مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

عن ذاكرة المنتديات الأدبية الإلكترونية

ذاكرة المنتديات الأدبية على شبكة الإنترنت، ذاكرة جيل ما بعد النشر الورقي، تلك المنتديات التي استطاعت خطف الضوء من الملاحق والمجلات الأدبية في النشر آنذاك، حيث كانت تتيح الفرصة والمحاولة وعرض الكتابات الأولى بكل ما قد يعتريها من ارتباك البدايات، بل وانضم لهم الكثير من الكُتاب المخضرمين في نشر نصوصهم وإبداعهم حيث شعروا بفضاء أكثر حرية وانفتاحاً وانتشاراً.
ذاكرة قريبة بدأت مع مطلع الألفية الثانية مع بداية شيوع استخدام الإنترنت في السعودية وانتشاره، وهي كذلك ذاكرة بعيدة بحسابات ما نحن عليه اليوم من قوالب إلكترونية جديدة، إذ جاءت بعد ذلك المواقع العالمية الشهيرة والأجهزة الذكية وتلاشت معها ظاهرة المنتديات عموماً ولم يبق منها سوى القليل من المنتديات العلمية المتخصصة والجامعية مثلاً.
قاومت بعض المنتديات الأدبية كمنتدى الشعر المعاصر، وملتقى مدد، وجسد الثقافة في سبيل البقاء أمام مدٍ سريع ومتطور وأكثر تفاعلاً وربما حتى بدايات العقد الثاني من الألفية، وبالتدريج ومع مرور الوقت تلاشت وبقيت في الذاكرة كتجربة ثرية ومهمة قدمت كثيراً من الأصوات الجديدة التي شكلت فيما بعد مشهداً إبداعياً في السعودية، تكوّنت معه مفاهيم جديدة للكتابة لم تكن معهودة، ومضامين جديدة أكثر كونية وإنسانية، تنظيف النص من الأيديولوجيا ومسافة بين الفن والنص وبين القضايا والأسئلة والسرديات الكبرى، ومضي الكاتب نحو فهم علاقته الجديدة بالعالم، وعلاقته بهذا الانفتاح المعرفي، ومن ثم تقديم ذاته وأفكاره وهمومه الشخصية وأسئلته أمام هذا العالم، وكان ذلك يتطلب أو يؤدي إلى تقديم النص في شكل جديد أيضاً، سواء بالكتابة خارج النمطي والتقليدي،
أو بطريقة عرض النص المتفاعل، أو عبر وسائط بصرية كالفيديو وتلوين النص وإرفاق صورة أو لوحة معبرة.
ألغت المنتديات الأدبية آنذاك فكرة مركزية وأطراف الثقافة والإبداع، وبالتالي ألغت فرضية التأثر بآداب الآخرين كما كانت مطروحة في أزمنة ما قبل المنتديات، فضلاً عن كون المنتديات الأدبية السعودية كانت الأكثر شهرة واستمرارية، كان المنتدى يقوم على انضمام عدد من الأعضاء الراغبين في الكتابة الأدبية أو التفاعل النقدي أو القراءة، وغالباً كان الأعضاء من كل البلدان العربية، وقد يصل إلى أوروبا وآسيا، كما حدث في منتدى مدد الذي سعى إلى تخصيص أقسام بعدة لغات وأقسام أخرى للترجمة لدعم هذا الانفتاح على الآخر. تغير مفهوم التأثير والتأثر وانحسر غالباً في اكتساب مهارة في التعامل مع هذا العالم الجديد، مع تقنيته وأدواته ومع الشعور بهذا الوجود الكوني والانغماس في قضاياه المختلفة كلياً، وبسرعة انضم إلى السفينة الإلكترونية ذلك الجيل السابق في رغبة للتخلص بقدر كبير من تلك الإشكاليات الأدبية والثقافية التي لم يكن يعرف عنها جيل المنتديات شيئاً. إشكالات ما عاناه ذلك الجيل -الذي أطلق عليه جيل الحداثة الأدبية في الثمانينات- تجاه كتاباتهم وما عانت منه الأمسيات الأدبية من مضايقات ممن يفهمون ويؤولون النصوص قياساً إلى نظرتهم العقائدية المتشددة وبعيداً عن التعاطي مع الأدب كفن.
وبنفس السرعة فرض المشهد الأدبي الجديد حضوره في الصحف الثقافية الورقية، إذ باتت النقاشات والمواضيع الثرية والمثيرة التي تطرحها تلك المنتديات الأدبية مادة دسمة للصحافة الورقية، خصوصاً مع ظهور إشكالات جديدة وقضايا متعلقة بالأدب والإلكتروني، هذه القضايا التي فتحت آفاقاً واسعة أمام النقاد والباحثين لدراسة ظواهر أدبية ونقدية جديدة.
أكتب شهادتي عن هذه الذاكرة الفسيحة والمليئة بالمتغيرات بومضات سريعة وقطرة من بحر كما يقال، إيماناً بأنها كانت بداية لكثير من التحولات الأدبية، وبداية لمفاهيم إبداعية، ونافذة واسعة لكثير من المبدعين الذين ظلوا لسنوات يبحثون عن فرصة النشر في الصحف والمجلات الثقافية أو ممن شجعهم وجود هذه المنتديات على الكتابة.
ذو صلة