة وبوشهر وحويزة ودزفول وشوستر.
ورُتبت القطع وفقاً لترتيب الرسم الإملائي لأسماء دور السك، مع مراعاة تاريخ السك في حال وروده على القطع.
وتضمنت بيانات نشر المعلومات القاعدية الأساسية، وهي:
- نوع المعدن
- مكان الحفظ
- الوزن (بالجرام)
- القطر (بالمليمتر)
- الكتابات على كل من الوجه والظهر
- صورة الوجه والظهر لكل قطعة
- تفريغ كتابتي الوجه والظهر.
وقد قسمت هذه المجموعة من النقود الفضية الجلائرية عند تناولها في الفصل الثالث إلى تسعة طرز مختلفة، بناء على الشكل العام ومضمون الكتابات.
الفصل الثالث: الدراسة التحليلية والمقارنة
تناولت في هذا الفصل النظام النقدي للدولة الجلائرية الذي اعتمد على النقود الفضية بشكل رئيس، فكانت الإصدارات الفضية هي قاعدة النظام النقدي. ورغم ذلك فقد أصدر بعض سلاطين الجلائريين نقوداً ذهبية، ولكن بأعداد محدودة. من ناحية الشكل التزمت الإصدارات النقدية الطراز نفسه الذي كان سائداً في نقود الإيلخانيين المتأخرة.
واشتمل هذا الفصل أيضاً على:
أولاً: مضمون الكتابات الواردة على النقود، وتضمنت:
- الكتابات غير القرآنية.
- العبارات الدينية.
- أسماء دور السك.
ثانياً: أنواع الخطوط التي سجلت بها الكتابات، وقد تضمنت ثلاثة أنماط من الخط الكوفي: (الكوفي البسيط والكوفي المورق والكوفي المربع)، بالإضافة لخط النسخ.
ثالثاً: التأريخ على النقود موضوع الدراسة.
رابعاً: الأسماء والألقاب.
خامساً: الدراسة المقارنة، واشتملت تصنيف النقود موضوع الدراسة، وعددها 65 درهماً فضياً إلى أحد عشر طرازاً مختلفاً، بناء على الشكل العام ومضمون الكتابات المسجلة، مع شرح لسمات كل طراز.
أعقب ذلك الإشارة للنقود المماثلة التي نشرت، سواء في دراسات سابقة أو في دليل المتاحف والمزادات، وبخاصة على المواقع الإلكترونية.
وجاءت بعد ذلك النتائج والخاتمة مع قائمة بالمصادر والمراجع الرئيسة التي اعتمدت عليها في هذه الدراسة.