مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

جماليات المهمل في معرض (حلاوة زمان) لسماء يحيى

لا تكف الفنانة الشابة سماء يحيى عن دفع تجربتها التشكيلية وابتكار أشكال جديدة مفاجئة، تعيد النظر من خلالها في مفهوم المادة الفنية، وعلاقة الفن بتضاريس الواقع والحياة، متخذة من التراث الشعبي نقطة مفصلية للقفر إلى ما فوق الواقعية، واللجوء إلى فضاء بصري حر مفتوح بحيوية على أسئلة الماضي والحاضر والمستقبل، وهو ما تبلور على نحو خاص في معرضها (حلاوة زمان) بمتحف محمود مختار، مشكلاً خلاصة مغامرة بصرية من البحث الدؤوب عن علاقات جمالية غير مألوفة، وكسر إطار العرض التقليدي.
فعلى عكس معارضها السابقة، خاصة (ساعة مغربية) و(فرحة)، حيث كان الرسم لا يبرح قماشة اللوحة؛ في هذا المعرض ترسخت لديها قناعة أخرى تبدو أكثر حيوية، وهي أن الصورة أو الشكل الفني ليس بالضرورة أن ينمو ويتفاعل داخل قماشة اللوحة، بل من الممكن أن تخلق الصورة خارج حدود هذه القماشة، من نثريات الحياة وكراكيبها وفوضاها وسقط متاعها المهمل المطمور تحت ركام الزمان والمكان.
مثل الرسم على قماش الخيامية، واختبار الفنانة لرسومها التصويرية على خامته القديمة بزخارفها وإيقاعها الشعبي عتبة أولى في هذه المغامرة، طعمتها في معرض سابق بمجموعة من العرائس المنحوتة من قطع خشبية هجين في محاولة لابتكار حلول للفراغ من داخل العمل نفسه وما يفور في مسامة، بعيداً عن النظرة التقليدية لعلاقة الكتلة بالفراغ الخارجي المحيط بها.
 حطمت سماء يحيى كل هذا، وبجنون فني في هذا المعرض، واخترقت أشكالاً شتى من الفن، بداية من الخزف الفخاري والنحت بالطين المحروق، والنحت على الخشب والرسم والتصوير، وحتى التجهيز في الفراغ، كاشفة في رؤيتها عن بصيرة فنية عميقة، تعلق بها إيماءات حضارية وتراثية موحية، من الفن الفرعوني والقبطي والإسلامي. أيضاً ما يمكن أن أسميه (فن الأرض)، حيث يحضر تراث الفلاح المصري بأدواته الأثيرة، المنجل والفأس والمَحَشَّة. كما تحضر الحياة المصرية في بيئتها الشعبية العريقة خصوصاً المولد بأفراحه وألاعيبه وأراجيحه، وعالم الطفولة بأحصنته الخشبية وطائراته الورقية الملوَّنة، وخيوطها التي تبدو وكأنها تشد الأعمال إلى براح السماء. وتحضر مناخات الأسرة، في مجموعة من المفردات الحميمة تظل قابعة في الوجدان الثقافي والاجتماعي، كأحد المكونات الأساسية للهوية وعلاقتها بما يلوح في جعبة المستقبل. من هذه المفردات: ماكينة الخياطة العتيقة، الراديو القديم، كنكة القهوة والسبرتاية، سروج جلدية وعجلات عربات كارو، تروس وسلاسل ومفاتيح وأقفال، أطباق وأوان، وأدراج، سلال من الخوص، أسياخ، وكتب صفراء مطوية، أيقونات ولعب منزلية صغيرة، واجهات حديدية لشبابيك قديمة.. كما تلجأ في بعض الأعمال إلى تجميع عدد كبير من هذه المفردات، وتنظيمها، في شكل كتلة كبيرة، تتراص بتناغمات فنية فوق ظهر سفينة، وكأنها في عملية ترحال متواصلة في الزمن. بيد أن اللافت هنا أن كل هذه المفردات كانت تؤدي دوراً في منظومة حياة تجاوزها إيقاع العصر اللاهث تحت شره المتناقضات وثقافة الميديا والعولمة، ولم يلتفت إليها كأثر للروح والخبرة الإنسانية، ينطوي على مخزون خصب للذاكرة والوجدان.
ومن ثم، لا تأتي أشكال سماء يحيى ومغامرتها من الفراغ المحض، وإنما تحاول أن تستعيد حياة، كان لها تجسدها، وعبقريتها المعجونة بالبساطة والتلقائية، ومحبة الجمال والخير، في خطى البشر والطبيعة، وعلاقة الإنسان الصافية الفطرية بنفسه، وبالآخر من حوله.
تنعكس هذه الروح على أغلب الأعمال بالمعرض، حيث يتحول تحت عباءتها إلى ملعب مفتوح، فكل عمل يبتكر الشكل الذي يتجسد فيه، تاركاً مساحة حية لمزاج ومذاق المشاهد للعب والتحاور معه بعفوية وطفولة شيقة ونزقة أحياناً، فمثلاً ليس ثمة هوية فنية محددة لفكرة السطح وتركيباته المتنوعة المباغتة، فهو تارة يبدو محلقاً في الفراغ في بعض الأعمال، وتارة أخرى، يبدو مشدوداً إلى القاعدة التي تحتضن التكوين، وأحياناً نراه يهرب من تقليدية وبرودة السطح، متداخلاً إلى حد الانعجان مع الشخوص والأشكال، يلوذ بها، ليصبح حجراً صلداً في بنيان مرصوص، يقاوم خطى الزمن الغليظة، من أجل أن تبقى لحظته هذه شَارةً على أن زمن الإبداع لا يحد ولا ينتهي.
 تتوالد الأشكال والشخوص من نسيج بعضها بعضاً بعفوية وسلاسة شديدتين، ورغم تفاوت الأحجام بينها إلا أن كل قطعة مهما صغر حجمها تلعب دوراً مهماً في انعكاسات الحركة والظلال على الشكل، فأحياناً نراها تلتصق بالكتلة الأكبر، من أسفل القاعدة، أو من الوسط، أو تتناثر في الخلفية والأجناب، كاسرة العلاقة النمطية بين خط الأفق في الأعلى وقاعدة العمل في الأسفل وكأننا إزاء خط واحد شفيف، أحياناً له قوس قزح أو قوس الكمان، وأحياناً نحس به ذبذبة الموجة التي تنكسر على الشط لتستعيد قوتها.. يساهم هذه التفاوت في أحجام الشخوص أو بمعنى أدق (التماثيل) في خلق مساحات من التنوع للفراغ داخل الكتل المتراصة، لتتنفس بحيوية، كما يعزز انبثاقات الضوء واللون، ما يعطي إحساساً بأن لجوء الفنانة إلى تلوين أشكالها النحتية بصباغات لونية خاصة من البني والأصفر الذهبي اللذين يوحيان برائحة التراث والقدم، كان ضرورة فنية لإثراء الشكل، وتشكيل ملامح إدراك جديدة للعمل الفني، بعيداً عن التكرار والاستطراد والزخرفة المجانية.
 تشملك هذه الذبذبة النغمية بحالة من الشدو الشجي، وأنت تتجول بالمعرض، متأملاً القطع النحتية والخزفية الصغيرة المرفوعة على قواعد خشبية ممعنة في فطريتها، وكأنها حركة أو تفصيلة في لحن كبير، فتردد بينك وبن نفسك أغنية قديمة، ترى فيها نفسك، بعيداً عن العقد السميكة في الزمن والبشر والحياة.
 لقد نجحت سماء يحيى في أن تمنحنا هذه المغامرة البصرية الشيقة ببساطة موحية، وجعلتنا نعيشها ونستمتع بها بحب وفن.
ذو صلة