نغمات بيانو حنون، فردية وبسيطة الإيقاع، تدخل القلب فور سماعها، يأتينا صوت عميق في سواد الشاشة وكأننا سنعتمد في متابعة هذا الفيلم على حاسة السمع، يريد الصوت الخارج من بطن السواد أن يتحدَّث ويتعامل مع الناس، يحدثهم ويحدثونهم ثم يفتح المشهد فجأة على مساحة شاسعة وإضاءة باهرة، وكأن أحدهم يحمل كاميرا خاصة على كتفه. هذا هو أول ما يطالعنا في فيلم (At Eternity›s Gate) (عند بوابة الخلود) المُنْتَج عام 2018، أخرجه المخرج والرسام وكاتب السيناريو (جوليان شنابل) والذي اشترك في تأليف الفيلم مع (لويز كوجلبيرج) و(جان كلود كاريير).
إن المفتتح يقول إن العين تتجوَّل في المحيط الكوني وهي تلتقط الصور وتسجلها، ولكن بانتقاء، فقد تركت الكاميرا العين كل شيء وركَّزت على امرأة ملامحها ريفية تبدو حزينة، وحين تقع عليها عينك تظن أن وراءها قصة وحكاية، يريد الصوت العميق الذي لا نعرفه حتى الآن أن يرسمها، لكنها تتساءل لماذا؟ مِنْ هذا السؤال، لماذا يريد أن يرسمها يبدأ الفيلم في الحركة ويظهر العنوان.
الفنان (وليام دافو) الذي قام بدور فنسنت فان جوخ، أجاد الدور بإتقان حتى تتصوَّر أنك تشاهد فان جوخ يمارس حياته الطبيعية، كأنه تسجيل حي لفنسنت فان جوخ، استطاع تقمُّص الشخصية بأبعادها النفسية، بعلامات القلق الطبيعي أثناء البحث عن فكرة للرسم، وأثناء الشغف بتواجد لوحة ما، وأيضاً أثناء الرسم، علامات الجدية المتوترة، والاندماج الكامل مع الفرشاة ولوحة الرسم بارتعاشات أعصاب الجفن، ورجفة اليد، كلها جعلتنا نشاهد حقيقة فنسنت فان جوخ. لقد أَتْقَن الانفعالات، بات واضحاً على الشاشة أنه شخص متوتر، انفعالي، ليس مجنوناً، لقد رأينا فان جوخ في عين ووجه (وليام دافو) كان اختيار هذا الممثل موفقاً جداً لهذا الدور. حتى روعة الابتسامة النادرة التي أفلتت من وجهه بعد أن قَطَعَ أذنه كهدية لغوغان، أجاد المخرج في تتبع حركات يده، وتعبيرات وجهه فظهر الفيلم طبيعياً، كقطعة من نهايات حياة فنسنت فان جوخ.
ألوان المشاهد متناسقة بشكل غريب، كل مشهد عبارة عن لوحة متحركة، ننتقل في المشاهد مع حركة قدم فنسنت، حركته تعني انتقال البصر والعين لمشهد آخر، نجح المخرج في التقاط ألوان ولوحات مبهجة رائعة تتناسب تماماً مع روح الشخصية التي يتعامل معها، فالفيلم عن فنان يرسم الطبيعة، بل يرسم روح الطبيعة، فمن هنا حاول المخرج بكل جهده أن ينقل روح وعين فان جوخ ونظرته للطبيعة، لقد نجح بالفعل في أن يجعلنا نحب الطبيعة، ونحب المناظر التي عثر عليها بمهارة الكاميرا في التقاط زوايا رائعة للطبيعة، جعلنا نتمنَّى أن نرى هذه الأماكن على حقيقتها كما رآها هو وصوَّرها. كانت الكاميرا في أحيان كثيرة وغالباً هي عين فان جوخ، وكأن فان جوخ هو الذي يصور الفيلم، يحمل الكاميرا ويُرِينا الطبيعة كما رآها وكما صوَّرها ورسمها، بل كما انطبعت داخل مخيلته.
جاءت ألوان الفيلم متناسبة تماماً مع أزياء الممثلين، فالخلفية تتناسب مع ألوان الملابس كثيراً، تتناسق في جمال بصري مع ألوان الإضاءة، لون الحوائط والإضاءة والملابس أعطت للعين راحة ومتعة بصرية. ففي مشهد متميز لعباد الشمس الجاف، كانت الألوان جميعها في الطبيعة المحيطة تميل للون البني، في لوحة طبيعة من صنع الخالق سبحانه، قَدَم فنست تنتقل من هذه الحياة الميتة لحياة الخضرة، للون الأخضر ثم للسماوي، حتى الطاقية التي كان يرتديها كانت ألوانها مبهجة، ألوان ساحرة في مشاهد جميلة متتالية يبحث فيها عن لوحة يرسمها، ونحن نكاد نقول له إن كل هذا يصلح للرسم، كل ذلك نتابعه من خلال همس البيانو الرقيق الحسَّاس بدقات ناعمة، يجلس ليبحث عن منظر يرسمه، يجري، ويجري، يتنفس الطبيعة ويرفرف وينام على ظهره ويرى السماء، ويضع على وجهه تراب الأرض كي يشم رائحة الحياة، يتنفس الطبيعة ثم يبدأ في رسم منظر يخصه هو وحده، لقد رأى ما يشع داخله وبدأ في إخراج إبداعه. كان يبذل مجهوداً كبيراً في الصعود لأماكن مرتفعة كي يرى الأجمل في الطبيعة، كي يرسم ما لم يره أحد، يبحث عن خلود المنظر. يحبس اللون لاصطياد البهجة.
من المشاهد البصرية الممتعة، على كثرتها، مشهد ساعة الغروب وقد تحوَّلت الألوان إلى الأحمر الرائع الممزوج بالأصفر، كأن الكون صار برتقالياً خالصاً، لون شعره، ولحيته، حتى المعطف الذي كان يرتديه، الطبيعة أعطتنا الألوان البديعة، وهو وسط الخضرة نرى كل شيء أخضر، في تمازج بين ألوان الحياة وبين ملابسه وبين ضوء الطبيعة الذي كان هو يريد اصطياده. وسُئِل: (لماذا ترسم الزهور، فالزهور الحقيقية أجمل؟) أجاب: (معك حق، لكن هذه الزهور سوف تذبل، وتتلاشي، كل الزهور تفعل ذلك، لكن زهوري سوف تقاوم).
مشهد رسم الأشجار الذي تم عرضه على الشاشة بالأبيض والأسود كان باهراً مُرِيحاً للعين وسط هذا الزخم من الألوان البديعة، لم يكن الأبيض والأسود كقطع شاذ وسط ملحمة الألوان المبهجة، بل جاء كنغمة فرح حين ظهر لنا نفس المشهد في مفاجأة لونيَّة بألوان ممتعة، تحوَّل المشهد الأبيض والأسود في لحظة إلى ألوان في نقلة سريعة وساحرة، ربما لم نكن لندرك سحر هذا المشهد لو لم يتم نقله من الأبيض والأسود للألوان، كان المشهد مزهراً وفرحاً وتكاد الألوان ترقص وتغني من الفرحة والبهجة.
على فترات يأتي إظلام الشاشة الكامل في لحظة تجعلك تشعر بقيمة الألوان التي كنت تشاهدها، وروعة المشاهد التي كنت تستمتع بها، يعطيك بعض الجُمَل في الظلام، يستخدم حاسة سمعك فقط بعد أن استمتعت ببهجة الألوان، هذا السواد كان ضرورياً لإدراك طبيعة الجَمَال الذي تشاهده.
من آن لآخر كانت الكاميرا في التتابع الدرامي لدخول المتحف أو لعرض اللوحات تعرض لوحات وكأننا في معرض حقيقي، نشاهد معروضات فان جوخ، أو غيره، كان استعراض اللوحات مُكَمِّلاً مهماً لعرض فن فان جوخ، ومتماشياً تماماً مع طبيعة الفيلم، وروح الألوان، فلم نشعر أن الأمر تسجيلي، فقد جاء مُلْتَحِماً في سياق الدراما، ولم نفكر هل هذه اللوحات حقيقية أم مرسومة للفيلم، فقط كنا نستمتع.
المشاهد التي كانت بين فان جوخ وغوغان (أوسكار إيزاك) كانت سياحة فنية في طبيعة عالم الرسم والألوان، دون اللجوء للحوارات المملة، تعرفنا على طبيعة الفنانين من خلال اجتماعهما معاً، فلكل منهما فكره ومنهجه، فغوغان يرى أن الرسم يأتي من الداخل من التعمُّق في الفكر، أما فان جوخ فيرى أن الرسم هو تحرير المشهد الذي أمامك، لقد اكتسبنا جرعة معرفية عن الفن التشكيلي في ثنايا الفيلم الممتع.
عندما انتقلت الكاميرا لحالة المستشفى، نقلتنا نقلة حادة طبيعية أوصلت لنا القسوة النفسية التي كان يعيشها فان جوخ داخل المصحَّة النفسية، لقد تبدَّلت الألوان الداخلية وصارت حادة، وعنيفة، اختفى الأخضر المخلوط بالحمرة، وظهر الأبيض الحاد المخلوط بالظلال القاسية. مساحة من الفراغ والجفاف، كل شيء يقول إننا خرجنا من حضن الطبيعة، ودخلنا لأرض المرض العقلي، بالألوان فقط دون كلمة.
في المأوي التطوعي (سانت ريمي) ظهرت شخصيات جيدة ونادرة كشخصية الرجل العسكري صاحب الوشوم على وجهه، وأبرزها مفتاح يمثل مفاتيح الضباط التي كان يمتلكها والذي قام به الممثل (نيلس أرستروب) في جودة عالية، كما أمتعنا الممثل المخضرم (مادس ميكلسن) في دور الكاهن.
فان جوخ وهو يرسم يُخرج الروح الكامنة داخل ما يراه، يجعل الأشياء أكثر حياة، وحين سُئلِ: (ماذا ترسم؟) قال: (أرسم نور الشمس) يقول: (أكره الضباب، سئمت من هذا اللون الرمادي، أود البحث عن نور جديد من أجل لوحات لم نرها بعد، لوحات مشرقة، رسمت تحت ضوء الشمس.) يقول: (عندما أرى منظراً طبيعياً مسطحاً، لا أرى سوى الأبدية، هل أنا الوحيد الذي يراها؟ الوجود لا يمكن أن يكون بلا سبب، فنرى شاشة مفتوحة على الوجود ثم يدخل صوت البيانو، الذي كان مصاحباً رئيساً وممتعاً خلال رحلة الفيلم في البحث عن الألوان). ومات فان جوخ وسط لوحاته في مشهد وفاة بديع، مات مُحَاطاً بأعماله التي أنفق عمره في رسمها.