مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

هكذا علمني (وردزورث)

قال أبو عبدالرحمن: أخجل تواضعي الشاعر الكبير (وليام وردزورث) (1770 - 1850ميلادياً /1192 - 1272هجرياً) بقصيدة وجهها إلي معابثاً يقول فيها:
( أنت يا من زيه الظاهري يخدع الناس عن حقيقة روحه العظيمة.
أيها الفيلسوف الأكبر الذي لم يفرط بشيء من تراثه.
أيها المبصر بين العميان.
أنت أيها الأصم الأبكم.
الذي تقرأ العميق الخالد.
ذاك الذي يراوحه العقل الأزلي ويغاديه أبداً.
أيها المبارك البصير.
الذي عنده الحقائق تستريح.
ونحن نكدح طوال حياتنا لنلقاها.
فنضيع في الظلام.. في ظلام الضريح.
أنت يا من يلازمه خلوده.
كالنهار تلازم سيد وعبد.
شاهداً لا يريد أن يبرح.
يا طفلاً وإن كنت عزيزاً بقوة.
الحرية بنت السماء التي تحل في شامخ كيانك.
لماذا تستثير سنوات العمر بآلام جاهدة.
تحت النير المحتوم.
فتظل في نزاع مغلق من بركاتك).
فقلت يومها: شكراً شكراً يا مستر (وليام وردزورث)، لقد أخجلت تواضعي، وأنصفتني ممن يهجوني في كل زمان ومكان، لقد علمتني أنني طفل كبير، أنني صاحب تهويمات تدل على أن كاتبها طفل، وصاحب إيجابيات تدل على أن كاتبها كبير، فهل هذا تناقض؟ كلا، بل ليعرف الناس: أن للإنسان ميولاً متضادة غير متناقضة، والضدان يرتفعان ولا يجتمعان، والنقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان.
قال أبو عبدالرحمن: إنما جاز ارتفاع الضدين لوجود الوسيط غير المرفوع كما يقول فلاسفة الأبستمولوجيا، وميول ابن حواء المتضادة لا يرضيها ويجددها في وقتها الخاص بها إلا تلون في الحياة وتجدد في الأسلوب تلوناً وتجدداً بعيداً عن الرتابة، وعن الحياة العادية المستهلكة.
قال أبو عبدالرحمن: وعندي أن الذي لا يجرب الخير والشر سينطوي على بعض العقد في الحياة الدنيوية الفاتنة الفانية، بيد أن من لم يجرب إلا الخير هو المجدود السعيد في حياة المعاد الأبدية، لأنه الشاب الذي لا صبوة له، وقد عرفتم في مأثور النصوص الشرعية فضل هذا الصنف، وأرجو الله أن يجعل ذريتنا من هؤلاإء، أما نحن فحسبنا أن نتدارك فضلة العمر بعد أن تضاحك الفودان، وتقوس المرفقان.
قال أبو عبدالرحمن: نعود حيث بدأنا فنقول: لابد من التلون في الحياة، ولابد من الأسلوب المتجدد، ولكن ماذا سيقول عنا هؤلاء الفضوليون الذين يطؤون طرف الرداء حالما نوليهم أعقابنا، ونلقي عليهم تحية وداع، وربما جبذوا المئزر، أسبل الله علينا وعليهم ستر العافية. ألم نقل في صلب كل صلاة عند مناجاتنا لربنا: اللهم استر عورتي في الدنيا والآخرة، يا إلهي إنهم أعيونا رغم التعاويذ! سيقول هؤلاء الفضوليون: إن التلون نفاق، وسيقول الأريحيون من الشباب: إن التجدد النشيط انفصام في الشخصية. وسيقول المتفلسفون: إن استهلاك العمر في التجارب المتضادة قلق وضياع.
قال أبو عبدالرحمن: نقول لمن يحضرنا من الطوائف الثلاث: كل ما تخوفتم منه لا ينسحب على التلون والتجدد والتجربة اللواتي نريدهن وإليكم البيان: لسنا نريد بالتلون والتجدد أن نعامل ربنا في الخفاء بمعصية غير الطاعة التي نعلنها، ولسنا نريد بذلك أن نطيع حيث كانت الطاعة علناً، ونعصي حيث كانت المعصية علناً، فوالذي نفس محمد بن عمر بيده: إن من ارتكس في الكبائر الموبقة لقمين أن الله بالفتنة والاستدراج فيحال بينه، وبين التوبة، ويموت على غير الفطرة. نسأل الله الغوث والسلامة، وإنما نريد بالتلون والتجدد أن نوازن بين ميول النفس البشرية المضنية، فثمة ميول عقيلة تطمح إلى الحياة الجادة في شدة الكدح والعرق لبلغة العيش وشدة العزيمة في العبادة، والعابد في عصرنا هذا هو من يؤدي الصلاة في وقتها، ويتجنب الموبقات. أما سيرة الصحابة وأحمد بن حنبل وابن المبارك، فتعد اليوم من الأساطير، ولا عجب فإننا في ذنب الدنيا، فهذا الدرب الشموس الذي يحتاج إلى رياضة نفسية يقتحمه من اكتنفته متطلبات الوظيفة والبيت والأهل، ثم للنفس البشرية الضعيفة ميول بعد هذا خيالية وعاطفية لا تطبق الاستمرار على الحياة الجادة. أما الخيال فهو انشغال ببعض التوافه من المباحات، وأما العواطف فأعظمها عاطفة الحب فقد خلقنا الله من دم يفوز في الوجنة، ومن عيون تنظر فتسبح وتمرح، والناس يعلمون أن العيون الزرق، أو الحدق التي ترمي بحور تبتلع العقول، وإذا غاب العقل تعطلت الحياة الجادة، وكم من غريق من بحر العيون نحسبه يحسن السباحة نرجو له الشهادة، فحري بمن لا عقل ولا قود في الدنيا الفانية أن يحظى بالشهادة إذا لم يحظ بالوصال، وغلبه خوف الله عن الجموح. وقد قلت في أكثر من مناسبة: إن من رمضته شمس (بودلير) الحمراء: لابد أن يتسلى بحياة رخوة غير جادة في بعض اللحظات، ويكون تسليمه بنوع من المزاح، أو اللهو المباشر، وإن وقع في شيء من اللمم فقمين أن يغفر له إذا سارع إلى الخيرات في حياته الجادة، والذي يراوح الحياة الجادة بلحظات لاهية متلون بلا شك، متجدد في أسلوب حياته، ولكنه غير منافق ولا عاص، لأنه يتسلى بالمباح، ولا يقع في اللمم إلا على غرة، ثم ينسحب مذعوراً، وإنما المنافق حقاً من يظهر سمتاً، وحوقلة ويتستر بلهوه المباح، ونحن معشر الظاهريين أمة فيها دعابة وسلوة ظهر ذلك عند مشايخنا محمد بن داوود، ونفطويه، ومنذر بن سعيد، وابن دحية، والإمام الأجل أبو محمد بن حزم رضي الله عنهم.
قال أبو عبدالرحمن: ولقد اعتدنا على أن نجعل (كفر أبي صير) بقاهرتنا المحروسة مستراحاً لهمومنا في لحيظات لا تبلغ الثلث من عامنا، ولو بلغته لقلنا: الثلث كثير. وبـ (كفر أبي صير) نجدد أسلوب حياتنا بما لا ريبة فيه غاية ما هنالك أننا ننسحب من العقلانية الخانقة إلى شيء من أدب العواطف والخيال إلى شيء من الرومانتيكية، ولا تعجبوا أن يعيش بعض الظاهريين طفلاً كبيراً بكفر أبي صير المحروس يمتطي صهوات حروفه كما يقول الأستاذ (حمد القاضي)، ويجلد الغيد بسياط حبه. ما علمت لهذا الآدمي العجيب شبيهاً إلا ذلك الطفل البريء الذي يناجيه (وردزورث) بقصيدته الآنفة الذكر. صدقني يا مستر (وردزورث) أنني طالما حققت أمنيتك بكفر أبي صير عندما أنشدت في بعض اللحيظات قول زميلك (بايرون): (ليست المعرفة سعادة، وما العلم سوى استبدال جهل بجهل). قاتله الله ما أصيده لحبات القلوب؟! إنه صاحب الفلسفة الشهيرة في القبلة الذي أراد أن يستريح، أو لم يقل زميلك الآخر (والت وايتمان): إنه أصبح مرهقاً معيباً لأجل أرقام الأزياء! ألم يجد اليقظة الطفولية الحالمة في هواء الليل السديمي الرطب؟ أقول يا مستر (وردزورث) يفديك شعراء الغرب كلهم عن بكرة أبيهم إن كان لأبيهم بكرة، لأنك حببت إلي الريف عندما قلت:
(نبضة واحدة من غابة مخضرة قد تكشف لنا خبايا النفس الإنسانية، وعن جانب الخير والشر أكثر مما يستطيع الحكماء مجتمعين.
عذب هو الكنز الذي تقدمه الطبيعة، إلا أن ذكاءنا المتطفل يشوه أشكال الأشياء الجميلة.
كفانا علماً وفناً.
أغلق تلك الصفحات المجدية.
تعال ومعك قلب.
يرى ويكتنز ما يرى)
قال أبو عبدالرحمن: لا يحسبن اللماعون الغربيون أن شرقنا خلي من الأطفال الكبار، أو لم يقل أحد الشرقيين:
ما العيش إلا أن تحب
وأن يحبك من تحبه؟!
إن هذا شرقي وهو طفل كبير، أما التجربة فلا نعني بها ممارسة كل شيء حتى الخطيئة، وإنما نعني الملاحظة وأن نعرف لغة كل قوم لغة، الفقيه والفنان.
* أنا مغترب والراحلون همو!
قال أبو عبدالرحمن: أجد في مسجد بحي شعبي رجلاً أو رجلين، وأجد في القرية بضعة رجال ممن استولوا على السبعين أو الثمانين فيخفق قلبي طرباً، ثم تضطرب جوانحي فرقاً! أرى شيبة الحمد تتألق في أعبائه وضعفه فطرة النشأة، وحلاوة الإيمان، وصدق الطوية، ما يحمله جسم أحدهم من لباس زهيد الثمن جداً، ولكنهم ممن يرجى له الثواب، ويتوقع له ثقل الوزن عند ربه، لا يتأنقون بالأطياب والأصباغ والمطهرات، ولا يؤمنون بالعدوى، ولكنهم أطهر ظاهراً، وأزكى باطناً، تعودوا إسباغ الوضوء خمس مرات في اليوم والليلة، وتعودوا الغسل يوم الجمعة، فأسبغ ذلك عليهم طهراً ونوراً. تظن أن أحدهم بعد أن حشرجت في تجاعيده السنين لا يستطيع تحريك ردائه، ولكنهم والله أصلب عزيمة، لأن مواظبتهم على طرق بيوت العبادة خمس مرات في اليوم والليلة، فيهن حر الهجير، ورخاوة الغلس منذ كانت أعمارهم سبع سنين علمهم الدقة والنظام والعزيمة. لقد شاهدت احتضار عدد من هؤلاء الأشياخ المباركين وقد اسودت بشراتهم من الأمراض والهموم والحرفة والكبر، فإذا بوجوههم بعد صعود الروح تتألق بياضاً ونوراً، وإذا القلب الذي يرحمهم حال الاحتضار عاد يغبطهم. اللهم فلا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم. حينما يدركهم الضعف البشري في حياتهم، وينسون العزيمة، ويقترفون الذنب، فماذا تجد عندهم. إنهم لا يعرفون الفواحش مطلقاً، وإن وقع واحد في المليون في الخطيئة لمغريات قهرت إرادته في صلف شبابه عذبه ضميره مدى عمره، وغمر خطيئته بالحسنات، لا يهجرون مجمعات أهل الالتزام للإسلام إلى بلاد الحرية الظالمة والعبودية للشهوات العارمة، لا يعرفون الربا ولا يقبلونه، وإن أكل الجيفة أسهل عليهم من ذلك، ولا مدلول للرشوة (البخشيش) عندهم إلا ممازحة حينما يتلطف أحدهم لأخيه المسلم بكلام حلو مهذب توسلاً إلى حاجة منه، وإن تلطفهم لا يخرج إلا عن قلوب سليمة، يحلون من المشاكل بالعرف والشيمة والحياء الاجتماعي، ووساطة أهل الخير والاحتساب للأجر ما لا يجله غيرهم بالقضاء والترفع، لا يعرفون محاماة ولا صكوكاً ولا تمييزاً ولا لوائح اعتراض، بل يلتزمون بكلمة شفهية من قاضي البلد مدى العمر، وإذا مزحوا وتظرفوا لم تجد عندهم فحشاً ولا كلاماً ملحداً ولا قبحاً، ولا ينسون كفارة المجلس تذكرهم إذا نسوا. إذا تحدث أحدهم في دارج كلامه قال: إن شاء الله تعالى نلتقي غداً، وسأكمل اللازم بحول الله وقوته، مالك عن المكتوب، المقسوم لابد منه، بل يغلطون غلطاً مليحاً يشبه غلط من قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، فيقول أحدهم عن ضالته إذا وجدها: هذه لله الكريم ثم لي، وإن كانت فردة من نعال، ويبصقون على كل نكتة أو جمال أدبي على حساب العقيدة أو الشريعة أو الخلق، ليست عندهم بنوك أو مصارف، وإنما يبذلون ما زاد عن الحاجة في معاملة شرعية شريفة، أو في التوسعة على المسلم قرضاً، أو معونة يعبرون عنها بقولهم: (تلف ما هوب سلف!)، والمنافع بينهم متبادلة يبذلون الماعون والحلي والدابة واللباس للإعارة، وإذا همَّ أحدهم ببناء بيت أو حفر بئر أو ما أشبه ذلك خرج إليه أهل البلد زرافات ووحداناً تطوعاً، فأنجزوا في يوم واحد ما لا يتم في شهر. المادة عندهم وسيلة لا غاية، والكرم جبلة في نفوسهم أخذوه من دين الله دينونة لربهم، وربما غلوا في الكرم جبلة عربية. المغرق منهم في العامية أفقه من مثقف العصر الحديث في أمور دينه، فأحكام العبادات والمعاملات والنكاح بديهية في أعرافهم، وهم على صلة بربهم دائماً يستحضرون الأدعية والأذكار في دخول البيت والمسجد والسوق والخلاء والخروج منهن، يسلمون على أنفسهم تحية طيبة مباركة، ويستحضرون ما وصاهم به ربهم من دعاء عند اللباس والنظر في المرآة، وعند البناء بالعروس، وعند الجماع، وعند السفر والعودة، وعند الحزن والمصيبة والنعيم، يكثرون من قول: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولهذا قويت قلوبهم وأهين الشيطان في قريتهم، وإذا قابلوا حاكماً أو أميراً أو وجيهاً خاطبوه خطاباً عادياً، بل كان صقر الجزيرة فرداً عادياً بينهم يقول الوافد منهم: يا عبدالعزيز ولا يزيدون، ولا يعرفون تقبيل يد، ولا يتملقون بالألقاب، فإن فعلوا فعن صدق، وإذا تكرموا بتقبيل رأس أو بتبجيل في العبارة، فإنما يقدمون ذلك تقرباً لله في تكرمة عالم شرعي، أو رجل صالح عابد، أو أب أو عم أو مسن، إن تقبيلهم وألقابهم وسائل شكر، وليست وسائل تواصل، رضي الله عنهم وأرضاهم، وإذا دخل شهر رمضان أخذت المساجد زينتها بالرجال والنساء والذرية فلا تسمع إلا بكاء وخنيناً، وإذا أشرق يوم الجمعة أخذت القرية زينتها وتوافد أهل العوالي والمساجد منذ الصباح إلى المسجد، وبعضهم تحكمه ظروف عمله عن التبكير فيرسل ولده مبكراً، ليحمي مكانه في المسجد بعصاً أو كيسة (بقشة)، أو مروحة (مهفة)، ويحيون السنة فعلاً بلبس ثوبين نظيفين، يدخر الجمال والحداد والفلاح قوت شهر رمضان، ليعقد في القرية، ويقلل من الحرفة ليستكثر من العبادة، يفرحون بقدوم رمضان، ويتأمون عند تصرمه، كانت أخبار الهلال تتأخر لضعف المواصلات، فربما دق الطبل، أو قرعت التنكة ضحى، أو عصراً، أو ظهراً ليقول المنادي: (أفطروا أو أمسكوا).
قال أبو عبدالرحمن: أدركت أشياخاً في مسجد الحسيني بشقراء يتضجرون في المسجد آخر ليلة من رمضان، ويستحثون الإمام على التراويح أو القيام إشفاقاً من مفاجأة الخبر برؤية هلال شوال، فإن فوجئوا بالخبر خرجوا تتخاط أرجلهم لهم بكاء وخنين كأنما رزئوا مصاباً. يتنقل أحدهم بعد صلاة العشاء الآخرة وهو يغالب النعاس، ثم يرقى إلى سطح بيته ليوزع على أهله وولده فذات تمر أو عنيقدات عنب، ثم يشرب من شن معلق، وينام على فرش غير وثير، ليصحوا قبيل أذان الأول فيقدم التهجد، ثم الفريضة، ثم يبدأ حرفته وقت تقسيم الأرزاق لا يعرفون ليالي حمراء، ولا فضول السهر، ورضي الله عنهم وأرضاهم، فمن طلب منهم العلم شرعياً أو دنيوياً لم يكن الانسلاخ الراهن ثمرة علمه، إنما يكونون ذوي قيادة دنيوية، وهداية شرعية، وتصرفاتهم العاقلة الحكيمة لم تكن ثمرة الذكاء الحاد، فكم من ذكي حاد الذكاء ضرره أكثر من نفعه، وإنما سداد تصرفهم من التجربة الحسية، ومن التعقل (وهو غير الذكاء)، وملازمة الاهتداء من هدي الله والتماس المدد منه، قابلت أحد هذه الوجوه النيرة في قريتي، وقد أناف على السبعين وقد غبت عنه عشرين عاماً، وهو من المغرقين في الأمية، فقال لي بعد الحفاوة والسؤال عن كل صغيرة وكبيرة: (إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد خالطكم الأجانب، فأفسدوا عليكم دينكم وفطرتكم). لقد طن في أذني صدى هذه العبارة كلما تخيلت خنفوساً يقود سيارته وعيونه شاخصة من استعمال الحبوب المخدرة، وكلما تخيلت النظام غير الطبيعي لوقت نومنا ويقظتنا، وكلما تخيلت وسائل التسلية وإضاعة الوقت التي شغلتنا عن التزود للحياة الأبدية. إن خلطتنا بأعداء ديننا وقتلة ومدبري المؤامرات على مصالحنا خلطة غير مباركة لسببين خائبين: أولهما أننا نتأثر ولا نؤثر. وثانيهما أن تأثرنا بكل ما يزيدنا استعباداً للعدو الأقوى. لقد كنت فيما مضى أتحسر على واقع أمتنا المادي، ثم بدا لي اليوم أن التفوق المادي ليس هو أول أساسياتنا، وأن من الخير أن نستعلي على كثير من الماديات، وأن تكون بقية العزائم المادية جزءاً من برنامجنا لا كل برامجنا، وأن منطلقنا من صلاح حكوماتنا وقياداتنا، وصلاح الراعي إنما هو صلاح الرعية، وتنشئة الأفراد على هداية الله، فإذا اجتمعت الأمة على هداية الله وصدقوا كما صدق جيل الصحابة رضوان الله عليهم الذين هدوا أركان الطغيان، وهم أركان الطغيان، وهم غزاة يتزودون بجراب تمر منهم الراجل والراكب والرديف، وقد يجعل الله سبب قوة الأمة الصادقة بسبب مادي غير عادي، وقد يكون بإبطال السبب المادي المعادي، وأحداث التاريخ براهين فكرية قطعية، وقد شهدت بالعناية الربانية للمستضعفين الصادقين. إن القوة النووية بيد أعداء الله، ولكن آثارها ليست بأيديهم، بل يزعها الله كما يشاء ودفع الله الناس بعضهم ببعض من صرائح القرآن الكريم، وقد يوجه كيدها كما يشاء، وقد يصرف كيدها كما يشاء. وفي عقيدتي أن أقوى من كل قوى الأرض وجود ملائكة شداد غلاظ خلقهم الله، وكلفهم حفظ ما كلفوا به من شمس وقمر ونار وماء، إنه لا يكون في كون الله إلا ما أراد الله. إن من بيدهم القوة اليوم أعداء لله مستكبرون على منهج الله متمردون على أبسط قواعد العدالة والإحسان، ولن نذل المستكبرين على منهج لله إلا بالاعتصام بمنهج الله واتخاذ الوسائل المادية أسباباً، ولئن فسح الله في الدنيا وأدال الدول كما شاء فستأتي أجيال تلعن أمريكا وروسيا ومعسكرات الشرق والغرب وتعدهم من الجبابرة والبرابرة، وتعد أدنى أنموذج للحكومات الإسلامية من حسنات التاريخ، وبإيجاز فإن من ذكرتهم من جيل العامة غرباء في عصرنا، وبقيتهم نشاز في تاريخنا، وما الراحلون إلا نحن.
قال أبو عبدالرحمن: إن حنيني إلى معاودة العيش مع هؤلاء الأبرار لو أمكن أعظم من حنين الرومانتيكيين إلى الريف. إن رحلتي عن الغرباء هي الغربة حقاً، فقد برمت بكل مثقفي هذا الجيل إلا من شاء الله، برمت بهم فكراً وظرفاً وذوقاً ووجداناً. إنني غريب بينهم، لأنني رحلت عن الغرباء. إنني غريب بينهم والراحلون هم، وإن تغير هوية الأمة يكون خلال أجيال إلا في هذا العصر فإن 30 عاماً فقط فصلت فصلاً نهائياً بين جيل موجود وجيل بقي منه أشياخ قلة، وعلى ذلك تبدلت الحياة تبدلاً نهائياً في المأكل والمشرب والملبس والمركب والمسكن والأثاث والآنية والآلة، وتبدلت الأخلاق والشيم. فإلى لقاء قريب إن شاء الله تعالى، والله المستعان.
ذو صلة