مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

فتنة الكتابة

في ثنايا حديثنا حول أبجديات الحرف والكلمة، والحب الغامض المغلف في قوالب الجُمل.. قال لي متسائلاً: أنتِ مبدعة في الفتنة أم الكتابة.. قلت له: فيهما معاً: أنا (فتنة الكتابة). قال لي: الكتابة تحلو معك، فأنتِ أجمل من يستمتع وهو يكتب، لذلك أنتِ فتنة في كتاباتك، وفتنة عندما أقرأ لكِ، أعبُر مع سجايا حرفك إلى متاهات كثيرة ليس لها نهاية.
تمعنت فيه وفي نظراته وابتسامته وقلت له: رُبما أنت أحد حروفي التي أدونها، وأكتب عنها، رُبما أنت الشخص الذي أعنيه.
حينها ركن جواله جانباً واختفى، وظل خائفاً يترقب، وأوجستُ في نفسه خيفةً من كلامي، انتظرته يحادثني، يكلمني، ولم أجد أي رد.
أعتقد أنه يُحادث نفسه من وقتٍ لآخر، ويحاول أن يكتب أو يعود لأمجاد كتاباته السابقة، فهو متذوق للكتابة، يقرأ باستمرار، يحب الطلاقة والانطلاقة.
أرى في سواد عينيه الكثير من الأحاديث والنظرات العميقة، وأعتقد أنه سوف يُسابقني ويجدف بقلمه حتى يصل للمرسى ويقف متباهياً بوصوله، حاملاً بين يديه آلته الموسيقية مع كلماته الغنائية، فهو عازف مبدع يمتلك ذوقاً رفيعاً، تبدع أنامله كأنها قطرات مطر هادئ يتساقط بأعجوبة وانسيابية، وكأنها فتاة باليه تتراقص على المسرح يمنةً ويسرة، والكل يصفق لها حتى تجلس متعبة.
أما هو فما زال يعزف بكل ثقة، وأنا أراقب أنامله ذات اللون الحنطي التي أسرت قلبي، وجعلتني بلا شعور أقف بين الحضور وأغني: (ليله لو باقي ليله بعمري أبيه الليله..واسهر في ليل عيونك هي ليلة عمر).
العجيب في الأمر أني مع أول كلمة نطقتها غير أبجديات العزف، وأصبحت متناغمة مع حروف كلماتي..
عم المكان صمتٌ مطبق، والكل يستمع في ذهول وإعجاب، فهنا عزفٌ وغناء بين رجل وامرأة، حتى تلك الطيور لم تقلع، ومن كان على المرسى توقف ليستمع.. ونحن لا نعلم ماذا يدور حولنا.. كل منا يريد أن يتفوق على الآخر ويكسب الرهان.
ولكن في آخر مقطوعة غنائية ترك العزف ووقف ليغني معي.. وانتهت أغنية (ليله)، ونحن ننظر لبعضنا.. وفجأة وإذا بالجميع يصفق ويصفق بحرارة، وكأني كنتُ في حالةٍ شبه نائمة ولم أدرك الوضع إلا بعد مضي الوقت.. وإذا بالكلمات تنهال من هنا وهنا: أنتما مبدعان، أنتما رائعان، أنتما شمسٌ وقمر، أنتما ليلةُ بدر.. وإذا بهِ يقترب مني رويداً رويداً ويهمس في أذني ويقول: (أنتِ فتنةُ ماذا؟ أنتِ فتنةُ الغناء، أم الجمال، أم الكتابة، أراكِ فتنة جمعت محاسن الكلمةِ والكمال).
ذو صلة