مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

فريق الدفاع الأحمر الفرنسي.. الخيال العلمي يلهم الجيوش على أرض الواقع

العام 2056؛ أفضت عقود من الحروب الشعواء إلى طفرات مستمرة في تقنية الأسلحة، بما في ذلك اختراع عجيب يُسمى (الصاروخ الفائق السرعة) الذي يتحرك بسرعة تُقدَّر بستة أضعاف سرعة الصوت. ولقد بدّلت هذه الأسلحة قواعد المعارك. ولكي تحمي الجيوش أنفسها من هجمات هذه الأسلحة، فقد صممت درعاً مُتقدماً للغاية بوسعه حماية مدينة بأسرها. ورغم ذلك، فهو ليس منيعاً بالكامل، والحرب التي تستعر على مهل تتفاقم عندما تحاول إحدى الحكومات اختراق درع حكومة أخرى.
إن ما يبدو أشبه بمُقدمة مسلسل جديد جدير بالمشاهدة دُفعة واحدة؛ هو في حقيقة الأمر بدايات سيناريو بالغ التعقيد وضعه كُتّاب الخيال العلمي الذين استعان بهم الجيش الفرنسي. فبحسب ما ورد في صحيفة (لوموند) مؤخراً، أثمر التعاون غير التقليدي بين جيش الدفاع الفرنسي وجامعة باريس للعلوم والآداب تواً عن الموسم الثاني لهذا المشروع.

يميل الخيال العلمي إلى استدعاء الظروف المستقبلية والسريالية لاستكشاف الفضاء والحياة خارج كوكب الأرض والسفر عبر الزمن. وهو ميدان مدهش ومحير، لكنه ليس مفيداً في عالم الواقع. في حين يرى البعض أن قصص الخيال العلمي تقدِّم نوعاً من التدخلات العلمية أو الظواهر التي تغير المجتمع بطرائق لا رجعة فيها، وهو ما لا يبدو مختلفاً للغاية عن أي شيء قد تعثر عليه في العناوين الرئيسة لأخبار الصباح.
وتثير الجهود المبذولة كتلك التي بذلتها وزارة الدفاع الفرنسية أسئلة على غرار: كيف ستتعاطى الحكومات مع أي تقنية جديدة؟ قد تتحرى بعض الحكومات الدبلوماسية حيال التقنية الجديدة، وستسعى إلى بدء تآزرات علمية لمناقشة التطبيق الأمثل لها. لكن أفراداً آخرين ليست لديهم نوايا حسنة قد يطرحون جميع المخاوف الأخلاقية جانباً ولا يلقون إليها بالاً. وماذا عن عموم الناس؟ هل سيدعمون الحكومات، أم سينقلبون على حُكّامهم؟
في الوقت الراهن، يبتكر الجيش الفرنسي وسائل لجعل هذه الممارسة اعتياديةً قدر الإمكان، فهناك (فريق أحمر) يتكون من مؤلفين لديهم مطلق الحرية في ابتكار سيناريوهات مختلفة، ومن الممكن أن يطرحوا أفكاراً يستبعدها الجيش الفرنسي لأسباب أخلاقية، كنظم الأسلحة الفتّاكة المُستقلة (ALWS) أو البشر المُعزّزين.
صرّحَ قائد كتيبة المشاة جون باتيست كولاس البالغ من العمر 36 عاماً لصحيفة (لوموند) بأن الهدف من هذه العملية: (أن ما يُخيَّل للفريق الأحمر لا بد أن يُزعزع استقرارنا أو يثير ذعرنا أو حتى يقهرنا).
ولدى الفريق الأحمر خيار استشارة (الفريق الأرجواني) الذي يتكون من أكاديميين يعملون في مجالي الذكاء الاصطناعي والتقنية، لضمان أن أفكارهم منطقية وواقعية. والجانب العسكري -أو (الفريق الأزرق)- يضع اللمسات النهائية قبل أن تُصَادَر السيناريوهات رسمياً وتُدمغ بختم (سري جداً).
الإعلان الرسمي للفريق الأحمر التابع لجيش الدفاع الفرنسي
وقد خضع المشاركون المُختارون إلى استقصاء شامل لضمان خلوهم من أي نقاط ضعف يمكن أن يستغلها أي أحد من الخارج (كالديون الكبيرة أو العلاقات بقوة عظمى.. إلخ)، والانغماس في العمل مطلوب لأن الفِرَق تتعاطى مع معلومات سريّة. ويشرح المؤلف كزافييه موميجين المشارك في الفريقين الموقف قائلاً: (إننا نبدأ بتهديد حقيقي يساعدنا الجيش على أن نجعله أكثر منطقيةً وإثارةً للقلق).
وحفاظاً على صورة تتسم بالشفافية نوعاً ما، يُعلَن عن جزء صغير للغاية من السيناريو للعامة. ولكن، قبل أن يصل هذا الجزء إلى متناول أيدينا، تُوضع هذه السيناريوهات تحت المنظار، ويُزال منها أي شيء يقترب من الواقع، كالأشخاص والمواقع التي تحل محلها بدائل خيالية. وعندما تُنشر تلك السيناريوهات، يطغى الحماس على مبتكريها، ويُستعان بكُتَّاب سيناريو ورسّامين وممثلين ومصممي رسوم لجعل المشروع جذاباً قدر الإمكان. والنتيجة فائدة تعمُّ على الطرفين: فيحظى العامة بشكلٍ جديد من أشكال الترفيه، ويحظى الجيش بمجموعة جديدة من السيناريوهات العمليّة.
ورغم أن الجيش تعرّضَ للسخرية على ألسنة البعض بسبب هذه المبادرة، فهو يصرُّ على أن توظيف مؤلفي الخيال العلمي يساعده على التأهب لمواقف لم تكن تخطر على البال في السابق. ويقول العاملون في الجيش إن هذه السيناريوهات ترتقي بالإبداع وتجعل الجنود والقادة أوسع حيلةً، وهي صفة ضرورية في عالمٍ عصي على التوقع.
والحقيقة أن هذه الممارسة موجودة منذ زمن بعيد، بعدة أشكال، وفي عدد من القطاعات المختلفة. على سبيل المثال، استُلهمت قصة (فرانكنشتاين) (1818) التي تتناول عالِماً خيالياً مهووساً بضخ حياة في وحش، مُستعيناً بالبرق من خلال الأبحاث العلمية المحدودة في مجال الكهرباء وتطبيقاتها على الجسم البشري آنذاك. وبعد أكثر من مئة عام على نشر القصة، شاهد الشاب إيرل باكين فيلماً مُقتبساً عن القصة ذاتها عام 1937، فألهمه صنع أول ناظمة نبضات قلب على الإطلاق تعمل بالبطاريات عام 1957، وهو جهاز ينقذ حياة البشر ما برح قيد الاستخدام إلى يومنا هذا.
الخيال العلمي المُتاح الأكثر (جنوناً) يظل (خيالاً)
لقد قطعت رواية (من الأرض إلى القمر) (From the Earth to the Moon) (1865) التي كتبها المؤلف الفرنسي جول فيرن؛ شوطاً أبعد، وتركت بصمتها بشكلٍ غير مباشر في القرارات السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة. تدور الرواية حول مجموعة من الرجال قرروا السفر إلى القمر داخل قذيفة أسطوانية الشكل، وكانت هذه القذيفة الخيالية تشبه إلى حدٍ كبير مقصورة قيادة المركبة أبولو 11 التي استُخدمت لإرسال أوائل البشر إلى القمر بعدها بـ 104 أعوام، فقد كانت جوفاء ومصنوعة من الألومنيوم وتسع ثلاثة أشخاص، وانطلقت من ولاية فلوريدا وسقطت أخيراً في المحيط الهادئ. وقد ألهمت قصة فيرن أشخاصاً واقعيين للتصدي لتحديات السفر في الفضاء، فأشعلت في نهاية المطاف شرارة السباق إلى الفضاء في القرن العشرين بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
إننا نعلم الآن أنّ الفضل يرجع إلى معاهدات الفضاء الدولية في تفادي حرب فضائية شاملة، إذ حظرت تلك الاتفاقيات استخدام الفضاء الخارجي تلبيةً لأية طموحات عسكرية. غير أن السنوات التي أفضت إلى تلك الأحداث كانت مشوبة بالتوتر وامتازت بالسّاسة الذين ناقشوا بذعرٍ أثر هذه التقنية الجديدة المُزعزعة للأوضاع الراهنة. وهو الأثر الذي ليس بالخيالي مطلقاً!
ولذلك، فبدلاً من الاستعانة بمؤلفي الخيال العلمي، استقر رأي الجيش الألماني على بحث المؤلفات الحالية، وفي عام 2018، عقد شراكةً من عدد من الأكاديميين، وكانت خطتهم تنحصر في استخدام الروايات لتحديد الصراع المحتمل التالي الذي يتوعد العالم. وبحسب ما جاء في صحيفة (دي تسايت) الألمانية الأسبوعية، لا يركِّز هذا التعاون -المعروف باسم (مشروع كاسندرا) تيمناً بالكاهنة الطرواديَّة في الأساطير اليونانية التي تمتعت بهبة البصيرة- على الخيال العلمي وتقنيات المستقبل حصراً؛ وإنما يضع في الحسبان أيضاً السلوك البشري. والقائمون على المشروع يبحثون عن الاتجاهات الاجتماعية والحالات المزاجية والصراعات التي نشأت استجابةً للقرارات السياسية والطفرات التقنية (سواء الحقيقة أو الخيالية).
هل يكون أدب الخيال العلمي فن الحرب الجديد؟
ويؤكِّد يورغن فيرتهايمر، الأديب الذي أسس المشروع؛ على الوظيفة المُزعزعة التي يمكن أن تتسم بها الروايات، ولماذا يتعين على الدول أن تتعلم استيعابها. ويقول مُعلقاً على ذلك: (هناك مؤلفون حسّاسون للغاية للتغييرات والتقلبات المزاجية في المجتمع، وهم يُعبِّرون عن حساسيتهم تلك بالكلمات).
ويستعين الأكاديميون الأدبيون الألمان، شأنهم شأن مؤلفي الخيال العلمي التابعين للجيش الفرنسي؛ بالذكاء الاصطناعي، وذلك لأن حاسوب الذكاء الاصطناعي الألماني (واطسون) المُستخدم في التنبؤ بالصراعات لا يَقْدِر على قراءة ما بين السطور والاستدلال على الإشارات الاجتماعية. وهنا يأتي دور فيرتهايمر وفريقه، فهم يفتشون عن الأعمال الأدبية التي (تضرب على وتر حسّاس)، سواء فازت بجوائز أو آل بها المآل إلى الحظر. وقد ضمنَ التحليل على مدار عدة السنوات للمسؤولين الآن القدرة على التنبؤ، بدقةٍ لا بأس بها، بالصراعات قبل اندلاعها بخمس سنوات بدلاً من سنة واحدة.
والأفلام أيضاً مصدر من مصادر الإلهام. والواقع أنه بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، لجأت وزارة الدفاع الأمريكية لصناع أفلام هوليوود، كستيفن إي.دي سوزا كاتب سيناريو فيلم (Die Hard). ويُفترض أن هذه الخطوة كانت ردة فعل للإيمان بأن هجمات كهذه كان يمكن التنبؤ بها لو تحلّت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكيّة بشيء من الخيال. وكُلِّفت مجموعة من كُتّاب السيناريو وصُناع الأفلام بتلاقح الأفكار مع مستشاري ومسؤولي وزارة الدفاع على مدار عدة أيام في مكان مأمون باستخدام تقارير استخباراتية أُزيلت عنها صفة السريَّة. ولكان من الممكن أن يكون اجتماعهم هذا مشهداً في فيلم، فقد وصفَ سوزا كيف كانوا يجلسون في غرفة مظلمة، ويخاطبهم شخص ما على شاشةٍ على غرار ما فعل (كابتن كيرك) في فيلم (ستار تريك). ورغم ستار السرية المُسدل على محتوى هذه الجلسات، فمن المعلوم أنه استُفسِرَ فيها عن (أفكار غير منطقية وغير مألوفة)، وأن المشاركين شُجِّعوا فيها على مشاركة أكثر الأشياء جنونيةً خطرت على بالهم.
ويظل الخيال العلمي الأكثر (جنوناً) المُتاح بالفعل خيالاً محضاً ليس إلا. فمن غير المُرجح أن يدمر جنس فضائي كوكبنا لأنه يعرقل خطط (مسار فضائي فائق السرعة)، كما في سلسلة روايات (دليل المسافر إلى المجرة) (The Hitchhiker,s Guide to the Galaxy). ولا تلوح في الأفق أية فرصة حقيقية لخوض حرب من حروب السفر عبر الزمن كما في رواية (هكذا تخسر حرب السفر عبر الزمن) (This Is How You Lose the Time War). إن السيناريو الكارثي المنذر بنهاية العالم الذي علينا أن نخشاه حقاً يمكن أن يتجلى في قصص حرائق الغابات في ولاية كاليفورنيا والفيضانات الأوروبية. واسمه هو (التغير المناخي).
ذو صلة