مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

العمارة الجيولوجية.. البناء بالحجر

يبرز التراث المعماري الصورة النمطية عن تاريخ المكان وإرثه الثقافي، إذ يعكس اختلاف ظروف البيئة المتوالية على المكان جغرافياً ومناخياً، فنقرأ من خلاله الحياة السياسية والاجتماعية التي تعايش معها الإنسان في ذلك المكان، والتي لم يصمد إلا أجزاء من مبانيها وبعض من أجزاء البناء المندثرة، التي عكست لنا هوية المكان وثقافته اليوم.
في تاريخ الحضارات العالمية كانت المواقع الجبلية هي الحصون الدفاعية للحضارات السابقة، فتربعت القصور التاريخية على قممها والقرى التراثية بين طياتها، فاختزلت لنا ثقافة الإنسان وتعايشه مع البيئة الجغرافية، إذ تفنن في تشكيلها مستغلاً مكونات الطبيعة الخلابة المحيطة به، لتناسب احتياجاته.
إن التشكيل الواسع من التنوع الصخري في الجبال كان ومازال منبعاً للمعادن التي اتخذها الإنسان لتكون أول أدوات الصناعة في البناء، حيث شيد بها إرثاً من البناءات الصخرية والكتلات المعمارية المنسجمة مع الطبيعة مشكلاً إرثاً فنياً للبناء بالحجر.
ولأن الصخور هي الوحدة الأساسية في بناء طبقات الأرض، كانت هي المادة التي شكلت واجهات المباني الحجرية، هذا التنوع في الألوان والخصائص والذي تشكل بفعل عوامل التعرية والتغيرات الطبيعية، أصبح تراث البناء الجيولوجي في المناطق الريفية، فانفردت المناطق الجنوبية من المملكة العربية السعودية بفنون طرازها المعماري بسبب تباين تضاريسها، إذ تجد تنوعاً واختلافاً في طرق البناء في قمم الجبال عن الهضاب وأماكن التقاء الجبل بالوادي الذي تكون عنهما المساحات الزراعية التي جمعت سكان القرى، مشكلة نسيجاً عمرانياً متدرجاً بارتفاعات الأراضي المحيطة.
وعلى الرغم من صعوبة التضاريس الجبلية واختلافها في المنطقة الجنوبية، إلا أن الإنسان أثبت قدرته على التعايش في المكان، تاركاً لنا إرث ثقافة أنماط البناء بمواد الطبيعة، فأصبحت المباني الحجرية هي هوية البناء الجبلي في المنطقة الجنوبية من قرى الدرع العربي. وعلى الرغم من أن البناء حينها يعد بناء وظيفياً يتناسب مع احتياجات الإنسان والظروف المحيطة، إلا أن التفنن في رص الحجر أفقياً وعمودياً خلق تراثاً عمرانياً خلاباً من الطبيعة، ما جعل الإقليم العمراني في أعالي جبال السروات ينقسم إلى قسمين: مباني الجبال، ومباني الوديان. فستجد الصخور الكبيرة قواعد للبناء، أما المشذبة منها فيتم رصها بشكل منتظم، لتشيد جدران المباني، وتعتمد سماكة المباني على علو الأدوار، أما اختلاف الأحجام وتعدد الألوان فهذا ناتج عن اختلاف التكوينات الصخرية، الذي خلق واجهات خلابة للمباني التراثية الحجرية، ما زاد من رونقها بهاء مع التغيرات الطبيعية.
قديماً كانت تكسر أحجار الجرانيت والبازلت من الجبال والأودية المجاورة إلى أحجار متوسطة ثم تشذب، أما قطع الأحجار الصغيرة فكانت لسد الفراغات بين الأحجار بدلاً من الطين، مكونة سمكاً لتقوية المباني، تسمى محلياً (الكحل).
كما كانت تزخرف واجهات المباني ونوافذها بأحجار المرو الشفافة التي تجمل الواجهات بسبب تباين ألوان حجر البازلت مع لون حجر المرو الأبيض الشفاف، الذي خلق هوية معمارية منفردة بسبب نقاء وشفافية الحجر، كما تفنن البناؤون في تنسيق رص حجر المرو بشكل هندسي جاذب، ويكثر هذا النمط الزخرفي في رص الحجر في أعالي الجبال وأوديتها.
تتميز قرى الريف في المناطق الجبلية والأودية بتلاصق مبانيها سواء، ويتخللها ممرات ضيقة متصلة مع بعضها البعض، مشكلة بذلك حيزاً دفاعياً آمناً لأهالي القرية.
قدرة الله شكلت البيئات، وحاجة الإنسان مع تلك البيئات أنتجت إرثاً فنياً تاريخياً، يحمل حضارة شعب.
ذو صلة