مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

كن أنيقاً ولن تخاف

قال أبو عبدالرحمن: منذ بلغت ثلاثين عاماً تقريباً وأنا مجنح مع الجمال، والأناقة من عطاء الجمال في فنونه، فإن الجمال يكون في بعض الأصوات، وفي بعض اللباس، وفي بعض المأكولات.. إلخ.. إلخ، ويتفرع من الأناقة مظاهر جميلة ذات فروع كالفرح والسرور. ومن أضداد الجمال: البرودة، والقبح، فالبرودة هي كما يقول المغني (وسط الطريق)، فلا هو جميل، ولا هو قبيح، فهو منها في عافية، ولن يكون محروماً من جمال أزكى وأرفع، فهناك جمال العبادة ولذتها، وجمال اللذة في إطعام الفقير البائس، وإدراك من لن يحسن السباحة من الغرق، ولذة الإدراك للغريق، والفرح إذا أنقذ بنيةً جميلة، أو رجلاً كريماً غنياً لا تحل عليه زكاة واجبة مدى عمره، لأنه لا يدخر من ريع المال الذي يستقر وجوبه بعد نهاية الحول، بل يصرف الريع في وقته، وكل ما استجد من ريع يبذله في وقته، وربما تصدق بجزء من ماله، لأن لديه القدرة على استرجاع أضعاف ما تصدق به من ماله، كما كان يفعل (أبو بكر الصديق) رضي الله عنه، فإنه موفق في استرجاع ضعف ما صرفه من ماله، فما أجمل وأجل مواساة الضعفاء، والمواساة لذة وسرور.
قال أبو عبدالرحمن: وقد سبق لي أن تناولت أوهام الشيخ (جلال الحنفي)، فأذكر التفريق بين غنائية الشعر وبين تقطيعه معارضاً (جلال الحنفي) بقولي: ومن العجب العجيب: أن الشيخ (جلال الحنفي) في كتابه المتميز عن العروض، فقد وصف هذا الوزن بأنه من غرائب البحور، وأنه أمشاج لا يجمعها إطار، وزعم أن ملامح النثر فيه واضحة، ووصف إيقاعه بالتكلف!
قال أبو عبدالرحمن: وهذا إيراد صادر من فراغ، لأن تنظيره للعروض بتقطيع بصري لا بسماع غنائي، ولقد كررت القول بأن كتاب الخليل في موازين الشعر مفقود، وإنما تناقله الأدباء مفرقاً عن الخليل وتلاميذه، وهكذا كتابه عن الأنغام الذي قد يفيد شيئاً عن مقاييس الألحان المستعصية على التدوين قبل اختراع النوتة، وبينت كثيراً أن أوزان الخليل عن سماع لألحان العرب، لأن اللحن هو الذي ينتج الوزن لا العكس، وبينت قابلية الوزن الواحد لما لا يحصى من الألحان، وقابلية اللحن الواحد لأكثر من نغمات من جهة المقياس الزمني، والترتيب المكاني، وكل هذا أدركته من معاناتي جمع أوزان الشعر العامي من ألحانه التي تلقيتها سماعاً بأنغام مختلفة في عدد من المناطق، ووجدت أن التقطيع البصري الذي مشى عليه العروضيون، وأن غفلتهم عن التجربة الغنائية: هما اللذان صداهم عن تفسير الزحافات والعلل، والتفريق بين اللحن في وزن (مستفعلن) و(مستفع لن)، وبتجربتي الغنائية من خلال الشعر العامي: وجدت أن ما يسمى زحافاً وعلةً غير لازمة: إنما هو إثبات للفظ حسب البنية العربية الصحيحة، والغناء يتحول إلى ضرورة لحنية بتحريك ساكن، أو تسكين متحرك، أو مد غير ممدود، أو إلغاء المد، ووجدت أن (مستفعلن) تعني وحدة غنائيةً في اللحن والوزن غير منفصلة، وأن (مستفع لن) تقتضي وقفة غنائية خلال هذه التفعيلة، وبهذا المنطق وجدت أن الوزن الذي غنى عليه (ابن لعبون) قوله: (سقا صوب الحيا مزن تهامى) كان لحناً معروفاً يحذقه أهل عنيزة وغيرهم، ومع هذا: لا يقبل هذا اللحن دائماً بسبب التقطيعات النغمية خلال هذا اللحن التي يدركها من يصغي إليه. ثم كيف يكون هذا الوزن نثرياً وهو لم يذكر أي معاناة غنائية حوله، ثم كيف لا يكون غنائياً وأشهر أسمائه ذات دلالة غنائية كالخبب، وقطر الميزاب، والمتسق، والمتقاطر، والمتداني؟ وأما التسمية بالغريب: فهي تسمية عروضيين لم يعانوا التجربة الغنائية كما سمعها الخليل، وأما تسميته بالشقيق فلأنه أخو الرجز في الحداء، ولكن السذاجة الفطرية عند العرب جعلتهم يؤثرون الرجز على ترف الخبب، وأما المحدث فتسمية عروضية أيضاً، لأنهم لم يسبروا من ألحان العرب سماعاً النماذج القليلة من هذا الترف الغنائي المتدفق على نحو ما ذكرته عن اللحن العامي (النقازي). ومن الملاحظ أن الحداء على الرجز والخبب يقتضي سرعة البديهة، وعدم التأنق في القول، لأنه غناء تفرضه المناسبة المفاجئة، ولا يرد إلا مقطوعات كما بينت ذلك منذ أكثر من أربعين عاماً في أحد أجزاء كتابي (ديوان الشعر العامي) قبل أن يكتمل، وقد عنيت فيه ببعض الأحديات، فلعل زعم الشيخ (جلال الحنفي) نثريته آت من ارتجال الكلمة لا من التجربة الغنائية الأنيقة. وأما العرضة في الشعر العامي: فليست وقفاً على خبب أو رجز، بل ذانك هما الأقل، وإنما له أوزان كثيرة منها الطويل والقصير، وكلها تقتضي التأنق والتمهل في الغناء، ولا يجمعها لحن واحد، ولا وزن واحد، وإنما يجمعها التسمية لكلمة العرضة، وتجمعها المناسبة، لأن هذه الألحان لا تقال إلا في الحماس، أو الابتهاج بالنصر، ولأناقة هذا الوزن من ناحية تدفق ألحانه وسهولة معاناته: صار هو حمار الشعر على الحقيقة عند شعراء التفعيلة، وفي كثير من الشعر الحديث العمودي ولاسيما عند (نزار قباني). ومعزوفة الدكتور وغيرها: لا يحتاج إقامة وزنها إلى تقطيع عروضي بصري يفسد الشاعرية ابتداء، ولا يحتاج إلى ترسم صدى وزن محفوظ في الذاكرة يجعل القول ابتداء مجرد نظم، بل الترنم بها يكون بلحن ساذج بلا آلة، ويكون بالتأني، ويكون ذلك بلحن تبتكره، أو بلحن نأثره، وذلك هو التغني. وليكن اللحن المأثور على سبيل المثال صدى لتلحين (محمد عبدالوهاب) قصيدة (أيها العربي الأبي جاوز الظالمون المدى)، فاللحن والوزن واحد، وعلى وزنها ولحنها في الشعر العامي: (احترس بالحذر من سهوم القدر).. إلخ، وذلك في أغاني الحصاد، ومعزوفة الدكتور بالوصف العروضي الذي كان قالباً لألحان عربية لا نعرفها، لأنها لم تدون بالنوتة، ولا بالتداول الشفهي كبعض الموشحات، ولقد جاء على بحر المتدارك التام (فاعلن) أربع مرات للشطر الواحد. وهو بالجمال اللحني يلزم أن يكون ضربه (آخر تفعيلة الشطر الأول) على وزن واحد، وههنا التزم الدكتور (فعلن) بكسر العين (///5) (وفاعلن) بالتراوح، ويحتمل في باقيه (عروضاً وحشواً) الخبن الذي هو حذف الحرف الثاني الساكن من (فاعلن)، ويحسن فيه بقاء (فاعلن) سالماً، ويقبح فيه جداً ما يسميه العروضيون تشعيثاً، وهو حذف العين من (فاعلن)، فتصبح (فالن).. أي (/5/5)، لصعوبة وقبح الضرورة في رد المفردة إلى (فاعلن) التام وزنه من أجل وحدة اللحن. واحتمل الخبن (///5) لسهولة رده بالضرورة الغنائية إلى الوزن التام (/5//5). وتضعف الموسيقى الخارجية كلما كثر الزحاف، وإنما تعين الوزن الواحد للضرب، لأنه الوحدة اللحنية لكل بيت. والدكتور راوح في الضرب بين فاعلن التام وفعلن (///5) الحاصل بالطي، وهذا تراوح يؤذي الموسيقار الشفاف، فاللحن يختل حتماً بين (الأزل) و(المنهل)، ولما كانت وحدة اللحن في البيت الأول على وزن (فعلن).. أي (///5) كانت (المنهل) بعده نشازاً، فلا يتحد اللحن إلا بكثرة الزحافات كالمنهل تردها إلى (النهل)، أو ترد الأزل إلى (المنهل) هكذا (الآزل) بمد الألف المهموزة.
قال أبو عبدالرحمن: دعوا عنكم ثرثرة العروضيين، ودعوا عنكم سماجات الحداثيين، فالغناء الفكري، والغناء الجمالي الخالص (مخصية الفن، أو مجانيته) لا يكون إلا بوحدة لحنية تظهر خصوصية الشعر بين الفنون الجميلة، فضرورة العقل تقتضي إثبات الهوية لكل فن. وأستثني توالي ثلاثة أبيات، أو أربعة على لحن واحد مثل (///5) أو (/5//5)، فيرتاح السمع وتطرب النفس للحن استقرت هويته، ثم تنتقل إلى وحدة لحنية أخرى مستقرة الهوية. وهذا يحوج الترنم الساذج، ويحوج الموسيقار الشفاف إلى نقلة عبقرية تصل ما انقطع، وتحتال في إخفاء التباين بين اللحنين كما نجد في عبقريات التنقلات في مثل: أقبل الليل، وهذه ليلتي، والأطلال، وغداً ألقاك. وهكذا شعر التفعيلة لن يكتسب هوية الشعر إلا بما ذكرته من الثبات والنقلات، وما عدا ذلك فهو تقطيع بصري معياره الجمالي هو المعيار في النثر الفني.
قال أبو عبدالرحمن: نشرت شيئاً من هذه المقالة في جريدة الجزيرة في يوم السبت 14 صفر 1436 هجرياً، وإلى لقاء قريب إن شاء الله تعالى، والله المستعان.
ذو صلة