مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

طوفان لم ينج منه أحد

الآن، وأكثر من أي وقت مضى، تتضاءل المسافات وتنحسر الفروقات، بين المتن والهامش، بين المركز والأطراف. بالتأكيد، ليس هناك مفاهيم يقينية لهكذا تعريفات، فما هو مركز، هو من زاوية أخرى يصنف في عداد الأطراف.
بيد أن شبكات التواصل الاجتماعي طالت الجميع، ولم تستثن أحداً، وهددت إمبراطوريات إعلامية ضخمة، واستطاعت عن طريق معرفين مجهولين، وشباب، حتى بأسماء مستعارة من أجهزتهم الشخصية، وربما وهم على أسرة نومهم، أن يهدموا هذه الثنائية، وهذه الوثنية التي استعبدت الذهنية الإنسانية، فترة ليست بالقصيرة، بل إنها أفضت بالبشرية في وقت من الأوقات إلى أسياد وعبيد، وآلت إلى طبقية مستفزة، وعنصرية بغيضة.
وغني عن القول إنه بسبب هذه الشبكات المعلوماتية والفضاء الإلكتروني، صار بإمكان المرء في أي ركن من أركان المعمورة، التواصل مع أخيه الإنسان (الافتراضي) في الجهة الأخرى من العالم صوتاً وصورة وكتابة. لم تعد الأخوة في اللون أو الدين أو العرق، كما تعارف الناس، بل تبدلت إلى معنى آخر وجديد، معنى لم يكن مألوفاً من قبل، عالم افتراضي، أصدقاء افتراضيون، وهكذا.
ما من شك في أن هذه الشبكات، باتت تشكل حضوراً طاغياً في حياة الناس، بمختلف أطيافهم وشرائحهم. لم ينج من ذلك أحد؛ فقراء وأغنياء، ملونون وغير ملونين، وسقطت تصنيفات كثيرة، فلم نعد نميز بين الشيخ والمريد، والمعلم وتلميذه. هذه الهدية الكونية من اقتصاد المعرفة لم تأت حكراً على النخب وطبقات الأنتلجنسيا الذين احتكروا ردحاً من الزمن المعلومة ومصدرها، الكتاب ومؤلفه، البحث ومحتواه، وبالتالي كانوا يهبون أو يمنحون -لا فرق- الثقافة لمن شاؤوا، وكيف شاؤوا. ذلك عهد ولى وانقضى إلى غير رجعة، زمن أضحى في سلة الذكريات، زمن غير مأسوف عليه.
كل ما سبق يدعو إلى البهجة والفرح الخرافي، لولا أننا في الوطن العربي لا نزال مع سبق الإصرار والترصد أمة مستهلكة، أمة تمتهن التلقي بحرفية نادرة، أمة، لا تعرف معنى الإنتاج حتى في أبسط تفاصيل يومياتها، وأدق حالات حياتها المعيشية، بدءاً من اللباس، وليس انتهاء باللقمة التي تمضغها كل نهار.
أجل، هي أمة مستهلكة، ويتوارث أبناؤها هذه الصفة المقيتة جيلاً بعد جيل، ويهبونها غنيمة لأحفادهم، وغير مستعدين -بالقدر الكافي- للانفتاح العاقل على الآخر؛ الآخر الذي يتعامل مع أشباهنا -وهم قلة- كمعوقين وعجزة يسدي إليهم بشفقة ما يقيمون به أودهم، وما يستعينون به على إدارة شؤونهم الذاتية.
كل ذلك هو هدية الآخر، الآخر، الذي أسس بوعي حاد واقتدار مدهش لهذه التحولات الهائلة، التحولات الكونية التي لم تبق أحداً ولم تذر، من شتى المذاهب والأشربة؛ دينيين ولا دينيين، ملونين وغير ملونين، عالماً متقدماً وآخر نامياً.
وقدرنا، أن كل ما كان يمكننا فعله إزاء هذا الإنتاج المحموم من التقنية والابتكار، هو أن نلهث لاقتناء هذه الصناعات الحديثة من هواتف ذكية، وحواسيب محمولة وغيرها، دون مبالاة بأسعارها، أو دراية ببعض أسرارها وخفاياها، همنا الأوحد في ذلك هو شغف الامتلاك، حتى قيل: (هواتف ذكية ومستخدمون أغبياء).
ذلك مشهد باهت، في فسيفساء قاتمة، وبانوراما كئيبة، تمد ظلالها على عالمنا العربي من الملح إلى الملح، دون بريق يلوح في آخر النفق، هذا النفق الممتد حتى أقاصي الوجع، وليس هناك من مبرر موضوعي لهذا العجز والنكوص.
كلّنا مدانون، أفراداً. الكل شريك في صناعة هذا القبح الأبدي، وأسمالنا ملطخة بدم الجريمة.
ثمة شعوب أقل منا دخولاً، ولها ظروفها التاريخية والسياسية والاقتصادية، لكن محنها وهزائمها لم تطل، واستطاعت لأسباب كثيرة، ليس هنا مجال لاستعراضها، أن تفيق من غيبوبتها، وتتجاوز عثراتها، ولم تبلغ الزمن القياسي، والرقم الأولمبي، الذي بلغناه عجزاً وتخلفاً.
حقاً، نحن الذين لا شبيه لنا.
وصدقت نبوءة أحمد بن الحسين منذ أكثر من ألف عام:
(يا أمة ضحكت من جهلها الأمم).
ذو صلة