ما أن نشم رائحتها وهي في محامص البن، أو وهي تسوى على نار هادئة في الدِّلال بمنتهى السحر والدَّلال؛ حتى تهفو لها النفوس، وينتعش بها الوجدان. هي القهوة، عروسُ المجالس، وأنيسُ الساهرين والسامرين، ورفيقة طلاب العلم التي تعينهم على السهر، وهي عنوان لثقافات الشعوب، وتقاليد الضيافة، وقوانين السوق الرائج الذي جعل من حباتها السحرية سلعة إستراتيجية يتم تداولها في البورصة، وتعتمد عليها اقتصادات دول بأسرها.
الذهب الأخضر
يعد البن ثاني أكثر سلعة يتم تبادلها عالمياً بعد النفط، وتعتبر اليمن أبرز المنتجين العرب للقهوة، غير أن ظهور منتجين جدد للقهوة كالبرازيل والمكسيك، ساهم في هبوط الإنتاج اليمني. وتعتبر القهوة من المحاصيل النقدية الحيوية في كثير من البلدان النامية، حيث أن أكثر من مئة مليون شخص في البلدان النامية يعتمدون عليها مصدراً أساسياً للدخل، وهي العمود الفقري للعديد من الدول الأفريقية، وبعض بلدان أمريكا الوسطى، وفي عام 2011 كانت البرازيل رائدة في إنتاج البن الأخضر، تليها فيتنام، وإندونيسيا، وكولومبيا. وتحتوي محال بيع القهوة على أنواع كثيرة، من بينها (الأرابيكا) وهو غالي الثمن، إذ يتميز بطعمه الغني، حيث يزرع على الجبال والأماكن المرتفعة بالهند والبرازيل وأفريقيا.
القهوة في الثقافة العربية
هذه الحبة السحرية العربية المنشأ -إذ يعود أصل زراعتها إلى اليمن- ارتبطت في الثقافة العربية بمعانٍ كثيرة، تراوحت بين التقديس والتحريم، فبعد أن انتشرت في البداية بين النساك والمتصوفة، يستعينون بها على السهر والعبادة، ويعتبرونها مشروباً يساعدهم على الصفاء الذهني، تطور النظر إليها حين شاع شربها بين العامة في القرن العاشر الهجري، وأصبحت ترتبط بتقديمها في أماكن اللهو والمجون بعد خلطها بالمسكرات، وساعد على ترسيخ هذا المفهوم أنها كانت من أوصاف الخمر في الشعر العربي، وأحد مشروبات الكيف، فأصبحت عنواناً للخلاعة، إلى أن تم تحريمها في بلاد العرب، وفي عاصمة الخلافة العثمانية بإسطنبول. وبين هذين الحالين حدث سجال كبير بين عشاقها -وبخاصة من المتصوفة والشعراء- وبين من يحرمونها؛ أفضى بعد ذلك إلى عدم تحريمها، وانتشار شربها في كل الأماكن، بعد أن تم تغيير الفكرة التي سادت لفترة طويلة عنها. وللقهوة مكانة كبيرة عند العرب، وتقاليد مرعية في تقديمها، فهي عنوان الضيافة والكرم والأصالة. وبينما يفخر الإنجليز ببروتوكول شاي ما بعد الظهيرة، ينظر العرب إلى القهوة بصفتها من أهم التقاليد الشعبية، ويعقدون لها المجالس الخاصة التي تسمى بالشبة أو الديوانية، وقد تغنى بها الشعراء العرب. ومن التقاليد العربية في تقديمها أن يسكبها مقدمها للضيوف وهو واقف ويمسك دلة القهوة في يده اليسرى، بينما يقدم الفنجان باليد اليمنى، ولا يجلس أبداً حتى ينتهي جميع الحاضرين من شرب القهوة. ولدورات شرب القهوة في السعودية أسماء يدل كل منها على معنى مميز، فالفنجان الأول يطلق عليه (الهيف) ويشربه المضيف ليثبت للضيف أن القهوة ليس بها ما يؤذيه، والفنجان الثاني يطلق عليه (فنجان الضيف) ويشربه الضيف، وهو عنوان للإكرام، والفنجان الثالث: يطلق عليه (الكيف) ويشربه الضيف للاستمتاع بطعم القهوة، أما الفنجان الرابع فيطلق عليه (فنجان السيف) ويشربه الضيف أيضاً، ويرمز إلى أن الضيف سيقف مع مضيفه عند تعرضه لأي أذى.
وفي بلاد الشام عادة ما تقدم القهوة مرتين للضيوف، مرّة في أول الجلسة، وتعرف بقهوة (أهلاً وسهلاً) والأخرى في آخرها، وتعرف بقهوة (الله معكن)، أما في المغرب فتتميز القهوة برائحتها الزكية لما تحتويه من أعشاب، إذ يضاف لها جوزة الطيب، وعيدان القرفة، والقرفة المطحونة، والزنجبيل. أما في مصر ذات التاريخ العريق بالنسبة للقهوة، والتي انتشرت القهوة من خلالها إلى بلدان أوروبا عبر الموانئ التجارية؛ فأهم ما يحرص عليه المصريون أن يكون فنجان القهوة مكتمل الوجه (وهو الرغوة التي تعلو القهوة)، ويعد تحضيرها على النار الهادئة للموقد الكحولي المعروف بالسبرتاية من أكثر الأشياء ضبطاً للمزاج. لكن ما السر في قيام الساقي أو ما يطلق عليه (القهوجي) بحركة هز الفنجان في مجالس شرب القهوة العربية؟ الحقيقة أن هذه العادة بدأت عند العرب قديماً، عندما كان شيوخ المجالس يعينون شاباً أخرس أطرش لتقديم القهوة حتى لا يتنصت على حديثهم ولا يُفشي أسرارهم. ومن أجل أن يعلم (القهوجي) أن الشيخ اكتفى من قهوته، يقوم الشيخ بهز فنجانه كدلالة مرئية على الاكتفاء.
القهوة في ثقافات العالم
القهوة هي الضيف المقيم الذي لا تكاد تخلو منه جلسة أو بيت في العالم، وأصبحت على مر القرون عادة يومية لمئات الملايين من الناس حول العالم، وقد انتقلت القهوة من الشرق العربي -خصوصاً مصر- إلى إيطاليا، حيث جلبت التجارة المزدهرة بين البندقية وشمال أفريقيا والشرق الأوسط العديد من السلع إلى ميناء البندقية، بما في ذلك القهوة، إذ تم تصديرها من هناك إلى باقي مناطق أوروبا. وتبقى لكل منطقة خصوصيتها الثقافية التي منحت للقهوة طابعاً محلياً ونكهة أصيلة، وهناك بعض الدول تشتهر بحب تناول القهوة وانتشار المقاهي فيها، فبالرغم من أن لندن تشتهر بمحلات تناول الشاي؛ ولكن مقاهي الإسبريسو أصبحت تزدهر في المدينة منذ التسعينات. وفي مدينة ملبورن الأسترالية تعد القهوة جزءاً لا يتجزأ من نمط الحياة، حتى أن المدينة تستضيف سنوياً معرضاً كبيراً للقهوة. أما الدول الإسكندنافية فتأتي بعد هولندا في أعلى معدل استهلاك للقهوة عالمياً، والقهوة الأكثر شعبية هناك هي (اللاتيه) و(الكابوتشينو) و(الإسبريسو).
أشهر فنجان قهوة في دولة لا تنتجها
بالرغم من أن تركيا لا تزرع البن، إلا أن فنجان القهوة التركي له شهرة عالمية كبيرة -وبخاصة في الشرق العربي. حيث يظن البعض أن القهوة التركية تحظى بتلك الشهرة الواسعة نسبة إلى منشئها بتركيا، فتركيا على العكس من أهم الدول المستوردة للقهوة؛ لكن طريقة تحضيرها التي تبدأ بتخمير حبوبها، وتحميصها لفترة زمنية طويلة، وغليها بعناية في ركوة نحاسية منقوشة يدوياً؛ جعلها تحمل هذا الاسم في كل أنحاء العالم. ومن التقاليد الغريبة المتعلقة بشرب القهوة في الثقافة التركية، والمستمرة حتى اليوم؛ تقديم القهوة المالحة للعريس عند تقدمه لخطبة عروسه، ولا بد أن يشربها وهو مبتسم دون أي نفور، إذ يعد هذا اختباراً لمدى تحمله وصبره أمام العروس! وفي أثيوبيا احتفظت القهوة بدور مهم في الطقوس الاحتفالية، ويعتبرون ثمار القهوة الطازجة نوعاً من الطعام عالي الطاقة، ومن طقوس الزواج أنه عندما يريد شخص أن يتزوج فتاة معينة يأتي مع والديه إلى منزل أسرتها حاملين جرة مملوءة بثمار القهوة الطازجة، ويعد قبول الهدية دليلاً على موافقة الأسرة على العريس.
مكانة القهوة العربية
على الرغم من مكانتها الكبيرة، إلا أن العلماء لا يعرفون إلا القليل عن القهوة العربية، والتي تمثل 70 % من الاستهلاك العالمي، وهي ثلاثة أرباع القهوة المزروعة عالمياً، وقد تفوقت على قهوة (روبوستا) أو (كانيفورا) لأن نكهتها أقل، وتميل للمرارة، ولذلك يتم استخدام هذا النوع بديلاً رخيصاً للقهوة العربية في العديد من خلطات القهوة التجارية، لكن مؤخراً بدأ باحثون في رسم الخريطة الجينية للقهوة العربية، في محاولة لمعرفة أسرار مذاقها المميز وحمايتها من الأمراض وتأثيرات تغير المناخ في المستقبل. ونظراً للأهمية الثقافية والتراثية التي تحظى بها القهوة العربية؛ قامت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان بإدراج القهوة العربية عام 2015 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية بمنظمة اليونسكو. وتعتبر إندونيسيا أكبر منتج للبن العربي، وهناك طرق متعددة لتحضير القهوة العربية، والتي تتميز برائحتها الزكية، ويختلف طعمها ولونها حسب كل منطقة، ففي جنوب السعودية تكون فاتحة اللون مائلة إلى الصفرة، بينما في منطقة نجد تميل إلى اللون البني. ويبدو أن النكهات التقليدية للقهوة العربية في طريقها للانصهار في نكهة واحدة، مع انتشار منتجات القهوة العربية سريعة التحضير مؤخراً، ليتم تحضير (دلة) القهوة في خمس دقائق فقط، بعد أن كان تحضيرها يستغرق ما لا يقل عن الساعة، وهذا التوجه ساهم في فتح مجال للاستثمار أمام الشركات المحلية، ودخلت فيه شركات عالمية ترغب في اقتحام هذا المجال الواعد، والذي سيساعد بلا شك في غزو القهوة العربية للسوق العالمية.