مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

الموسيقى الأفروأمريكية

بإلغاء نظام العبودية عام 1863م على يد الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن، وبنهاية الحرب الأهلية الأمريكية عام 1865م، وجد الأرقاء الأفارقة أنفسهم أحراراً في مدينة نيو أورليانز الأمريكية التي كانت تكثر فيها الملاهي وصالات الرقص والغناء، مما دفعهم لممارسة الموسيقى الشعبية التي توارثوها عبر أسلافهم وبلادهم، فأطلقوا العنان لها، بعدما اقتصر أداؤها خلال جني القطن، وتركيب قضبان السكك الحديدية، أو أثناء ليالي السمر والاحتفالات وأداء الطقوس الدينية، بعدما وجدوا فيها راحتهم النفسية، وخلاصهم، مؤقتاً، من العبودية. طرقوا الطبول الكبيرة خلال عروضهم، بينما تسلى الأوروبيون بمشاهدتهم. وامتزجت ألحانهم الروحية، بأركان الكنيسة، لتعبر عن روحهم المخطوفة الممزوجة بعذابات العبودية. وشيئاً فشيئاً عرفوا الساكسفون، والترومبيت. وهكذا ابتكروا موسيقى الجاز، وأصبحت آلات النفخ النحاسية، وسيلة استخراج الألحان. (ريم ياسين: الجاز عذاب العبودية، مجلة الدوحة القطرية، العدد 37، ص154)
أصول عربية
يختلف المصدر الأصلي لمصطلح الجاز Jazz حيث يعتقد أنه جاء من اللهجة الإقليمية للمولدين Creoles (من السود والأمريكيين ذوي البشرة البيضاء) أو من معنى التسارع أو الثرثرة. وقد أطلق هذا الاصطلاح على موسيقى السود الأفروأمريكيين الجنوبيين، وشاع عام 1915م في نيو أورليانز، مركز نشاطهم الموسيقي، ومصدر مبدعيهم الأوائل الذين نشروا الجاز في المدن الأمريكية الكبرى. (عبد الفتاح قلعه جي: الموسوعة العربية السورية:
www.arab-ency.com/overview/4148
فلما كانت الموسيقى الموقعة، تلعب دوراً مهماً في الحياة اليومية للسود، لاسيما في العبادة والرقص؛ عد الجاز، الموسيقى الشعبية الأكثر تعبيراً عن هويتهم. ورغم الضعف وقلة الإمكانات استطاعوا كأقلية نشر الجاز كثقافة شعبية وموسيقية، داخل وخارج أمريكا.
من ناحية أخرى، يؤكد سيفن برغر، خبير الموسيقى القديمة في معهد الدراسات الموسيقية بجامعة غوتبورغ السويدية، أن: (الأصول الأولى لموسيقى الجاز، عربية). ويرى أستاذ وخبير آخر في موسيقى الجاز بكلية الجاز في جوهانسبورغ، أن: (موسيقى البلوز، التي تفرعت عنها موسيقى الجاز، توجد في الغناء العربي، أصلاً، وأن أرقاء بلدان أفريقيا الغربية حملوا معهم هذا الغناء إلى العالم الجديد في أمريكا). يشير، كذلك، الشاعر اللبناني هنري زغيب: (أن عرب العصور الوسطى كانوا يسترقّون السود، وهذا ما يظهر في لوحات زيتية تمثل تلك المرحلة، خصوصاً في أسواق الإسكندرية وطرابلس الغرب وتونس، وغيرها، حيث كانت القوافل العربية، تصل بعد عبورها الصحراء، وكانت نظرة العرب إلى الاسترقاق مختلفة عن سواهم، فكانوا في بعض المواسم والاحتفالات، يحررون السود العبيد، إذا كانوا ذوي مواهب في الرقص والموسيقى). (ريم ياسين: ص154) فكانوا يسافرون إلى العالم الجديد، وحملوا تراثهم الغنائي والموسيقي بآلاته الممثلة في: الطبول، والوتريات، وآلات النفخ. ويشير الباحث الأمريكي جيري كوكر إلى أن بعض أولئك السود كانوا من جذور عربية، ولدوا ونشؤوا في شبه الجزيرة الأيبيرية أو الأندلس التي حكمها العرب سبعة قرون، انتهت عام 1492م باكتشاف كريستوفر كولومبوس وأمريكو فسبوتشي أمريكا. خلال تلك الفترة، هاجر الكثير من الأندلسيين.
الراغتايم والبلوز
كان (الراغتايم) Ragtime الاسم الشعبي الشائع للجاز قبل نشوئه عام 1890م، وكانت تؤديه الآلات الموسيقية في إيقاعات قوية متأخرة النبر Syncope دون ألحان رئيسة معينة. ومع مطلع ق20 ظهرت أغاني البلوز التي تعد أساساً موسيقياً لموسيقى الجاز، وهي مزيج من الغناء الديني وأغاني العمل اللذين كثيراً ما كانا يقومان على الحوار بين المغني المنفرد والفرقة الغنائية. وكانت بعض آلات النفخ الخشبية والنحاسية رئيسة في هذا الغناء. اشتهرت بيسي سميث آنذاك بلقب إمبراطورة البلوز. واقتبس موسيقيو ديكسيلاند عناصر موسيقاهم من نوعي الراغتايم والبلوز، وكانت الترومبيت الآلة الرئيسة في موسيقاهم. وكان، لويس آرمسترونج، وكينج أوليفر، من أوائل موسيقيي الراغتايم والبلوز.
الفن الشعبي
تشكلت فرق موسيقى الجاز التي أطلق عليها Jazz Band في بداية ق20. فكانت أول فرقة تكونت لموسيقى الجاز، تلك الفرقة التي أسسها في نيو أورليانز الحلاق وعازف الكلارنيت المرتجل: بادي بولدن، مع بقية أعضاء الفرقة الذين أطلقوا موسيقاهم في كل اتجاه. وانتشرت فرق الجاز، وبدأت تمثل مكاناً بارزاً في حانات الرقص، ومناسبات الزواج، والجنازات. ومنذ العام 1920م، رسخت موسيقى الجاز في نيويورك ولندن وباريس. وغدت تقليداً شعبياً عاماً. فظهر في تلك الفترة: (المغنون المتزنجون) Negro Minstrels وهم مغنون جوالون من أمريكا الجنوبية طلوا وجوههم باللون الأسود، وحاولوا الانضمام إلى عازفي وفرق الجاز للغناء على طريقة المغنين الأصليين. أدخلوا أيضاً آلة البيانو، وانضم إليهم بعض الموسيقيين السود، إلا أن روح السود ومعاناتهم غابت عن محاولات البيض، فلم ترقَ إلى مرتبة الإبداع الفني، فزال وجودهم، خصوصاً عندما ازدهرت موسيقى الجاز في أمريكا وأوروبا. وفي حي هارلم بنيويورك، قام الدارسون الموسيقيون: فلتشر هندرسون، وديوك إليغنتون، بتدوين النوتات الموسيقية للعازفين، حيث قللا من فواصل الارتجال، تمهيداً للانتقال إلى (الجاز الجاد). كانت ديكسيلاند المدينة الثانية التي تشكلت فيها فرق موسيقى الجاز، حيث ضمت عازفين أمريكيين قلدوا موسيقى السود. ثم توالى تشكيل الفرق الموسيقية، في شيكاغو، ونيويورك، ولويزيانا.. وغيرها. وتوسعت الفرق فيما بعد، في عدد الأفراد والآلات. وكان أول ظهورها في بداية العشرينات، بقيادة فليتشر هندرسون مع أبرز موسيقييها، عازف الترومبيت الشهير لويس أرمسترونج.
عام 1928م، نتج عن البلوز، كذلك، موسيقى البوغي ووغي، وكانت تؤدى أصلاً في شيكاغو على البيانو. بداية من العام 1935م، انتشرت رقصة السوينج Swing حيث كان بني جودمان الملقب بملك السوينج من أشهر عازفي الكلارنيت لهذه الرقصة.
في الثلاثينات أيضاً، (كون خريجو المعاهد الموسيقية فرقاً نالت شهرة واسعة بعد تعاقدها مع محطات إذاعية وتسجيل أسطوانات خاصة) (السابق: ص155) تطورت، فيما بعد، موسيقى الجاز لتصبح موسيقى عالمية لرقصات، مثل: الشارلي ستون، وانتقلت إلى شيكاغو، وبال تيمور وواشنطن ونيويورك وبوسطن، وكانت هذه المدن تحاول أن تضم في صفوف فرقها الموسيقية عازفين في فرق أولرليانز الماهرين في الارتجال والتأليف الموسيقي.
في الأربعينات، كان فريق من الموسيقيين الشباب قد أبدع نوعاً من موسيقى الجاز أقل حدة إيقاعية وأكثر ارتجالاً موسيقياً، أطلقوا عليه (بي بوب) Bi Bop وتم إهماله مع نهاية السبعينات.

التوظيف السيمفوني
كانت فرقة ديوك إلينغتون قد ضمت عشرين عازفاً ماهراً. أما بول وايتمان فقد استخدم آلات الكمان في فرقة كبيرة تجاوزت الثلاثين عازفاً، عرفت واشتهرت بالجاز السيمفوني، حيث استخدمت فيها التوزيعات الأوركسترالية وصارت الألحان الرئيسة في القطع الموسيقية تؤديها معظم آلات الأوركسترا. (عبدالفتاح قلعه جي: مرجع سابق)
عام 1944م، تشكلت لأول مرة، فرق الجاز الكبيرة، مثل فرقة (جاز الفيلهارموني) J.A.T.P على مسرح لوس أنجلوس الفيلهارموني. وجاء أسلوب الجاز المستقيم Straight ليلتزم العازف بالتدوين الموسيقي دون تبديل، مما قلل الارتجال، وألغى تقريباً، الإبداع الفني في الارتجال الموسيقي كأهم الخصائص المميزة للجاز. ثم ظهرت الموسيقى الساخنة Hot Music وكان هذا الأسلوب الجديد للجاز، نقيضاً للمستقيم، حيث دفع بعازف آلة النفخ إلى استنباط أقصى الإمكانات والخصائص الفنية للآلة خلال الأداء. كان الموسيقيون قد ثاروا منذ منتصف ق20 ضد الوظيفة التقليدية لألحانهم، وهي تحريك أرجل الراقصين، فعمدوا إلى تقديم فن للجماهير، يعتمد على الإصغاء، ويخاطب المشاعر ويرتقي إلى مستوى السيمفونيات. وهكذا سلك الجاز طريقاً يميل إلى البطء والتعبير العاطفي والغناء المؤثر وأطلق عليه اسم الجاز البارد Cool Jazz عام 1949م، والجاز الحر Free Jazz عام 1964م. في تلك الفترة أيضاً، ظهرت فرق (السيمفوجاز) التي أضافت آلات الأوركسترا السيمفوني الكامل، إضافة إلى آلات فرق الجاز التقليدية. ولعل أول من طور هذا الاتجاه: جيل إيفا نز، وغنتر شولر. وتأثر الكثير من مؤلفي الموسيقى الأوبرالية والسيمفونية بالجاز وإيقاعاته المثيرة، حيث وظف كلود ديبوسي (الراغتايم) في متتاليته الموسيقية: (زاوية الأطفال)، ووظفها سترافنسكي في حوارية كونشرتو إيبوني. كما استلهم موريس رافيل موسيقى البلوز وغيرها، في بعض مؤلفاته، مثل: سوناتا البيانو مع الأوركسترا. وكذلك، ميلهايود D.Milhaud في إبداعه لموسيقى: (ولادة العالم)، وجير شوين في مؤلفته: (رابسودي إن بلو). فكانت موسيقى الراغتايم، والبلوز، وغيرهما، بمثابة الجسر الذي يربط بين الموسيقى الكلاسيكية، وبين موسيقى الجاز.
 التطوير الفني
رغم ذلك، لم تختفِ الفرق الصغيرة وفن الارتجال بإيقاعات ساخنة راقصة. وكان عازف البيانو سيسيل تيلور، أول من نادى بالعودة إلى أصول الجاز القديم. إلا أنه لا يمكن تجاهل امتزاج موسيقى الجاز الأمريكي بموسيقى المكسيك والأرجنتين، وظهر ذلك في استخدام إيقاعات مبتكرة ورقصات جديدة، مثل: التانجو، والرومبا، والسامبا، والتشاتشا.. وغيرها، التي اعتمدت على إيقاعات الآلات الشعبية مثل: القرع، والشخاشيخ، والنقارات. وتطور عن البوغي ووغي، نوع آخر جديد وبارز، هو: الروك آند رول Rock and Roll وامتاز كرقص إيقاعي بتأخير النبر في إيقاعه، وبلغ القمة في الخمسينات، على يد مغنين شعبيين كثر، كان أشهرهم: ألفيس بريسلي.
في السبعينات، شهدت الحياة الموسيقية ألحان الجاز الشهيرة التي أطلق عليها، جاز النهضة (ريفيفال) وحملت في طياتها إحياء الأفكار التقليدية القديمة مع إضافة الجديد الذي يتناسب معها قلباً وقالباً. وانتشرت الفرق التي استخدمت الألوان المختلفة من الألحان الموسيقية، ومنهم: ثاد جونز، ميل لويس، وودي هيرمان، كونت بازي. وتحول الكثير من الموسيقيين الكبار، في ذات الوقت، إلى موسيقى الروك. وبعد السبعينات، ازدادت هذه الأنواع ابتكاراً لدرجة يصعب رصدها بدقة. خلال الثمانينات، أدخلت فرق الجاز الأدوات والآلات الكهربائية، واخترقت الموسيقى الإفريقية أنماط موسيقى الجاز، فسميت، فيما بعد، موسيقى: (الأفروبوب). وتدرب الكثير من الموسيقيين الكلاسيكيين على الجاز، منهم: الأخوان مارسيلز اللذان استخدما الآلات الكهربائية. الآن، ورغم انتشار موسيقى وفرق الجاز بين ذوي البشرة البيضاء بشكل عالمي منذ عشرينات القرن الماضي، إلا أن السود الأفروأمريكيين، ما زالوا يحتلون المرتبة الأولى في إبداعها وأدائها، شرقاً وغرباً.
 أشهر المبدعين
يعتبر الملحن وقائد الأوركسترا ديوك إليغنتون (1899 - 1974م) من أشهر عازفي البيانو في تاريخ الموسيقى عموماً، والجاز خصوصاً، حيث وظف الجاز في الكثير من إبداعاته، مثل: (الأسود) عام 1931م، و(البني والبيج) عام 1943م، وكان له فضل تجديد موسيقى خاصة بالجاز، وكذلك (البيبون)، و(السوينج).
من أشهر عازفي البيانو، كذلك، باسي كونت (1904 - 1984م) ورغم مهارته في موسيقى السوينج خصوصاً، شارك بأعماله معظم كبار الموسيقيين العالميين. أيضاً من أشهر عازفي الجاز العالميين: عازف البيانو والبوق/ مايلز ديفيس الذي درس الموسيقى في مدرسة (جوليارد)، وكان من أوائل عازفي موسيقى (الكول) عام 1949م، والحائز على جائزة أفضل ألبوم موسيقي والأكثر مبيعاً عام 1970م، وخلال عام 1971م، أستعيد إلى خشبة المسرح الوطني في لندن، ستاً وثلاثين مرة، بتصفيق كان يزداد حدة كل مرة. حيث كان للتصفيق الحاد هنا بعدد مراته الـ(36)، دلالات فنية عميقة، وهو نفس العدد، تقريباً، الذي أستعيد به العازف روستروبوفيتش على نفس المسرح وبنفس الكثافة، حيث قدم أولى حفلات عزفه في العاصمة البريطانية بعد هروبه من الاتحاد السوفيتي، وذلك لتضامن الجمهور معه سياسياً، فضلاً عن تقديره الفني. (فائق حمصي وإلياس سحاب: الترحيب بلغة عالمية، مجلة القافلة، العدد 5، المجلد54، أرامكو السعودية، أكتوبر 2005م، ص57 بتصرف)
حاز أفضل الألبومات مبيعاً، كذلك، ديزي جليسي (1917 - 1993م) كعازف للبوق وملحن وقائد فرقة موسيقية رائدة. ومن أشهر موسيقيي الجاز الأمريكيين في القرن الماضي، بيلي هوليدي (1915 - 1959م) والمغنية سارة فوجان (1924 - 1990م) بإبداعاتها في (البي بوب) خصوصاً. فضلاً عن لويس أرمسترونج القائد الموسيقي والعازف الشهير وضابط الإيقاعات (ريم ياسين: ص156). والكثير من المبدعين الذين كان لهم فضل نشر موسيقى الجاز عالمياً، مثل: إيلا فيتزجيرالد، وديزي جيلايسبي، وستان كينتون، وذلك من خلال أول مهرجان للجاز عام 1954م بتنظيم الموسيقي الشهير جورج ووين. ومنذ العام 1952م، تؤدى موسيقى الجاز من خلال ألحان وفرق رباعية، لعل من أشهر مبدعيها: فرقة الملحن الأمريكي جون لويس، وبي غرانغ، حيث أعيد تشكيلها وتجديدها عام 1981م. في الستينات، أسهم اختراع التليفزيون في نشر موسيقى الجاز، كما ظهرت أنواع جديدة، مثل: الجاز اللاتيني، والجاز الشرقي، والجاز الياباني. مع الوقت، أقيمت العديد من المهرجانات بتنظيم بعض الهيئات وشركات الإنتاج الفني، وبإشراف لجان تحكيم دولية تمنح الفرق الفائزة جوائز كبيرة.
 الجاز عربياً
منذ أوائل ق20، نظمت معظم العواصم العربية، المهرجانات السنوية لموسيقى الجاز، ولمع الكثير من الفنانين العرب فيها، واستطاعوا فرض ذائقتهم الفنية، وبصمتهم الإبداعية المتميزة. ففي العراق قدم المطرب العراقي الرائد: رضا علي، أغنية (الردته سويته/ شعندك بعد قول) من مقام بياتي وعلى نمط ألحان الجاز مستعيناً بإيقاع (الجه جه)، كما قدمت المطربة عفيفة إسكندر أغنية: (أنا ساكت وخلي الناس تحكيلك) على الإيقاع الشرقي بذات القالب اللحني.
وبإبداعه لألبومه الموسيقي: (جوزة على جاز)، حاز الموسيقار محمد قمر، على شهرة عالمية واسعة. وهو أيضاً، مؤسس فرقة المقام العراقي في هولندا، كما شارك في مهرجان الجاز العالمي بكندا. ارتبطت الجوزة بالموسيقى الشعبية العراقية لكونها نوعاً من الربابة، حيث وظفها قمر ليبدع من خلال موسيقاها، مقطوعات بأسلوب الجاز الغربي بمصاحبة فرقة الجاز الهولندية الشهيرة: (رباعي الطيور) مع مجموعة من موسيقيين من سوريا وأمريكا وسويسرا وألمانيا واليونان.. وغيرها. قدمت في البداية، كلاسيكيات الجاز العالمي، ولم تلبث أن قدمت إبداعاتها الخاصة التي تعبر عن هويتها، كما أعادت تقديم الموشحات القديمة.
في مصر، كان لتميز محمد عبدالوهاب بالتوليف من الموسيقى الغربية، دور كبير في استلهام بعض ألحانه من الجاز، مثل: (بلاش تبوسني في عنيه) على إيقاع (السلو روك) وانتقاله إلى الشرقي في (خلي الوداع من غير قبل)، وكذلك اللحن الراقص على إيقاع (السوينج)، ليه تشغل بالك/ مين يرحم حالك.
في سوريا، كانت قد تأسست منذ العام 2004م، أول فرقة عربية أوركسترالية لموسيقى الجاز، وقدمت حفلاتها في مهرجان (الجاز يحيا في سوريا).
وفي لبنان، أبدع زياد الرحباني، موسيقى جميلة باعتبار الجاز، ثقافة فنية جديدة نسبياً للشباب، لاسيما في إبداعه للعملين: (هدوء نسبي)، و(العقل زينة). رافضاً اعتبار الجاز موسيقى شرقية أو غربية، قائلاً: (ما نقدمه موسيقى فقط، موسيقى الشعوب التي تعبر عن معاناتها كي يستمتع بها البشر دون تصنيفات، ليس هناك موسيقى غربية وموسيقى شرقية). خصوصاً بعد تقديمه للعديد من الإبداعات مع فيروز، مثل: أغنية (كان غير شكل الزيتون)، و(عندي ولع فيك)، مازجاً إيقاعات (الجاز) بإيقاعات (الرومبا) و(الجه جه). وفي أغنية (كيفك انتي) مزج الإيقاعات الشرقية بإيقاعات (السلو روك) في الكوبليه الأساسي: (كيفك انتي.. ملا انتي..)، محاولاً (سحب زمن الإيقاع الغربي ووضعه في قالب الإيقاع الشرقي)، مدللاً بذلك، على معايير فنية وجمالية رفيعة. مبتعداً عن النمطية في أداء أغنية (زعلي طول أنا وياك) لحساب جماليات الصوت، حيث نلمح الصمت لأول مرة في بدايات المقاطع الحالمة، حيث تستقبل الآلة بصوتها الموجع الشبيه بموسيقى السود، ثم يظهر السحر في تمازج القالب اللحني للجاز مع شاعرية صوت وأداء فيروز.
في الأردن، يعتبر الفنان العازف عمر الغفير أول من أدخل وعزف موسيقى الجاز. شارك في الكثير من المهرجانات العالمية. وأسس فرقة Faccultyx وتعني الإحساس بالمكان والزمان في عقل الإنسان، حيث عزفت داخل وخارج الأردن. ثم أسس فرقة جديدة باسم: Faqirsynokicak وأصدر ألبوماً بالاشتراك مع عازف الساكسفون الأميركي نوح هوارد.
في سلطنة عمان، شكل الجيش فرقة للجاز، اعتمدت على آلات النفخ.
في فلسطين، نذكر على سبيل المثال، تجربة المبدعة دينيس خميس من الناصرة، حيث أتقنت الجاز، وتعلمه للآخرين. كما أسس رمزي أبو رضوان، فرقة (دلعونا) عام 2002م لتقريب الشرق بالغرب من خلال موسيقي الجاز، وتضامناً مع القضية الفلسطينية، ونشرها عالمياً. وعلى الساحة العربية عموماً، قدمت سميرة سعيد أغنيتها الناجحة: (أنا أحب الهوا والناس)، وهي لحن جاز خالص، لعبت قدرتها الصوتية دوراً كبيراً في نجاحه، كما تجلت فيه القدرات الإبداعية للملحن المثقف محمد ضياء الدين، من خلال الالتفاف والتبادل على إيقاع (الروك) القريب من إيقاع (السوينج).
وهناك الكثير من الإبداعات العربية التي لا يتسع المقام لاستعراضها تفصيلياً، حيث وظفت ودمجت الموسيقى الفلكلورية لمعظم البلدان بقوالب الجاز التقليدية. مما يؤكد أن الموسيقى لغة عالمية توحد العالم، وتربط الشرق بالغرب، لا تعترف بالحواجز، تؤمن لفنون التأليف الموسيقي والغنائي والأداء الحركي، أن تتواصل على المستوى الحضاري، فضلاً عن تعميقها للعلاقات الإنسانية، وإثرائها للساحات الثقافية والفنية بالمزيد من الإبداعات.
ذو صلة