مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

تداخل الأجناس الأدبية.. الرواية تغذي المسرحية

تروم هذه الدراسة مقاربة نزوع الأجناس الأدبية للتداخل، ذلك التداخل الذي يتجلى في أبهى صوره بين الرواية والمسرح، باعتبارهما جنسين أدبيين لم يكفا منذ نشأتهما المبكرة عن مد جسور التبادل والتلاقح بينهما، إذ لطالما أمدت الرواية المسرح بعناصر سردية تتصدر مَشَاهده، ولطالما اخترق المسرح الرواية بعناصر درامية تكسر رتابته، دون أن يدمر أحدهما خصوصية الآخر، أو يلغي استقلاليته الإبداعية وتميزه النوعي.
الرواية والمسرح
الرواية والمسرح، نوعان أدبيان تعايشا وتطورا جنباً إلى جنب منذ فجر تاريخ الأدب. لقد خرجا من مشكاة واحدة، ظلت تلهم المبدعين من الثقافات المختلفة على مر العصور، ألا وهي الملحمة. ذلك أن الروايةَ سليلةُ الملحمة، نشأت نتيجة تحويل السرد الشعري إلى سرد نثري، مع المحافظة على عنصر الطول بخصوص المتن. مما يعني امتداد زمن الحكي الذي غالباً ما يصاحبه امتداد زمن المحكي نفسه. ذلك ما ألمح إليه ميخائيل باختين (M.Bakhtine) الذي يرى أن (الرواية قد وُجدت حين انشطر عن السرد الملحمي الذي يقدم صورة ثابتة عن شكل العلاقات بالماضي شكل آخر يظهر الإنسان في مستقبله المحتمل. وبهذا المعنى، فإذا كانت الإلياذة ملحمة، فإن الأوديسا أقرب إلى الرواية).
نفس الشيء ينطبق على المسرح، فهو سليل شرعي للملحمة، التي تشذرت في المخيال التراثي الإغريقي إلى أساطير، هذه الأساطير التي اتخذت في بداية نشأتها بعداً شعائرياً (rituel) قائماً على أدائها في جو مهيب، ضمن حشد من الحاضرين. تطورت الأساطير ليتحول الأداء مسرحاً، والحضور إلى جمهور يملأ المدرجات...
ومن ثم فلا عجب أن تشترك الرواية والمسرح ويحصل التواطؤ بينهما في مجموعة من العناصر الإبداعية، أو المفاهيم النظرية، أو الإجراءات النقدية. دون أن يعني ذلك إلغاء أحدهما للآخر، أو ابتلاعه كلياً، إذ رغم وحدة المصدر الذي انبثق عنه كل من الرواية والمسرح، فإن كلا منهما عمل على اقتناء خصوصيته، وتحصين عناصر استقلاليته، التي تجعل من أي منهما جنساً أدبياً قائم الذات، دون أن يمنع ذلك من التداخل بينهما باعتبارهما جنسين أدبيين أصيلين، تطورا متجاورين جنباً إلى جنب.
 إنه تداخل لا ينزع إلى محو الفواصل بينهما كما تذهب إلى ذلك بعض الدراسات المتسرعة بقدر ما يعبر عن انفتاح النص الأدبي ومرونته، وهكذا يمكن حصر عناصر التداخل بين الرواية والمسرح في مصدرين أساسيين هما:
أ- عناصر ذات علاقة بوحدة الأصل، وانبثاقهما عن التراث الملحمي الإنساني.
ب- عناصر ذات علاقة بالتلاقح بين الجنسين، وتبادل التجربة الإبداعية، وما ينتج عنهما من استدماج في هذا الاتجاه أو ذاك.
الرواية تغذي المسرحية
 مرت علاقة المسرح بالرواية من حيث تأثره بها، واستثماره لعناصرها كلا أو جزءاً، بمراحل يمكن إجمالها في:
أ‌.المسرح الإغريقي:
 الانفصال بين المسرح والحكي ولو على المستوى النظري، كما ورد في تعريف التراجيديا عند أرسطو: (محاكاة فعل تام جاد في ذاته. له طول معين في لغة ممتعة...، وتتم هذه المحاكاة في شكل درامي، لا في شكل سردي، (...)). يطغى على هذا التحديد هاجس الفصل بين الأجناس الأدبية، من خلال جرد الخصائص النوعية لكل من الملحمة والمسرحية، والتي اتخذت صبغة المعيار.
ب. المسرح الكلاسيكي:
 الاستعانة التكميلية/الاضطرارية بالحكي كما يقرر راسين (Racine): (إن إحدى قواعد المسرح إن ما لا يمكن إظهاره يتم حكيه)، وهو ما أضحى يعرف في الأدبيات الكلاسيكية بالرؤية عبر الجدران (teichoscopie: vision à travers les murs). وبهذا فقد عمل المسرح الكلاسيكي مع عصر النهضة، على استعادة المجد التاريخي لكبار شعراء الإغريق سوفوكلواسخيلوسويوربيديس، وفقاً للوصف الدقيق الذي خلد من خلاله أرسطو أعمال هؤلاء الشعراء، الذين كتبوا المسرح شعراً درامياً رائقاً، من خلال كتابه حول التراجيديا الإغريقية (فن الشعر). لقد عمل المسرح الكلاسيكي على مطابقة أصله الإغريقي، بحيث اقتصرت المغايرة الوحيدة على حلول النثر محل الشعر. وبهذا ظل السرد هامشياً لصالح الدراما.
ج‌.المسرح الملحمي:
 غزو الرواية الكبير للنص المسرحي البريشتي: حضور الراوي، تصدير الحكاية، استثمار الوقائع التاريخية... ويرجع السبب في ذلك الغزو إلى التغييرات الثورية التي أدخلها بروتولد بريشت (B.Brecht)، على قواعد الشعرية الأرسطية، يأتي في مقدمتها رفضه لمفهوم (التطهير)، وإحلاله لإبدال جديد أطلق عليه اسم (التغريب)، يقول بريشت في وظيفة هذا المفهوم: (يحول مفعول التغريب موقف التوافق المبني على المطابقة إلى موقف نقدي، الصورة المغربة هي صورة تعرفنا على الأشياء بطريقة ما، ولكن تقدمها لنا وفق مظهر غريب في نفس الوقت).
 ولتغريب موقف أو حدث معين، يعتمد بريشت الزمن الماضي في عرض الأحداث، ليمكن الجمهور من اتخاذ مسافة مما يعرض أمامهم، ويمنعهم من الاندماج، ويوحي لهم بعدم حتمية المعروض أمامهم، يقول حسن المنيعي: (... والتغريب إذن يعني التأرخة، أي تصوير الحوادث والأشخاص كحالة تاريخية تخص الماضي، والشيء ذاته يمكن أن يحصل مع الناس المعاصرين، إذ يمكن تصوير مواقفهم على أساس من ارتباطها بالزمن وكونها تاريخية تخص الماضي، ... ما نكسب من هذه الطريقة؟ إن المتفرج لن يعود يرى الناس ثابتين، وغير خاضعين للتأثير، ومستسلمين وعاجزين أمام أقدارهم، إنما يرى الإنسان على هذه الشاكلة لأن الظروف على هذه الشاكلة. وأن الإنسان ليس فقط قابلاً للتطور كما هو، وإنما بشكل آخر أيضاً، مثلما يمكنه أن يصير، كذلك يمكن للظروف أن تكون قابلة للتطور بشكل مختلف كما هي عليه).
 إذن، يقوم المسرح الملحمي على سرد الماضي، سواء كان هذا الماضي تاريخياً حقيقياً، أو كان اختلاقاً تخييلياً، ومن ثم يأخذ مسافة مقدرة من المحاكاة الدرامية للحدث، التي تقوم على (إبراز الطبائع المماثلة أو المتعارضة فيما بينها، وكذا تحريك الأحداث الدرامية، انطلاقاً من مصير إنساني عام ومعروف ينسحب على الأفراد، كما كانت تعني أيضاً التسلسل المنطقي والمتطور للمَشاهد). يقلب بريشت هذا القانون، فيكسر الحواجز بين الدراما والسرد، وينتصر لفنون الحكي ويعطيها الأولوية في مسرحه، ليقترب به إلى حد المطابقة مع السرد الملحمي، فإذا كان المسرح قائماً منذ نشأته على الصراعات بين الشخوص التي تعرض أمام المتفرج هنا والآن، مستهدفة إيصاله إلى أقصى درجات الإيهام، (فإن بريشت يرى عكس ذلك، إذ إن المسرح بالنسبة إليه لا يعتبر حدثاً أو تحريكاً لهذا الحدث الدرامي، وإنما هو سرد وتحريك النظام للحجة الجدلية). إنه مسرح يروي الحدث ويسرد تطوراته أكثر مما يجسده ويحاكيه، لينتقل بالمتفرج من مستوى الانفعال بالحدث، إلى مستوى المتفرج المتأمل والناقد، الذي يترجم مواقف وسلوكيات.
 لا يقف بريشت بسردية مسرحه عند المحتوى الحكائي، والتيمات القصصية، بل يتجاوز ذلك بإدخال تعديلات على مستوى الشكل المسرحي، تروم تطعيمه بتقنيات سردية. وتتجلى أهم تلك التجديدات الشكلية ذات الأصل الروائي، والتي وجدت طريقها إلى المسرح الملحمي، اعتماد الراوي (Le narrateur)، والذي يأخذ موقعاً متميزاً في المسرح الملحمي، (يصف بريشت الراوي بأنه (يقوم مقام المونولوج، فهو يعبر بالكلام عن صراعات الشخصيات الداخلية في لحظات اتخاذ القرارات) والراوي ليس وسيطاً فقط بل إن له موقفاً من الأحداث، وهو يعلق عليها، فبالرغم من وقوفه خارج الأحداث إلا أنه ملتزم ومتجاوب معها داخلياً (...)، فالراوي بمثابة الوسيط والمكون لنوع من البعد بين الجمهور والمسرح في ذات الوقت لتوسيع حدود المسافة الجمالية، والقضاء على أي فرصة للاندماج)، وذلك عن طريق كسر الإيهام من خلال رواية الأحداث بدل عرضها، وهكذا فإن المسرحية الملحمية تعتمد في لحظات محددة -تتخلل المشاهد- تقنية السرد، فتَنْقُل العالم مصفّى عبر وعي السارد الراوي.
لا يتوقف تمثل المسرح الملحمي للرواية عند عنصر الراوي فحسب، بل يتعدى ذلك إلى الممثل الذي يبتعد عن التشخيص الدرامي، وتقمص الشخصية والاندماج في عوالمها، ليأخذ موقع الحكواتي الذي يحكي قصص الغير، (ويروي علينا أفعال أشخاص آخرين، في لحظة ما من الزمن الماضي، فالممثل هنا أشبه برجل يعيد على مسامعنا حادثة رآها تحدث لشخص آخر، وهو يعيد علينا روايتها، دون اندماج، وذلك حتى يتيح فرصة للنقد)، فيحافظ على يقظة المتفرج، وإبعاده عن وظيفتي التراجيديا الأرسطية المتمثلتين في الشفقة والتطهير.
 لقد أبدع المسرحي المغربي عبدالكريم برشيد في استثمار هذه التقنية داخل نصوصه، وعلى الخصوص من خلال أحد إبداعاته المتأخرة، وهي المسرحية التي صرح في عنوانها بالطبيعة الحكائية للنص، الذي جاء يحمل عنوان (الحكواتي الأخير)، يقول في استهلالها على لسان الشخصية الرئيسية:
(أنا ابن ذي يزن
من فرع ذي يمن
ملكت من حد صنعاء إلى عدن
(الراوي): لقد ظل يتحدث أعواماً، طويلة، والناس يسمعون، وكانت الساعات تمضي بطيئة والنفوس هادئة مطمئنة، حدثهم عن سيف بن ذي يزن وعنترة العبسي وعن الظاهر بيبرس وعن حمزة العرب وعن ذات الهمة وعن دليلة المحتالة وعن الزيبق وعن تغريبة بني هلال..
 نعم. أنا آخر الحكواتيين، وهذه الليلة هي آخر ليالي الحكي، ورثت حرفتي عن أجدادي، ورويت للناس نفس الروايات. كانوا أسعد حظاً مني، فقد جاؤوا الزمن في عزه، وجئته أيام انكساره. آه.. كان الله ويبقى الله ولا يدوم إلا وجه الله..).
د‌. المسرح المعاصر:
يتسم المسرح الطلائعي بالجمع والتنسيق بين عدة خطابات، كما أنه يتسع أيضاً للجمع بين أجناس أدبية مختلفة تحت عباءته، إذ (النص المسرحي يمكن أن يكون شعرياً، وقد كان كذلك عند ولادته، كما يمكن أن يكون نثرياً، وفي كلتا الحالتين يمكن أن يكون إقناعياً أو تحريضياً أو أخلاقياً أو سياسياً إلخ… وربما كان سردياً...). الأمر الذي نتج عنه تسريد المسرحية باستدماج أنواع حكائية متنوعة، القصص التاريخية، الحكايات الشعبية، الخرافة، الأسطورة، المونولوج...
وقد يجمع الحوار المسرحي كل ذلك في نص واحد وتحت عنوان واحد، ونحن لا نجازف بهذا التعميم، ذلك أن محمد الكغاط، يقر بمغامرة هذا الطرح، لكنه يمضي فيه إلى مداه، إذ يقول: (فهل يمكن أن نغامر، بعد هذا ونضيف إلى المسرح صفة أخرى زيادة على أبوته للفنون، فنقول: إن المسرح أبو كل أنواع الخطاب؟ أعتقد أن المسرح يتسع لهذا ولأكثر منه...).
 وفي نفس السياق تؤكد آن أبرسفلد (Ann Ubersfeld) أن المسرح (يأبى الشكل النقي، ولا يقبله كخاصية له، (بل بالعكس) إنه يشحن أنماطاً من الكلام، وأجناساً متعددة. فتبعاً لاصطلاح باختين (M.Bakhtine) المسرح عبارة عن (جنس ثانوي)).
 أما فيما يخص علاقة المسرح بالرواية، وإفادته مما تتيحه من مضامين حكائية وعناصر سردية فيقول السيميولوجي الكبير وخبير المسرح الفرنسي والعالمي باتريس بافيس (P.Pavis) في معجمه: (تستطيع الرواية -دون خوف على تدمير الخاصية المسرحية للعمل الدرامي- أن تأخذ أهمية كبيرة جداً داخل جسد المسرحية)، وذلك في معرض تعليقه على المحاولات التجريبية التي ما فتئ يرتاد آفاقها المسرح المعاصر، إذ تأتي تجارب أدرمة (dramatisation) الرواية في مقدمتها.
 إنها محاولات جادة يعمل المسرح الغربي على خوض غمارها، في إطار بحثه المتواصل عن التجديد متوسلاً إلى ذلك بالتجريب الدائم، وذلك من خلال كتابة المسرحية بنَفَس روائي، وخصائص سردية مهيمنة. أو اختصار الطريق، وتحويل نصوص سردية، وإخضاعها لشروط الكتابة الدراماتورجية، التي تضع نصب عينيها إكراهات الخشبة وظروف الإخراج. وهو ما اصطلح عليه غربياً بالأدرمة أو المسرحة (théâtralisation) التي تعني حسب إبرسفلد (Anne Ubersfeld) (تحويل نص سردي (رواية أو ملحمة) إلى نص يمثَّل على الخشبة). ليبرُزَ نوع مسرحي جديد عُرف بالمسرح الروائي.
المسرح الروائي: théâtre –récit
 تفرض الترجمة الأمينة استعمال مصطلح (مسرح السرد)، لكننا سنحافظ في هذه الدراسة على الاصطلاح الأكثر تداولاً في حقل الدراسات النقدية العربية، ويتعلق الأمر بمصطلح (المسرح الروائي)، الذي يدل على تحويل الرواية إلى مسرحية، عبر إعادة كتابتها دراماتورجياً، وإخضاعها لإكراهات الخشبة واختيارات الإخراج. وهي تجربة وجدت صدى واسعاً في الوطن العربي، كان لها دور مهم في تقريب الرواية من الجمهور العريض، ذلك ما تعبر عنه الناقدة المصرية نهاد صليحة، وتتحمس له قائلة: (لو كان الأمر بيدي لخصصت داراً مسرحيةً دائمة لتقديم أعمال نجيب محفوظ على مدار العام، ولوضعت مسؤوليتها بين يدي شاعر الإخراج المسرحي سمير العصفوري، وذلك حتى يتأتى للبسطاء من عامة الشعب، ممن يجهلون القراءة، أن يدلفوا إلى عالم هذا الكاتب الساحر ويتعرفوا عليه حقاً كما جسده العصفوري على خشبة الطليعة). وذلك بعد حضورها للعرض المسرحي عن رواية (يوم قتل الزعيم)، والذي أعده للمسرح السيد طليب وأخرجه سمير العصفوري سنة 1979. وهو العرض الذي تجاوز المحاولات الفاشلة التي تشوه النصوص الروائية، نظراً لافتقاد المعدين للعدة المفاهيمية والتقنية الكفيلة بنجاح المهمة، إذ (لا يمكن أن نتصور اقتباساً روائياً دون فهم حقيقي لآليات السرد الروائي، وما يمكن أن يفيد به المسرح، وخاصيات المسرح أيضاً. في معظم ما يقدم عربياً، نلحظ هذه النقيصة التي تحجم من الفعل المسرحي. على الرغم من نبل الفكرة والنجاح العام الذي حققته النصوص الروائية الممسرحة، إلا أن الكثير من الجهود الروائية تمّ تسطيحها بشكل أفقدها إبداعيتها وجوهرها).
 هكذا تستجيب الرواية لغواية المسرح وأضواء الخشبة وبريق العرض، فتنتقل من سكون الأريكة إلى ضجيج القاعة وحركية الممثلين، فيتسع أفقها الإبداعي، إنها تنفتح على شريحة جديدة من المتلقين، والتي تتشكل أساساً من رواد القاعات المسرحية. كما يستفيد المسرح من شهرة بعض النصوص الروائية، وكذا من الصيت الذائع لبعض الكتاب الروائيين، لإنتاج مسرحيات تغني ربرتوارالتأليف المسرحي، الآخذ في التآكل، إذ رغم وفرة الإنتاج المعاصر إلا إنه يفتقر للأسماء اللامعة التي تحظى بها الرواية، وذلك منذ أفول شمس الرواد الكبار إلا من بعض الاستثناءات. (هذا الجفاف في غياب النص المسرحي العربي دفع بالكثير من المسرحيين إلى التوجه نحو جنس يبدو، في ظاهره على الأقل، أكثر توهجاً: الرواية. هناك حركة روائية عربية كبيرة، ومتنوعة وواسعة، تنبه لها بعض المسرحيين الذين اجتهدوا في اقتباس العديد من الروايات ركحياً، بعد أن أخضعوها للتقنية المسرحية بالوسائط الفنية المعروفة).
 يتحدث الأعرج بإعجاب حذر عن التجربة الجزائرية في مسرحة الرواية، والتي تناولت أغلب الروايات الرائدة في هذا البلد، كنصوص مولود فرعون وكاتب ياسين ومحمد ديب عن الفرنسية، والطاهر وطار وواسيني الأعرج وغيرهم عن العربية، ليس آخرها مسرحة رواية (أنثى السراب) لواسيني الأعرج، من طرف الكاتب المسرحي الجزائري مراد سنوسي، التي كان لها دور كبير في مشاركة رؤية الكاتب الروائي للعنف الذي ضرب الجزائر مع الجمهور المسرحي، رغم صعوبة نص الأعرج وإغراقه في السرد.
 وهكذا، لا نكاد نجد تجربة عربية مسرحية ناضجة إلا والتجأت إلى مسرحة الرواية، كما هو الحال بالنسبة للعراق، حيث انطلقت هذه المحاولات مبكراً، نذكر مثالاً على ذلك مسرحة رواية (الشياح) لكاتبها الكويتي إسماعيل عهد إسماعيل، والتي أعدها للمسرح وأخرجها الفنان فاضل خليل خلال الموسم المسرحي العراقي: 1976 - 1977.
 كما نقف بإزاء المسرح المغربي على محاولات متعددة لمسرحة الرواية العربية والمغربية، تجلت أولى تلك التجارب في مسرحة عبدالكريم برشيد لرواية (زقاق المدق) للروائي نجيب محفوظ، والتي أخرجها بنفسه سنة 1973. وليس آخرها مسرحة رواية (الخبز الحافي) للراحل محمد شكري، من قِبَل الكاتب المسرحي الزبير بن بوشتى (مؤلف المسرحية، وصديق محمد شكري، ...، (الذي) اشتغل على تجربة محمد شكري وحياته وكتابته، من زاوية ذريعة جميلة ومتميزة. لقد تجنبت مسرحية (رجل الخبز الحافي) كمائن البيوغرافيا، واختار المؤلف ذريعة تقسيم محمد شكري إلى شخصيتين، شكري الشاب الضائع، ماسح الأحذية، التائه بين المقابر وسماه (ري)، وشكري الكاتب المشهور والمعترف له بذلك وسماه (شك) وبينها وقفت شخصية ميرودة، لتلعب دور فتاة الحان تارة، ودور الأم تارة أخرى، ودور قَيِّمَةِ المقبرة في البداية والنهاية).
 هكذا، تتعدد أشكال إفادة المسرح من الرواية، لتدل على اتساع نطاق التناص بين هذين النوعين الأدبيين، إذ لا يتخذ التداخل بينهما اتجاهاً واحداً ينحصر فيما يقتبسه المسرح من الرواية، بل إنه كثيراً ما يتخذ اتجاهاً معاكساً، فنجد المسرح يغذي الرواية بعناصر شتى.
ذو صلة