استلمت المئتي ريال وتوجهت حالاً إلى (مكتبة الري) قرب شارع قابل لأنها المكتبة التي يحرص صاحبها على وجود الكتاب الجديد فيها حسب إشارة بعض الشباب المهتمين بالكتاب والكتابة، وكنت حريصاً على اقتناء مؤلفات الأدباء والكتاب المشاهير ميخائيل نعيمة، وسلامة موسى وبعض روايات إحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي، فتحصلت على المتوفر منها، بعد الغداء استرحت في مقهى بباب شريف ومعي رزمة كتبي المطوية في شنطة من ورق منزوع من كيس أسمنت، وأنا أقلب نظري في المكان شاهدت لوحة (فندق الحرمين) فتوجهت إليه ومن خلال الاستقبال عرفت أن أجر الغرفة المكيفة 20 ريالاً، وطلبت من محدثي أن أشاهد الغرفة فأوفد معي أحد العاملين وكان الصعود للدور الرابع بالمصعد ركبت -وهذه المرة الأولى التي أستعمل المصعد- وكنت أرتعش داخلياً متخيلاً أشياء وهمية كتوقف أو سقوط أو عدم انفتاح الباب، كل هذه في مدة تساوي شيئاً من الدقيقة، ولجت الغرفة أعجبني منظر محتوياتها؛ سرير مزدوج، ومكيف فريون، ودورة مياه مستقلة، عدا العلو الذي اعتبرته شاهقاً، وهذا ما لم أعتده في ذلك الوقت، نزل العامل بواسطة المصعد بعد أن أشعرته بعزمي على الإقامة وما أن نزل حتى لحقت به بواسطة (السُّلم العادي) ودفعت المطلوب وسجل المعلومات المدونة في بطاقة مراسل جريدة المدينة بالطائف، ثم عدت إلى الغرفة أمنِّي نفسي بقيلولة هادئة.
في وقت العصر خرجت وتوجهت إلى أحد المقاهي ثم تجولت في الحي كي أتعرف على شيء من مدينة جدة، لأعود إلى الفندق بعد أن تناولت ما تيسر مما اعتبرته (غداء/عشاء) وطلبت كوباً من الشاي وسحبت من الكتب (مذكرات الأرقش) لميخائيل نعيمة وأخذت أقرأ حتى أكملته لما يحتوي عليه من عناصر التشويق التي لا تخلو من الفائدة (المرء يولد ولادة جديدة كلما تولد في رأسه فكر جديد، الفكر لا يستقر على حال فهو كالريح تهب فوق المروج فتشم منها رائحة المروج، وتهب على المزابل فتأتيك برائحتها). واستمريت حتى كانت الساعة الواحدة تقريباً، وفي السرير الوثير في نظري مضى الليل وأنا أعاني ما يشبه الفوبيا من الارتفاع وأحلام اليقظة، أطل الصباح ولم أحس بأنني نمت ليلتي الأولى (الفندقية)، حيث كانت الاستضافة سائدة بين الأصحاب والأقارب، وهناك في المنازل اللوازم التي تجهز ومن ضمنها (غرفة الضيوف) ويعتب عليك الجميع إذا عرفوا أنك كنت في المدينة التي يسكنون فيها ولم تزر أو تشعر بوجودك، وهي عادة متوارثة اختفت بمرر الزمن واختلاف المدن توسعاً وتطوراً ووجود الفنادق بكثرة، ولكن ما ذكرته يعرفه من عاصره من كبار السن، مررت عليه كذكريات.
عدت للطائف أمارس عملي في سكرتارية (المدرسة المتوسطة) وسلمت الأستاذ هارون رمزي كتبه التي أوصاني بإحضارها له، وكانت لقاءاتنا تتكرر مما كان له الفائدة في تنويري ثقافياً وفنياً، وهذا ساعد على الاستمرار بالكتابة في (جريدة المدينة) في الصفحات الفنية عن الفن والفنانين حسب القدرات التي توافرت لي والتركيز خصوصاً على صفحة (دنيا الأدب) والكتابة فيها مع زملاء أذكر منهم عبدالله نور، ومشعل السديري، وعبدالله السالمي، وعبدالله الخريف، وطلعت أبو جبال وغيرهم ممن لا تحضرني أسماؤهم الآن، وازداد ترددي على المكتبات: (الثقافة، السعودية، المؤيد، المعرفة)، ولم أغفل السيد (الوراق). وفي إحدى الزيارات للمكتبة السعودية ببرحة القزاز وجدت فيها مدير التعليم الأستاذ عبدالله الحصيّن ومعه الأستاذ الأديب علي حسن العبادي مدير المدرسة العزيزة الابتدائية وكان كلاهما يكتبان في (يوميات جريدة الندوة) بعد التحية سألني الأستاذ العبادي مبتسماً: (أيش يقرأ دودة الكتب هذه الأيام؟ قلت: الجزء الخامس من لسان العرب! قال: لسان العرب بكبره.. يابني هذا كتاب قاموس ترجع إليه في التحقق من صحة كلمة عربية معنى ولغة، استثمر جهدك في أنواع الكتب الأخرى). في الحقيقة كانت لفتة مفيدة من أستاذ له قامته في الأدب شعراً ونثراً ولغة وعروضاً، أخذت بها، وسلكت طريقة بتوجيه ذاتي أن أقرأ للكاتب الواحد أكثر من كتاب حتى ولو كانت جميع كتبه فطبقت ذلك مع (توفيق الحكيم) رواياته ومسرحياته وسيرته ودراساته، وما توافر لي من كتب (سلامة موسى) وجميع مؤلفات (ميخائيل نعيمة) وكتب (مصطفى لطفي المنفلوطي) حتى الكتب المترجمة لـ(فيكتور هوجو) قرأت على التتابع (البؤساء، أحدب نوتردام، عمال البحر) وإلى اليوم ما زلت أحبذ هذه الطريقة في القراءة.
وعودة إلى ميخائل نعيمة و(مذكرات الأرقش) حصلت حادثة طريفة لي مع د. عبدالله باقازي، وكان في ذلك الوقت طالباً في مرحلة الكفاءة المتوسطة، أو الأولى ثانوي، مختصرها أنه كتب مقالة نسب فيها (مذكرات الأرقش) إلى جبران خليل جبران، وبكل حماسة بادرت بالتصحيح ولفت النظر، وقبل مدة ليست بعيدة منا صادف أن تحدثنا في ما يشبه حديث الذكريات فإذ بالأستاذ الدكتور عبدالله -متعه الله بالصحة- يذكرني مداعباً بتلك الصورة البعيدة وهو في هذه المكانة العلمية الرفيعة.
في عودة للماضي عندما كنت طالباً في السنة النهائية لمعهد المعلمين وفي الإجازة الصيفية ذلك العام رشحت لدورة كشافة ضمن عدد من الزملاء من المدرسين والطلبة حضروا من مدن مختلفة من الكيان الكبير (مملكتنا الغالية) لا تحضرني أسماؤهم، ومن الطائف كان بعض الأساتذة (علي الوابلي، حسن العبادي، عوض القحطاني، محمد الشويمان، سعد الحارثي، سالم الحميدي، موسى فلاته، عبدالله بن خنين، عبدالعزيز الشهري، إبراهيم المولد، محمد المعلم، عبدالله بن حامد، محمد الصهيل، عبدالرحيم النمري، سعد الحميدين) لكل اثنين خيمة بسريرين، (الشويمان/ الحميدين) خيمة وهكذا.. وكل صباح يلقي مدير المركز الكشفي العربي بالقاهرة (الأستاذ جمال خشبة) الذي حضر لهذا الغرض محاضرة عن الكشافة، كيف تأسست، والمراحل التي يمر بها الكشاف من الشبل ناعم الظفر وذي النجم الأول وذي النجم الثاني إلى كشاف، وما هي مهام الكشاف كما رسمها (بادن باول) وأهمها: (الكشاف متصرف، يستخدم أدوات البيئة). ومع الرحلات التي قام بها منسوبو المعسكر إلى بعض ضواحي مدينة الطائف، وبعد انتهاء الدورة الكشفية توطت صداقة بيني وبين الأستاذ حسن العبادي كان من ضمن المدرسين الذين كانوا في الدورة، وهو من أقنع أخيه أن أكون سكرتيراً له، وبحكم معرفته بهوايتي وما قرأ لي من محاولات اعتبرها ناجحة، طلب من مدير التعليم نقلي لحاجته لي، وتسلمت خطاباً بتوقيع مدير التعليم يقضي بنقلي من المدرسة المتوسطة كاتباً إدارياً في (المدرسة العزيزية) تحت إدارة الأستاذ علي العبادي، وعملت حسب القدرة التي ترضي من أعمل معه كما ترضيني، كان مسافراً إلى مصر وأخوه حسن العبادي يعمل مدرساً بالمدرسة وتطورت بيني وبينه صداقة حتى اليوم، رجل خلوق متزن، كنت أقضي كل عصر يوم عنده في منزله الذي يحتوي على مكتبة متنوعة من الكتب والمجلات، كوّنها مما يبعث به أو يحضره أخوه (د. عبدالله العبادي) الذي كان يتلقى تعليمه الجامعي في مصر مبتعثاً حينذاك، فكان همي منصباً على ملف به قصاصات من صحف قديمة تتضمن مقالات للأستاذ الأديب الشاعر العملاق (حسين سرحان) أقرأ فيها بشغف لإحساسي بأني تحصلت على شيء مغاير للسائد فكراً وأسلوباً وتنويراً ولغة، وفي أول يوم باشر فيه المدير بعد عودته من مصر، حدثني بصفتي سكرتيره ولي اهتمام بالثقافة من خلال الصحاف يخبرني أن كتبه التي أحضرها معه من أرض الكنانة قد صادرها مراقب المطبوعات في المطار (بجدة) ووصفه بما يليق، وطلب مني وأخيه حسن أن نتوجه في أقرب فرصة إلى مقر وزارة الإعلام وتسليم الخطاب المغلف إلى الأستاذ علي العبدلي مدير مكتب معالي الشيخ جميل الحجيلان وزير الإعلام وسافرنا ومن الموقف إلى الوزارة وسلمنا الخطاب لصاحبه بمبنى الوزارة في شارع المطار القديم، دخل مكتب الوزير لحظات وعاد، ثم سلمنا إحالة إلى مدير عام المطبوعات (الأستاذ نبيه الأنصاري) ومنه ذهبنا بإحالة من قِبَلِهِ الى مراقب المطبوعات بالمطار الذي أبدى تذمراً من شيء حصل له من أحدهم أو من نفسه، إذ كان يخاطب نفسه بنفسه بغير رضا، سلمنا الكتب وكانت (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي)، و(عربي في الصين لناصر الدين النشاشيبي)، و(مذكرات شارلي شابلن) وهو يقول: (صاحبكم تكلم عليّ كلام ما هو طيب الله يسامحه). طيَّبنا خاطره بعبارات الشكر وتوجهنا لموقف السيارات المتوجهة إلى الطائف مباشرة، ولم نرتح حتى سلمنا للأستاذ علي العبادي كتبه التي ضمها بفرح، وبعد شهرين تقريباً أخبرني الأستاذ علي بترشيحي للدراسة في (مركز الدراسات التكميلية) علي أن أهيئ نفسي للمستقبل.