كلما علوت متن إحدى طائرات الخطوط الجوية السعودية في سفر، رائحاً أو غادياً، يرافقني فيها صوت الإعلامي الكبير الدكتور محمد أحمد الصبيحي، بصوته الجهوري ونبراته العالية ولغته المستقيمة، وهو يتلو علينا -باطمئنان- دعاء السفر فكأني به يخفف عنَّا وعثاء السفر ووطأته، وقلق الإقلاع ورهبته، والخوف من الغوص في أجواز الفضاء، إنه صوت يبعث فينا الراحة ويجلب لنا السكينة، بل يعود بي هذا الصوت إلى سنوات طويلة خلت كان فيها المذياع سيد الأخبار والمعارف، ويعمل فينا سحره -مثلما يعمله جهاز الجوال الآن- من علاقة حميمة بينه وبين حامله.
في تلك السنوات الجميلة والمعتقة بمتعة متابعة البرامج الثقافية، والظفر بالخبر والمعلومة، تعرفنا على قبيل من هؤلاء المذيعين ذوي الأصوات الشجية والطّربة: محمد أحمد الصبيحي، بدر كريم، محمد الشعلان، منصور الخضير، حسين نجار، عبدالله راجح، محمد حيدر مشيخ، سليمان عبيد، عبدالرحمن يغمور وبكر باخيضر وآخرين، ولا ريب أن هذه الأصوات ضخت لنا كثيراً من الثقافة والمعلومات فسكنت برامجها في الذاكرة وظللنا نرددها بمحبة كلما تقدم بنا العمر، ونقول: (فاكرين) برنامج تحية وسلام أو برنامج إيجاز وإعجاز أو برنامج ثمرات الأوراق أو برنامج دنيا أو مسرح التلفزيون أو سهرة الاثنين أو مشاكل وحلول وغيرها من برامج إذاعية وتلفازية.
عادت بي الذاكرة لأزمنة هادئة وجميلة وأنا أقرأ -باستمتاع- كتاب الإذاعي اللامع والإعلامي المعروف الدكتور محمد أحمد الصبيحي الذي وسمه بـ(رحلة الأيام وذكريات في الإعلام) الذي استقبله القراء قبل أشهر قليلة، مُودِعاً فيه تجربته الطويلة مع المذياع في الإذاعة والتلفاز والإعلام تقلد من خلالها مناصب رفيعة تدرج فيها بعد أن أمضى سنواته الأولى طالباً على مقاعد الدرس حتى نال شهادة الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية أهلته إلى أن يصل ما وصل إليه الآن.
الرحيل المؤلم
ما كان للطفل محمد الذي شرف بأن يكون من مواليد أم القرى وتحديداً بشعب عامر وهو في ربيعه الخامس من خيار إلا أن يستجيب للقدر، فيفجع في رحيل شقيقه عبدالعزيز الذي يكبره بعامين إثر سقوط عمارة إسماعيل في الطائف والكائنة بمحلة اليمانية وهم يصطافون فيه على عادة أغلب المكيين آنذاك، ويحدث رحيله في النفس حزناً عميقاً وفي القلب جرحاً لا يندمل لدى سائر أفراد أسرته، لتعود لمكة المكرمة دون هذا الطفل الذي أودعه والده ثرى مقبرة العباس، وما هي إلا أسابيع قليلة ويحل عام دراسي جديد يتهيأ فيه رب الأسرة لأن يُلْحقَ محمداً بالمدرسة السعودية في صفوفها الأولى فكاد هذا الحلم أن يتلاشى عند والده، نظراً لعدم بلوغ محمد سناً تؤهله الالتحاق بالمدرسة إلا أن مديرها ما إن نما إليه خبر رحيل شقيقه عبدالعزيز حتى لاَنَ وتعاطف واستجاب لطلب الأب.
بدأ التلميذ محمد يغذ السير في طريق العلم فكلما حصد نجاح عام تجاوزه لعام آخر دواليك حتى تخرج فيها، وهنا يقع الفتى محمد في حيرة من أمره حيث يجد أمامه خياران لإكمال دراسته: أحدهما مدرسة تحضير البعثات والآخر المعهد العلمي السعودي الذي كان يغري الملتحقين فيه بمكافأة مالية مجزية يستعين بها الطالب وأسرته في أمر معيشته، إلا أن محمداً كان يحبذ مدرسة تحضير البعثات، بينما أسرته تفضل له المعهد العلمي السعودي، فأتجه صوب مدرسة تحضير البعثات ما جعل والده يكافئه على اختياره بعلقة ساخنة نظير تلاشي مكافأة المعهد العلمي السعودي الذي كانت ستخفف عن كاهل الأسرة بعضاً من المصاريف الدراسية ولاسيما وأنه ينتمي لأسرة كبيرة جداً.
ما إن أنهى الشاب محمد الصبيحي دراسته في مدرسة تحضير البعثات حتى طالبه أهله البحث عن وظيفة كأي شاب في سنه، وهنا اتجه نحو جدة ليلتحق موظفاً بإدارة البريد حين كان تابعاً لوزارة المواصلات، إلا أن طموح هذا الشاب لم يقف عند هذه الإدارة بل كان يُمَني نفسه بمناصب أرفع، فما كان منه إلا أن قسَّم يومه بين الوظيفة في البريد والالتحاق بمعهد يعلمه الضرب على الآلة الكاتبة، وبعدها يتوجه إلى مدرسة تقدم دروساً في تعليم اللغة الإنجليزية قد انتسب لها، وحين انتهى من هذه المعاهد انضم للمدرسة الثانوية الليلية بجدة لإتمام الثانوية العامة، وحين تحصَّل على شهادتها التحق بجامعة الملك سعود بالرياض عن طريق الانتساب ليكون طالباً في قسم التاريخ، إذ كانت تأتيه المحاضرات بواسطة صديقه الشاب صالح كامل.
لم يكن العمل في إدارة البريد سقفاً لطموح الشاب محمد، إذ تقدم باستقالته منه لينخرط في إدارة سلاح الطيران موظفاً بإدارته المالية، وفي تلك الأثناء كان هذا الشاب يلقي السمع لكثير من برامج الإذاعة التي كانت تعد نقلة جديدة في منظومة الإعلام آنذاك، فكان يشاهد زميله في سلاح الطيران الشاعر العامي والكاتب صالح جلال يعد بعضاً من حلقات برنامج اجتماعي جديد اسمه (دنيا) الذي كان يشرف عليه الأستاذ عباس فائق غزاوي، فما كان من محمد الصبيحي إلا أن غامر وكتب إحدى حلقاته وعرضها على مشرف البرنامج الذي وافق على إذاعتها بعد إعجابه بفحواها، وطلب منه الأستاذ الغزاوي أن يلقي مقدمة الحلقة بصوته ومن ثم يتولى الإخوان اليغامرة عبدالرحمن ومحمد علي وفؤاد يغمور تمثيل البرنامج، وما إن سمع الأستاذ عباس غزاوي فخامة صوته المتميز حتى طلب منه الانضمام معه في الإذاعة متعاوناً وبعد فترة قصيرة أعلنت الإذاعة عن وظائف شاغرة فالتحق بها وتم قبوله، بعد اختبار صوته، وبذلك يضع الشاب محمد الصبيحي أولى قدميه في عالم الإعلام والتي كانت من أغلى أمانيه بكافة فروعه: المسموع والمرئي والصحافي.
في الموكب الملكي
حين التحق الدكتور الصبيحي بالإذاعة كان الأديب والشاعر عبدالله بلخير مديراً عاماً للإذاعة والصحافة والنشر والذي أصبح فيما بعد وزير الدولة لشؤون الإذاعة والصحافة والنشر، كما كانت الإذاعة تضم أسماء متنوعة في الإعداد الإذاعي والإخراج والتقديم من بعض الأقطار العربية (مصر- لبنان- السودان- سوريا- الأردن) إلى جانب الأسماء الإعلامية اللامعة كإبراهيم الشورى وغالب أبو الفرج ونبيه الأنصاري وإسماعيل مهلهل وعزت مفتي وأبي تراب الظاهري وناجي مفتي وحسين العسكري وعبدالمقصود خوجة وسليمان قاضي وغيرهم، وقد حملت هذه السيرة بعدد لا بأس به من المواقف الظريفة والمحرجة والصور الحية المشرقة والعصامية والتجارب الإنسانية والبذل والعطاء التي ضمها الكتاب أثناء عمل المؤلف الصبيحي بها، منها: حينما كلف بنقل تغطية وصول الملك سعود بن عبدالعزيز من الرياض إلى جدة وتحرك موكبه من المطار إلى مقر إقامته ما جعله يركب إحدى سيارات الموكب الملكي المكشوفة لينقل الوصف للمستمع فما إن تحركت السيارة بالسرعة المعهودة حتى وجد الصبيحي نفسه على وشك السقوط منها لولا أن جذبه زميله مهندس الصوت أحمد باجابر وبعض الجنود المرافقين للموكب وأعادوه داخل السيارة. إلا أن عام (1384هـ) كان عاماً فاصلاً لمسيرة الإعلام السعودي حيث أنشئت وزارة الإعلام واختير لهذه الوزارة الفتية الشيخ جميل الحجيلان فاتسعت خريطة الإعلام ولاسيما الإذاعة والتلفاز فيما بعد وبالتالي اتسعت مسؤولية الصبيحي في الإذاعة، فأخذ يعد ويقدم سبعة برامج ومنها: مسرح الإذاعة، أفراح الشعب، ما يطلبه المستمعون، فكر واربح، أقوال الرسول، صباح الخير، من هدي النبوة، إلى جانب فترات نقل الصلاة من مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقراءة نشرات الأخبار التي اختاره الحجيلان لقراءتها مع نفر من زملائه.
كيف حال مسجلكم؟
في إحدى المناسبات الدبلوماسية كلف الصبيحي أن يقوم بتغطية مناسبة قبول الملك فيصل لأوراق اعتماد مجموعة من السفراء الجدد لدى المملكة، فكان لزاماً على كل سفير بعد أن يقوم بالسلام على الملك يلقي كلمة قصيرة ثم يقدم أوراق اعتماده ثم يقوم الملك بالترحيب بالسفير وإلقاء كلمة قصيرة حول الموضوع وفي هذه الأثناء يكون المذيع الصبيحي قريباً من الملك حتى يتسنى له تسجيل الحديث الذي يدلى به الملك مع السفير وفي هذه اللحظات كان الملك فيصل يتحدث مع سفير لبنان فهمس مهندس الصوت في أذن الصبيحي أن جهاز التسجيل قد تعطل وعطب، فأشار على المهندس التوجه للإذاعة لإحضار جهاز تسجيل آخر، فأحضر الجهاز وقام بتسجيل كافة اللقاءات مع السفراء الحضور، فطلب الصبيحي من رئيس الديوان الملكي الشيخ محمد النويصر آنذاك- تسجيل كلمة الملك فيصل التي ألقاها أمام السفير، إلا أن الجواب كان أن الملك يرتجل كلمته، وقال الملك يتم الاكتفاء بالتسجيل الذي تم مع السفراء الآخرين. وحرصاً من صاحب هذه المذكرات ذهب إلى مقر السفارة اللبنانية وسجل كلمة السفير وتم إذاعة هذه اللقاءات في نشرة الأخبار، وماهي إلا أيام قليلة حتى كلف الصبيحي لتغطية لقاء الملك فيصل بمجموعة من السفراء في قصره وفقاً للمراسيم المعتادة، وبينما كان الصبيحي منتظراً إتمام المراسيم إذ بأحد يربت على كتفه ويقول له: كيف حال مسجلكم؟ فنهض الصبيحي ليجد نفسه أمام الملك فيصل بابتسامته المعهودة، فقال له الصبيحي: الله يحفظكم أحضرت جهازين.
حريقة.. حريقة
ومن الصور التي ضمتها ذاكرة الصبيحي هي حريق مسرح الإذاعة إذ ارتأى الوزير الحجيلان أن تقدم حلقة خاصة على المسرح للفنان الكبير وديع الصافي لدوره في تقديم عدد كبير من الأغاني الوطنية التي كان من أهمها (سلمك الله يابو عبدالله) والتي شاعت كثيراً بين الناس، وحينما قدم الصبيحي الفنان الصافي عاد لكواليس المسرح فبدأ الصافي في وصلته الغنائية الأولى وما هي إلا لحظات حتى فز كافة أفراد الفرقة مع الصافي وكذلك الحضور الكبير نحو ساحة مبنى الإذاعة فخرج الصبيحي ليرى الناس قد اجتمعوا خارج المبنى وهم يقولون: حريقة.. حريقة.. انحرق المسرح.. فوقف مذهولاً من هذا المشهد ولم يستطع أن يتمالك نفسه حتى خرج عليهم الوزير الحجيلان من جهة المسرح حيث كان حاضراً الحفل وهو في منتهى الهدوء ليطمئن المدعوين ويخبرهم أن كل شيء قد عاد كمان كان، وقال للصبيحي: يا محمد اذهب للمسرح مع زملائك وأكملوا الترتيبات وسندخل بعد دقائق، وبالفعل جُهز المسرح بسرعة وعاد الجميع إلى مقاعد المسرح وانطلق صوت وديع الصافي مع فرقته يصدح بأعذب الأغنيات.
المشاعر لأول مرة
حين عين الشيخ إبراهيم العنقري وزيراً للإعلام رفع له المذيعون والمهندسون فكرة نقل كافة مشاعر الحج على الهواء مباشرة، وكاد العنقري أن يرفض لولا إلحاح الزملاء وثقتهم بما يملكون من عزم وخبرة، وبعد موافقته انطلق الزملاء بكل نشاط إلى الجبال والسفوح المحيطة بالمشاعر المقدسة، وما إن أتى اليوم الثامن من ذي الحجة حتى انطلقت التجارب وكانت ناجحة، ما دفعهم لنقل يوم عرفة، وكلف الصبيحي وزميله الدكتور بدر كريم لنقل ذلك اليوم مع النفرة إلى المزدلفة وانتهى النقل المباشر بكل نجاح فأخذوا يهنئون أنفسهم بهذا الإنجاز واتجهوا إلى مقر الوزير حيث كان يتابع ردود الفعل الكبيرة جداً على ذلك النجاح فأخذت الصحف تكتب عن هذا النقل بإشادة، وطلب الوزير العنقري إعادة البث ليشاهده الملك فيصل الذي أثنى بدوره على القائمين على إنجاح هذا النقل.
سيرة الإعلامي القدير الدكتور محمد الصبيحي لم يختزلها بين أروقة الإذاعة والتلفاز، وإن كانت بلا شك في غاية المتعة لكنه أردف في ثناياها رحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية وما صادفه في بلاد العم سام أثناء دراسته الماجستير والدكتوراه، ولقاءاته بعدد من الشخصيات البارزة من أمراء ووزراء وخبراء في الإعلام، إلى جانب شخصيات عربية وأجنبية جاءت عبر حوارات أو لقاءات جمعته بهم. هذه النجاحات والإنجازات أهلته لأن يكون ملحقاً إعلامياً بسفارة المملكة في لندن أثناء تولي الأديب والشاعر غازي القصيبي مقاليد السفارة فأمضى معه عشر سنوات كانت حافلة بالإنجازات الإعلامية والثقافية والفنية، لذلك كانت سفارتنا في لندن في تلك الحقبة منبراً مهماً للثقافة والمثقفين والإعلاميين والفنانين. وقد اختتم الإعلامي القدير محمد أحمد الصبيحي حياته العملية أميناً عاماً لمنظمة إذاعات الدول الإسلامية (اسبو) ومرد ذلك خبرته الإعلامية الطويلة في الإذاعة والتلفاز والصحافة والثقافة التي أهلته تولي هذا المنصب الدولي الرفيع الذي قام به خير قيام.
إن سيرة الدكتور الصبيحي لم يصطنعها لنفسه فقط وإنما أرخت لمرحلة مهمة من صناعة الإعلام الإذاعي والتلفازي، فَجَلَت لنا عن كثير من المواقف والذكريات دون تنفخ أو ادعاء بلغة سمحة يسيرة لكنه حقق له هذا الإنجاز سهم راجح وحضور طاغٍ حتى عرفه البعيد النائي ويذكر به القريب الرائي فما كان مقامه يوماً بين الناس منكوراً.