مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

أدب الطفل بين الأنسنة والأتمتة

يقول العالم التربوي المعروف روبرت فيشر : (إذا كان إعداد الأطفال لمواجهة التغيرات السريعة في العالم هو أحد تحديات التربية، فإن تعليمهم التفكير بإبداع يصبح حاجةً ملحة.. علّم ابنك كيف يفكر؟ كيف يقرأ؟ كيف يجادل ويناقش ويحلل وينقد ويقترح؟!).
(أدب الطفل) شكلٌ من أشكال التعبير الفني يعرض في سياق منطوق أو مسموع أو مرئي في صورة قصة أو حكاية أو مسرحية أو أنشودة.. يستهوي الأطفال ويمتعهم، وينمي فيهم الإحساس بالجمال وتذوقه، ويدفعهم نحو التفكير والابتكار وخلق الجمال بأنفسهم، شأنه شأن كل (الفنون الجميلة).
وهنا يتجلى دور مؤلفي (أدب الطفل) في توظيف الإبداع وروح الدعابة والمرح وخبرات وتجارب البشر وتحديات ومتغيرات الألفية الجديدة، من أجل إتاحة الفرصة أمام الأطفال لمعرفة الإجابات عن أسئلتهم واستفساراتهم، وحب الاستطلاع ومحاولات الاستكشاف واستخدام الخيال، وإيجاد الدافع للإنجاز والتحرر من الأساليب المعتادة في التفكير وبما ينمي سمات الإبداع والطموح لديهم.
وطفل القرن الواحد والعشرين لا شك أنه يتأثر بالأدب التقني أو الرقمي الذي يُقدم عبر وسائل التواصل والتكنولوجيا الحديثة. وهو الأدب الذي يعاد عرضه وتوظيفه إلكترونياً، بحيث يتضمن الصورة والصوت واللون والحركة والنص أو الكلمة.. في بنية ديناميكية متكاملة وتشكيل فني مبتكر ومشوق، يساعد الطفل على نمو ذوقه وشخصيته، ويتوافق مع احتياجاته النفسية، ويكسبه قدراً من الثقافة والوعي، ويفتح أفقه نحو الجديد في عصر السرعة والمتغيرات المتلاحقة.
وقد انقسم أرباب التربية الحديثة في أن هذا الإقبال الملاحظ من جانب أطفال اليوم نحو الأدب التقني سلاحٌ ذو حدين إيجاباً أو سلباً، نفعاً أو ضراً.
الفريق الأول يرى أن الجوانب الإيجابية المراد تحقيقها من عرض أدب الطفل عبر الحواسيب والأجهزة الذكية بأنواعها كافة وشبكة الإنترنت في طريقة العرض المشوقة وصناعة ميديا الطفل أو وسائط التكنولوجيا التي باتت في يد أطفال اليوم عبر الهواتف الذكية والتابلت، تتمثل في زيادة كم المعلومات الجديدة والمعارف لتصل إلى ألف معلومة يومياً مع سرعة انتشارها ووصولها لملايين الأطفال المستخدمين، وكذلك بتذكية الثقافة العلمية والخيال في أدب الطفل المعروض ليشمل جميع مجالات العلم الحديث من طبيعة وكيمياء وفيزياء وفضاء.. مع تنمية لقدرات الأطفال العقلية العليا أو الكامنة التي يصعب قياسها عبر الأدب التقليدي وإستراتيجية الحفظ والتلقين، حيث تساعد ألعاب الفيديو الطفولية على خلق مهارات التحليل والتفكير الناقد واتخاذ القرار والابتكارية وحل المشكلات.
وفريقٌ آخر يرى أنه رغم كل هذه الإيجابيات فإن بعض الدراسات الحديثة حول أدب الطفل تشير إلى عدد من المخاطر التي قد تظهر في حال استخدام الطفل للتكنولوجيا دون إشراف الأسرة أو المدرسة، خصوصاً عند تصفح شبكة الإنترنت ومواقع التواصل المختلفة، ومن ضمنها مواقع تروج لمحتويات غير أخلاقية أو إلحادية تهدم قيم المجتمع وثوابته، أو بتواصل إلكتروني مباشر مع أشباح شبكات التواصل ومجهولي الهوية قد يشكلون خطراً على حياة الطفل ونمط تفكيره، بالإضافة إلى سلبيات أخرى تتعلق بعدم تحديد السن المناسب للمادة المعروضة ونوع الجنس البشري، حيث لا يميز بين متطلبات الجنسين، مع إهمال كثير من برامج الطفل لحاجاته النفسية والاجتماعية وإشباعها بشكلٍ سليم.
وأيضاً فيما يخص عالم الطفل الواقعي، فرغم أهمية العرض التكنولوجي للأدب، ليس مقبولاً أن نؤسس أطفالاً افتراضيين يعيشون منعزلين عن العالم الحقيقي خلف شاشاتهم وفي غرفهم الخاصة فقط، ويبقى لكل فريق وجهة نظره!.
ختاماً، الكتابة للطفل اليوم تعد أزمة حقيقية، لما يواجهه مؤلفو ومنتجو أدب الطفل من تحديات عظيمة بخصوص المحتوى المناسب وتطلعات طفل اليوم، وطبيعة بيئته، إضافة إلى التطور التكنولوجي الحاصل في عالمه.. لدينا العديد من الكتابات الجادة التي تشتمل على عنصري الفكاهة والخيال، ولكنها لا تخرج من رفوف المكتبات إلى المجال الأعمق المحبب في نفوس أطفال عصر التكنولوجيا والإنترنت .
ذو صلة