في العودة إلى ماضي الأيام ما يصور الحنين إلى حال النفس في تذكر ما كان لها وعليها، فالذي ذهب هو أساس الكينونة الآن التي كان عليها من يريد أن يلتفت بالتذكر لخطوات بدأ بها تشكيل حياته التي هي من شَكَّلَه، وهو من سار على الدرب الذي قاده إلى المسيرة في مراحله العمرية من الطفولة إلى الشباب فالكهولة، وأنا هنا أحاول أن أرسم خطوطاً قد تكون متعرجة أعود بواسطتها إلى وقت بداية صحبة القلم الذي لازمني من الصغر، ولكن لم تبدأ خطواتي في حمله والتعامل معه كمعرِّف بي من خلال مهنة الصحافة والكتابة المتنوعة إلا في مرحلة الدراسة المتوسطة وفي بدايتها خاصة، من هنا سأبدأ تاركاً مرحلة الطفولة والصغر إلى وقت آخر، إن كان لي من العمر ما يمكن أن يفسح ويسمح بذلك والأمل خير يرجى من الله.
بدأت فكرة الكتابة عن الذكريات تعتمل في النفس منذ مدة ربما قاربت العقد من الزمن، وهي مرحلة التقاعد من العمل الحكومي لبلوغ السن القانوني للتقاعد، وصدور عدد من الدواوين الشعرية، واستمرار العمل في الصحافة التي انتميت إلى ميدانها كاتباً ناشئاً في مرحلة توهج الشباب مساهماً بكتابات متنوعة تحوم حول الأدب ولا تبتعد عن الاجتماعيات بقدر ما تمكن منه جهدي المتواضع حينها الذي تنامى بنمو العمر وتوسع التجربة. وحسب نصيحة كررها علي الدكتور الوزير عبدالعزيز الخويطر في عدة مناسبات سعدت فيها بتداول الحديث معه وبخاصة عن الصحافة وما يتعلق بالكتابة بها دون إغفال النشأة والبيئة حيث قال: (اكتب كل يوم صفحة فستجد بعد مرور سنة أن لديك 365 صفحة وهذه تمثل كتاباً). كما شعرت من أكثر من صديق بالتشجيع على التوجه لخوض هذه التجربة وهكذا عزمت مستعيناً بالله.
في الطائف، وهي المدينة التي ولدت فيها ودرست في كتّابها ومدرسة العزيزية، ثم الشرقية، لقد كانت أواخر الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي هي مرحلة الاختمار التي صارت مهيئة لتكوين ممتهن للقلم، ففي معهد المعلمين وفي السنة الأولى من المرحلة المتوسطة كان أستاذ اللغة العربية يمنحني الدرجة الكاملة في مواد الإملاء والخط والتعبير والنصوص، أما مادة النحو فتنقص الرّبع تقريباً، وكان يؤنبني على ذلك: (خط جميل وإنشاء ومحفوظات تمام لكن القواعد التي هي قوام كل موادك تتخلف فيها! عيب يا سعد ركز وأنا معك سأساعدك)، كان الكتاب هو الجزء الأول من (النحو الواضح) تأليف علي الجارم ومصطفي أمين، ولضمان ذلك كلفني مع زميلي محمد صالح بديرة -كان متقدماً علي بسنتين- أن نعمل صحيفة حائطية، وكان ذلك، وكنت أكتب مرة أخرى ما يشارك به بعض الطلبة وأتفنن في الخط حسب قدرتي وأجد التشجيع والثناء من الأستاذ (محمد القريعي) وفي وقت ما بعد العصر كنا في غرفة التربية الفنية نسطر ونرسم ونخط، وفي انهماك الزملاء في النشاط، يكون الأستاذ في مكتبة المعهد، وهي غرفة مليئة بالكتب التي زودت بها المكتبة ويكون منه الشرح ومني الاستماع لبعض المسائل النحوية، وكان التحسن الذي استمر بفضل الله ثم بفضل أستاذي (محمد القريعي) وهو من خيرة الأساتذة المصريين في ذلك الوقت ثقافة وأخلاقاً، حتى أن كتاب القراءة الحرة -التي كان لها حصة واحدة في الأسبوع- وهو كتاب (فارس بني حمدان) لعلي الجارم، يقرأ أحد الطلبة ويتابعه الأستاذ شرحاً وتمثيلاً على بعض القواعد النحوية والإملائية، قرأت الكتاب سابقاً زملائي وهمشت عليه بعض الشروحات المملاة علي من الأستاذ القريعي، وفي ذلك العام الدراسي كان الصديقان من أبناء حينا وممن تزاملت معهما في المدرسة الشرقية واجتزنا في عام 1958 إلى المرحلة المتوسطة سجلا في الفيصلية الثانوية (عبدالله الناجم وإبراهيم ماجد) يهتمان بمجلة سندباد فكنت أكتفي بقراءة رحلات سندباد ثم كان الاشتراك معهما اقتناء وإعارة روايات (اللص الظريف/آرسين لوبين) وكانت كما السحر الذي سحبني شيئاً ما عن اللعب مع أبناء الحي (الشرقية) الكرة أو الألعاب الأخرى، وصرت أهتم بالقصص لكن لم أترك اللعب مع أبناء الحي أحياناً مع استمراري في الدراسة في المعهد الذي يمنح مكافأة شهرية قدرها مئة ريال يخصم منها ريالان قيمة طوابع، ومثلهما أتعاب لا أعرف سببها ولم نناقش فيها. المهم (ستة وتسعون ريالاً) من المحاسب إلى يدي ثم إلى يد الوالد مثل غيري، وتكون القناعة بما يجود به.
في العام الثاني أصبحت في الصف الثاني، كان أستاذنا في مواد اللغة العربية هو (سليمان فياض) عرَّفنا على نفسه أنه كان يرأس تحرير مجلة البوليس بمصر وأنه كاتب صدرت له وقت حضوره إلى المملكة مجموعة قصصية في مصر بعنوان (عطشان يا صبايا) وكان يتمتع بدماثة الخلق وسعة الثقافة مع أناقة في الملبس وسلاسة في التحدث مع لثغة بسيطة تضفي على حديثه وهو يشرح الدرس طلاوة تجبرك على أن تنصت لتسمع وتستزيد معرفة، كنت من المقربين إليه في صحيفة الحائط والمكتبة، وقد أهداني نسخة من مجوعته القصصية التي وصلت إليه، ويسأل عن رأيي وأنا لا جواب لدي سوى أن أمدح بما أستطيع أن أعبر من كلمات الإعجاب، سألني: تقرأ أيه يا سعد؟ قلت الدروس. قال: وغيرها؟ قلت أحياناً أرسين لوبين. قال: وبس؟ قلت: سندباد ونوادر جحا. نظر إلي وهو يبتسم وقال: واحد يعدّ نفسه ليكون معلماً يقرأ مثل هذه التفاهات. قلت: مع زملاء وأصدقاء. قال: يا ابني انت كويس في مواد العربية ولاحظت في مادة التعبير أسلوبك جيد وعندك خيال، أنصحك تقرأ كتب مصطفى لطفي المنفلوطي، وتوفيق الحكيم، ويوسف السباعي، ويحي حقي. قلت: ما أعرف كتبهم وصعب علي أن أقرأها. قال: ابدأ بـ(العبرات) للمنفلوطي. قلت: لماذا (ليه؟). قال: عشان تتثقف وتعرف تكتب يمكن تكون كاتب، أسلوبك سلس في التعبير. قلت: خير يا أستاذ. قال: اسمع كلامي ومش حتندم انت موهوب.
كلمات من أستاذ رئيس تحرير، ومؤلف القصص التي أهداها إلي حولت تفكيري إلى أن أحاول أن أسير على ما نصح به وأن أبادر وصارت الفكرة تدور في مخيلتي وكلمات (أنت موهوب- يمكن تكون كاتب)، وغيرها وكأني بين سبات ويقظة، أحلام ومنامات، (المنفلوطي/العبرات) أرددها في نفسي وربما تلفظت بها جهاراً وأنا أسير وأتخيل الصور العديدة في نشوة وغرور وفي استعداد لعبور الجسر المؤدي إلى الضفة الأخرى للممارسة والواقع.
في إجازة نصف العام الدراسي سافرت إلى الرياض، مع زميل أقنعني أن نلتحق بالمعهد الصحي بالرياض، وصلنا العاصمة بواسطة سيارة لم نتوقف إلا في (عفيف) لتناول الغداء، ذهب صديقي لذويه، وأنا لمنزل زوج عمتي ناصر بن عباس والتقيت بابنه محمد (رئيس تحرير صحيفة الجزيرة الأسبق) وكان وقتها يدرس في معهد العاصمة النموذجي -لا نعرف الفنادق بيت القريب هو المأوى- فوجدت محمد الذي لم أره منذ سبع سنوات تقريباً بشكل مختلف شكلاً ومضموناً، وفي جلسة تحيط بها المجلات المصورة: آخر ساعة، الجيل، صباح الخير، وغيرها، وعبارات كنت أسمعها من الأساتذة. ثم بعد المغرب خرجنا سوياً إلى شارع الوزير (الملك فيصل) ودخلنا مكتبة دبوس، ثم مكتبة الخزندار، ومكتبة الوطن في شارع الثميري، وذهلت من المجلدات في مكتبة النهضة في شارع الملك عبد العزيز (البطحا) وكان الزاد جرائد ومجلات، ولما عدنا ذكرت له أني سألتحق بالمعهد الصحي (مكان مستشفى صحاري) وعرف بأني في السنة الثانية معهد، وكانت نصيحته أني أمضيت قرابة سنتين قد شارفتا على الانتهاء اسْتفَدت فيها حصيلة لا بأس بها من المعارف والعلوم خير لك أن تواصل المشوار وتنهي ما توجهت فيه وهناك وأمامك مشاوير أخرى، فكانت العودة إلى المعهد لتبدأ مرحلة جديدة قادت إلى نقلة من الصحف الحائطية إلى الصحافة الورقية.