مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

كاتب السيناريو.. وعدالة الحياة!

واحدةٌ من مفارقات الحياة يمثلها كاتب السيناريو باقتدارٍ، فصناعة السينما الضخمة حول العالم، والتي تقدر بمليارات الدولارات تعتمد بشكلٍ رئيسٍ على كاتب السيناريو، فالمخطط الذي يقدمه -للمخرج أو المنتج ويرسم فيه الشخصيات والأحداث والحوارات التي يتضمنها الفيلم أو المسلسل ونحوهما من الأعمال- يعتمد عليه المخرج والمنتج والممثل، ويفيد منه المصور ومسؤولو الإضاءة ومهندسو الصوت والديكور.
ورغم هذه الأهميّة البالغة لكاتب السيناريو، فإنَّ حقوقه المعنويّة مهضومةٌ بشكلٍ أو بآخر. ويتبدى ذلك جليّاً في ظهور اسمه وسط قائمة العمل (التتر)، ليس في أولها كما هو الحال مع اسم المنتج، وأسماء الممثلين والممثلات، وليس في آخرها كما هو الحال مع أسماء مساعدي المخرج والمخرج نفسه. ومن المعروف أن الأسماء التي تظهر في البداية والختام هي عادةً من ينال نصيب الأسد من تركيز المشاهد بخلاف تلك التي تقبع في المنتصف.
وليت الأمر يقتصر عند هذا الحدِّ، فكثيراً ما يتعرض عمل كاتب السيناريو لتشويهٍ من قبل المخرج أو المنتج أو الممثلين الرئيسين من غير أن يحق له الاعتراض، ومن المفارقات أيضاً بقاء ذلك العمل بتشوهاته باسم كاتب السيناريو. وفداحة الجرم تتبدى عندما نعلم أنَّ ذلك العمل عادةً ما يستهلك من كاتبه وقتاً وجهداً ومعرفةً واطلاعاً، وقراءةً وبحثاً، واقتضى منه مراجعات وإعادة تحرير عشرات المرَّات ليكون مادةً فنيّة تلتزم بمقتضيات الفن، ومعايير الجودة الفنيّة، وحرفيّة الإبداع.
أمَّا حقوق كاتب السيناريو الماديّة فوضعها ليس بأفضل حالٍ من حقوقه المعنويّة لا سيما في عالمنا العربيِّ حيث لا توجد منظماتٌ أو اتحاداتٌ أو رابطاتٌ أو نقاباتٌ فاعلةٌ ومؤثرةٌ ترعى لكتَّاب السيناريو حقوقهم، ولا تبقيها خاضعةً لتقدير المنتجين الذين يغلب على بعضهم الكرم في التعامل مع المخرجين والممثلين، بينما يتلبَّسهم شيطان البخل في تعاطيهم مع كتَّاب السيناريو، وإن وجد حالات تشذ عن هذا الحال، فهي الاستثناء الذي يثبت القاعدة، ولا ينفيها.
يقول الصحفي جهاد أبو هاشم في تقرير نشرته صحيفة الاقتصادية في عددها الصادر يوم الخميس الموافق 24 أكتوبر 2019: إن كاتب السيناريو أو صانع المحتوى هو الحلقة الأضعف في هذه الصناعة، رغم محورية دوره وأهميته، لتثبت المقولة الشهيرة (الكتابة لا تطعم خبزاً.
وينقل التقرير المشار إليه آنفاً معلومات تضمنها تقرير نشر في مجلة: (هوليوود ريبورتر) The Hollywood Reporter ومنها:
(إنَّ كاتب السيناريو المحترف في هوليوود يتقاضى نحو 72 ألف دولار إذا كان النص مبتكراً، و63 ألفاً إذا كان مقتبساً، بحسب اتفاقية نقابة الكَّتاب الأمريكيَّة كحدٍّ أدنى).
ويشير التقرير أيضاً إلى أنَّ هناك تفاوتاً كبيراً في أجور صنَّاع الفيلم أو المسلسل، وعلى سبيل المثال يتقاضى مسؤول الميكروفون، الذي يحمله فوق رؤوس الممثلين خارج إطار الكاميرا، نحو 37 ألف دولار في الأفلام ذات الميزانية المنخفضة، و72 ألفاً في الأفلام ذات الميزانية المتوسطة (أجرة كاتب السيناريو نفسها)، وأكثر من 120 ألف دولار في الأفلام ذات الميزانية المرتفعة والكبرى.
وكلُّ تلك الأرقام ليست في ذلك العالم الذي يحده من الشرق خليجٌ ومن الغرب محيطٌ!
إنَّ عدم تقدير الدور الذي يؤديه كاتب السيناريو المحترف والمتقن لحرفته -كما ينبغي-، وغمطه حقوقه المعنويّة، وبخسه مستحقاته الماليّة هو الذي أدى لغلبة السطحيّة والضعف الفني في كثيرٍ مما يعرض في دور السينما وعلى شاشات التلفزيون، وفي قنوات اليوتيوب وغيرها من منصات عرض المحتوى على النت. زد على ذلك تسبب هذا الغمط والبخس وعدم التقدير لظهور حلولٍ تتوكأ على عكاز تأكله دابة الأرض، ومنها تكوين ورش عمل تكتب السيناريو بشكل جماعيٍّ، فتغيب الفرادة الإبداعيّة المتأتية من حقيقة أن الكتابة الإبداعيّة فرديَّة باقتدارٍ، وكتابة السيناريو رغم أنّها كتابةٌ فنيّة وحرفيّة ألا أنَّها كتابة إبداعيّة في نفس الوقت. وشاهدي في ذلك أن كاتب السيناريو في الغالب هو من يوجد الفكرة الإبداعيّة، وعلى عاتقه تقع مسؤولية معالجتها فنيّاً ابتداء باختراع الشخصيات ومروراً بصنع الحبكة الرئيسة والحبكات الفرعيّة المتولدة عنها، وانتهاء بتجلية ذلك كلّه للمشاهد في صورٍ متحركةٍ ناطقةٍ بالحوارات والأصوات المصاحبة.
أخيراً إن الحياة ليست عادلةً مع كثيرٍ من كتّاب السيناريو، ولكن متى كانت الحياة عادلةً؟
ذو صلة