مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

اللؤلؤة وانقلاب المفاهيم.. جون شتاينبك

مما هو معروف عن الكاتب الروائي الأمريكي جون شتاينبك الحائز على جائزة نوبل عام 1962 أنه كاتب خبير حين يصوغ رواياته وقصصه بأسلوب أدبي عبقري في قالب فني بديع، وهذا ما بدا جليَّاً في رواياته: فنجان من ذهب، وشقة تورتيلا، وعناقيد الغضب، وشتاء الأحزان، وعن الرجال والفئران، وغيرها من الروايات والقصص القصيرة التي عالج فيها قضايا الحياة من خلال فلسفته الخاصة، وأفكاره المعبرة عن انقلاب المفاهيم من خلال الصراع النفسي الذي ينعكس على الواقع، فيغدو المألوف وحشة، والحظ لعبة خاسرة كما في هذه الرواية الرائعة، التي نجح فيها الكاتب شتاينبك في إيصال مقولته التي ملخصها: (العودة إلى ما كان خيرٌ مما كان أو سيكون)، وهذه الرواية القصيرة تعد من روائع الأدب الكلاسيكي العالمي، ويعد مؤلفها من أشهر أدباء القرن العشرين، حيث ولد في ساليناس كاليفورنيا عام 1902م، وقد توفاه الله في نيويورك عام1968م.
وإذا أردنا أن نتكلم عن أهم رواد (المسروية) أي تمازج المسرحية بالرواية، لقلنا جون شتاينبك الذي اعتمد الأسلوب الحواري في رواياته كي تصلح للتمثيل على خشبة المسرح، وقد حولت بعض رواياته إلى أفلام مثل: عناقيد الغضب، وشرقي عدن، والمهر الأحمر.
لقد نشر جون شتاينبك روايته اللؤلؤة هذه عام 1947م، وهي رواية قصيرة مفعمة بالرمز، يصور فيها الطمع البشري، والانغماس في المظاهر المادية الباذخة بإغراءاتها البراقة الآنية الزائفة.
تبدأ الرواية بعائلة مكسيكية تعيش في بلدة صغيرة اسمها لاباز، ومؤلفة من بطل الرواية الصياد كينو وزوجته جوانا وطفلهما الذين يعيشون في كوخ بين الأدغال لا يعرف للحياة الرغيدة طعماً، ومع هذا كانت القناعة تخيم على حياتهم البسيطة التي لم يعكر صفوها أي أمر من أمور الحياة ومعاناتها سوى الفقر الذي جعله على هامش الحياة، فلا رجال الدين يقيمون له مراسم الزواج، ولا الطبيب يعالج طفله الذي لدغته العقرب في الكوخ الوضيع وكل ما يصوره الكاتب في روايته هذه يبدأ من معاناة الفقر، وانعكاسه من مرآة المجتمع عليه، وما ينجم عنه من أضرار نفسية تحط من قدر الإنسان الفقير الذي لا يملك المال، وليس من طبقة الأثرياء في المجتمع، وتنتهي الرحلة بصيد ثمين يظن كينو أنه سيقلب حياته رأساً على عقب، ولكن الحقيقة أن ما كان يحلم به وتحقق قد انقلب عليه وبالاً وخطراً وشراً، فقد انتشر الخبر بين الناس، وعلم الجميع أن كينو سيصبح من أغنى الأغنياء، وأثرى الأثرياء، فبدأ النفاق، ومظاهر الاحترام والكشف عن الوجه الآخر ممن عاملوه بازدراء، ولم يعالج الكاتب الجوانب النفسية فقط بل عالج الجوانب الاجتماعية من خلال تجار اللؤلؤ الذين حاولوا أن يبخسوا الحق، أو ينقصوا من قيمة اللؤلؤة بمكر وخداع فيدفعون له 1% من ثمنها الحقيقي، مما يجعله يرفض بيعها، ويعيش بخوف من اللصوص، فينام خارج كوخه الذي أضرموا بليلة ظلماء النار فيه، فيظن كل من حوله أنه احترق مع زوجته وطفله.
صحيح أن هذه اللؤلؤة هي أكبر لؤلؤة في العالم ولكنها هي أيضاً أم المصائب، فقد جلبت له ولعائلته القلق والخوف، والجحيم، فإذا به يتحول إلى قاتل، ويفقد طفله الوحيد بطلقة من أحد مقتفي الأثر، وفي النهاية يكون القرار الأخير بأن يحمل هو وزوجته اللؤلؤة ويقذفا بها في البحر حيث المكان الذي وجدت فيه، لتنتهي رحلة المآسي من خلال العالم الذي يمثل الشكل الشيطاني له، ويؤكد أن وجه الحلم غير وجه الحقيقة مهما انقلبت المفاهيم وتبدلت الظروف.
وصفوة القول: إن هذه الرحلة القصيرة في مضمون رواية اللؤلؤة لا تغني القارئ عن قراءتها برغبة الكشف والتحليل، والاستمتاع بالغوص فيها أكثر لمعرفة مضمونها وأحداثها الشيقة المدهشة التي اعتمدت خطها البياني الروائي بأسلوب آسر في البراعة والتصوير المتقن بحرفية عالية تحقق الغاية المنشودة والغرض المنشود الذي بنى الكاتب أساس روايته عليه.
ذو صلة