مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

ذكريات لا مذكرات(٩)

عندما يجمع الأدب بين اثنين ويكون الكتاب يمثل الثالث، إذ الحديث غالباً ما سيكون عن الأدب والكتب، وهذا ما كان يحصل بيني وبين الأستاذ علي العبادي مدير المدرسة العزيزية بالطائف، وهو أديب له مكانته المرموقة بين الأدباء في المملكة، فمشاركاته في كتابة يوميات جريدة (الندوة) إلى جانب الكتاب المعروفين في مجال الأدب مثل: محمد حسن عواد، أحمد قنديل، محمود عارف، عبدالعزيز الرفاعي، عبدالله بن إدريس، إبراهيم الناصر، وغيرهم، وكتابة بعض القصائد بين حين وآخر كقصيدته التي بعنوان (دنيا خالد) التي كتبها في طفولة ابنه البكر خالد ومطلعها:
لو كنت تعلم يا صغيري ما يجيء به الزمن
لتبدلت بسمات وجهك بالكآبة والشجن
لكنك الطفل الصغير طهرت ثوباً وبدن
وهذه القصيدة منشورة كاملة في العدد الشهري من (الندوة الشهرية) وهي مجلة ثقافية تعنى بالثقافة والأدب، كما مجلة (المنهل) التي سبقتها بعقود ولكن لم تستمر الندوة في الصدور حيث توقفت عند العدد الثالث، وأما المنهل مازالت تصدر حتى اليوم ويرأس تحريرها حفيد مؤسسها (زهير نبيه عبدالقدوس الأنصاري) بعد أبيه نبيه وجده عبدالقدوس، ومازال زهير يعمل على أن تكون (المنهل) مواكبة للتطور المشهود في الكيان الكبير، حتى أن بعض كتاب المجلة مازالوا يمدونها بنتاجات خاصة بها لها قيمتها الثقافية في الداخل والخارج.
أعود لأستاذي علي العبادي الذي أشرف لمدة قصيرة على الصفحة الثقافية بجريدة الندوة قبل بداية المؤسسات الصحفية لأشير إلى أنه كثيراً ما كان يدخل في نقاش حول مسائل في الشأن الأدبي وبخاصة النحو والعروض، وأذكر أن الشاعر الكبير (حسين سرحان) كان يمنحه الثقة في مراجعة دواوينه، كما ثقته في العلامة (حمد الجاسر) الذي تولى الإشراف على أول دواوين السرحان (أجنحة بلا ريش)، ويُضم إلى الأستاذين الشاعر (عبدالله جبر) وهو اللصيق به حيث يسكن في مكة المكرمة وبإمكانه اللقاء به يومياً، وفي عملي مع العبادي شجعني موجهاً أن أقرأ تاريخ الأدب العربي من الجاهلي إلى الحديث لأنه يرى أن الأدب ينمو ويواكب، ومن أراد الدخول إلى ساحته عليه أن يكون عارفاً هذه العتبات على أن يستفيد منها في تمتين معارفه عندما يريد أن يقدم عملاً شريطة أن يضيف غير مقلد لما اطلع عليه، وأن تكون له خاصيته في المجال الذي اختاره من أنواع الأدب المعروفة، وللغة العربية وقواعدها أهمية كبيرة في التكوين والاستمرار لكون اللغة هي الأساس الجمالي للأدب فأدب تشوبه أخطاء لغوية وإملائية يكون في باطنه وظاهره مشوهاً تعف عنه النفس الذواقة الباحثة عن الجمال في الأدب وأساليبه التي تبدعها الذوات التي استوعبت كيف تقدم عطاءات لافتة.
كنت أكتب بعض المقطوعات الشعرية والرباعيات بعد أنْ قرأت الكثير من الدواوين الشعرية الممثلة للعصور الماضية إلى الحالي، بعضها بتوجيه الشيخ عبدالرحمن بن داود مدير (دار التوحيد) آنذاك لارتباطي به قرابة وجواراً، وبعضها بنصيحة من الأستاذ العبادي، ولمعرفتي باهتمامه بالشعر كنت أعرض عليه بعض ما كتبت، فمرة كتبت مقطوعة استحسنها الشاعران الشابان رفيقا درب الشعر، الطالبان في كلية الشريعة بمكة المكرمة (مطلق الثبيتي ومحمد الوقداني) وأردت أن أستأنس برأي مديري وأستاذي علي العبادي وأذكر منها بعض الأبيات لبعد الزمن وتراخي الذاكرة:
نظرت إلى وبي إلى مكحولة العينين غلة
عينان سوداوان قد حوتا جمال العين كله
يا رمشها ذاك الكحيل على الوجان رأيت ظله
عندما وصل هذا البيت توقف وهو يبتسم، وقال: (وجان أي جمع هذا يا سعد، ولا جمع الجموع يا ابني اشطبها وضع مكانها كلمة أصح وأجمل (خدود) أليست أجمل) وكان التعديل، ومرة أخرى كتبت مذكرة موجهة إلى إدارة التعليم وردت فيها كلمة (لأمور هامة) وشطبها ووضع مكانها (لأمور مهمة) وقال: (كفانا الله وإياكم شر (الهامة) إنها الحية).
بعد ملاحظة (الوجان) والخدود بعثت بالمقطوعة إلى (دنيا الأدب) بجريدة المدينة المنورة وكانت عناية المحرر سباعي عثمان واضحة إذ كانت منشورة ضمن إطار وبحروف بارزة، وكنت كل يوم أرى قصيدة منشورة في صفحة المنوعات تحت عنوان كترويسة ثابتة (اليوم شعر) للشاعر سلطان البادي قصائد يغلب عليها طابع الغزل سهلة الأسلوب رفيعة السبك ورقيقة مما يجعلك لا تمل أن تواصل القراءة حتى نهاية القصيدة، بله يومياً، وكانت هذه العناية بالشاعر بسبب صغر سنة وجودة شعره وهو في مقتبل العمر -عرفت ذلك من سباعي- الذي أقنع رئيس التحرير (محمد علي حافظ) الذي كان مشجعاً للشباب لكي ينضموا إلى كتاب وشعراء الجريدة ومتحمساً للتطوير الصحفي في عهد المؤسسات كونه قد تخصص في الصحافة دراسة وممارسة، وقد دخل في تحرير الجريدة من الكتاب الشباب الكثير إضافة إلى أصحاب الأقلام البارزة الذين انتقل بعضهم من الجرائد الأخرى كمدير التحرير (محمد صلاح الدين) الذي انتقل من جريدة الندوة مثل زميله (عبدالله الجابري) الذي كان متحمساً للعمل إذ يكتب في مجالات عدة وكان له عمود في الصفحة الأخيرة يتناول فيه قضايا اجتماعية مختلفة لها وقعها في الحياة اليومية المباشرة والمزمنة اختار عنوان الزاوية (عين) ويوقعها بـ(اللّي شَايِفْكُمْ) مضت أكثر من سنة والتساؤل عمن يكون الكاتب، وتوقفت ولم يعرف اسمه إلا القليل من المهتمين بالشأن الكتابي، الذين صادف أن تمكنوا من قراءة صفحة كاملة بقلم عبدالله الجابري، تلك الصفحة مختصر قصتها أن العدد كان معداً على أساس أن يكون 12صفحة وعند تجميع وإعداد المادة لم يتمكن المخرج إلا من إخراج 11 صفحة، ولكون الجابري سكرتير التحرير وكان العرف أن المتابع حتى صدور العدد هو السكرتير كلف من قبل رئيسه بأن يكتب صفحة كاملة نظراً لقدرته على ذلك، وهي عملية سهلة للسكرتير الذي كتب صفحة كاملة أكلت عليه سهرته في كيلو عشرة مع الزملاء كما العادة حيث لم يخرج إلا بعد سماع أذان الفجر واستلام عدد مما تولده مكنة المطابع ومراجعته والتوقيع على مواصلة الطباعة ليتسلمها الموزعون، وفي الموضوع ذكر بأنه كتب في هذه الصفحة ما يكفي لزاويته (عين) نصف شهر وهنا فضح نفسه بنفسه قصداً رداً على المتسائلين بفضول عن اسم كاتب (عين) -اللي شايفكم- بعد أن استنفد عشرين سيجارة (بكت) كما ذكر.
مع الكتابة في صفحة (دنيا الأدب) كنت أكتب في زاوية (فنون) تحت إشراف أبي ياسر (مايك) بدر كريّم الإعلامي والمذيع الشهير، وكانت المادة حول الفن والفنانين ونشر بعض نصوص الأغاني لشعراء الأغنية أو الشعراء الغنائيين كـ إبراهيم خفاجي، وصالح جلال، ومحمد طلعت، وحسين كماس، ومحمد بن نمشان، وعلي الرابغي (ابن عتيق) شاعراً وكاتباً مع الكاتبين أديب ناصر، وحمدان صدقة، ومايك، ومحمد رجب، ومحمد صادق دياب، والشاعر إبراهيم الفوزان الذي أبعدته أكاديميته عن الشعر وخسرته الساحة الثقافية كشاعر مجدد، فكانت الكتابة في المجال الفني سبباً في تعرفي على قامات فنية لها مكانتها في الغناء والموسيقى منهم العميد طارق عبدالحكيم، وغازي علي، وعبدالله محمد، ومحمد علي الإدريسي (أبو خالد) الذي نسبت إليه أغنية (سويعات الأصيل)، ونفى ذلك. وهي الأغنية التي شدا بها صوت الأرض الصديق طلال مداح، ومحمد عبده (فنان العرب) وعبدالله مرشدي، ومن جوار المسكن تعرفت على (محمود عشي) كان من أبرز العازفين النابهين في مدرسة الموسيقى بالطائف الذي كان يعيش الفن عازفاً بارعاً على (التشيلو) وكل آلة وترية تقع بين يديه ينظفها: القانون، الكنتر باص، العود، السمسمية، الربابة، وكان يشجعني على أن أكتب عن الفنانين حتى الناشئين قائلاً: (الصغير بكرا يكبر ويعجبك). وقد كانت مدرسة الموسيقى بالطائف غرسة نمت وترعرعت وأنتجت من الموسيقيين ما أذكره: عبدالله ماجد، عبده مزيد (كمان)، وثواب عبيد (ناي)، وهناك غيرهم لا تحضرني أسماؤهم ولكنهم قد عرفوا بما قدموه ويقدمونه من أعمال فنية. وبانغماسي بين الأدب والفن ومحاولة عدم الانقطاع عن الكتابة في تلك الفترة وصلني مع محب الطائف صيفاً الصديق مساعد السعدون أبو غازي القادم من الرياض ظرف يحمل ديوان (المخالب الحمر) هدية من الشاعر الشاب سلطان محمد البادي (إهداء إلى الصديق الشاعر سعد الحميدين) وهذا أول كتاب ينضم إلى مكتبتي المتواضعة يحمل إهداء باسمي، واحتل مكانه بجانب ديوان (الأوزان الباكية) للشاعرة ثريا قابل، وديوان (شميم العرار) للشاعرة غادة الصحراء، وكان اهتمامي باقتناء الديوانين الأخيرين بسبب مناصرة الأستاذ محمد حسن عواد الذي دخل في معارك أدبية بسبب (الأوزان الباكية) والثاني ما كتبه الأستاذ عبدالله بن إدريس عن (شميم العرار) بعنوان هو بيت الشاعر (الصمة القشيري):
تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
وكان هدف الأستاذين تشجيعاً للمرأة في المشاركة في المجالات التي تخدم الوطن وترفع من الوعي الاجتماعي، وما الوسيلة سوى إشاعة التعليم وتشجيع المرأة على الالتحاق به كرد غير مباشر على كتابي: (مكانك تحمدي) لأحمد محمد جمال، و(لا يا فتاة الحجاز لأحمد باشميل)، ومن كان في صف الكاتبين من معارضي تعليم الفتاة وقت صدور أمر فتح مدارس البنات والتعليم رسمياً مشككين في منفعته وجدواه في ذلك الوقت.
ذو صلة