مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

ثقافة وذاكرة

القهوة ليست مشروباً فقط، إنها ثقافة وذاكرة، ثقافة باعتبارها ذات نظام من العلامات الرمزية التي اكتسبت القيمة وترسخت في وجدان المجتمعات العربية والغربية، سلوكاً وآداباً ابتداء من لحظة التفكير في شرائها إلى لحظة الانتشاء بها، فتحميصها فن، وتحضير أدواتها دربة، وتجهيزها خبرة، وتقديمها لشاربيها لباقة وذوق وإبداع، وهي ذات تأثير كبير في ذاكرة الشعوب، فقد وسمت أمكنة بميسم ثقافي فكانت المقاهي لا تحد بشربها بل بما تستحضره من اجتماع وأنس وفكر وغناء وحكي وشعر.. وتواصل.
ووسمت أناساً وأعلاماً في شتى المجالات الفكرية والأدبية والعلمية عرفوا بها وبشربها، فقد كان الفيلسوف فولتير يحتسي قرابة العشرين فنجاناً من القهوة يومياً، أما الروائي بلزاك فربما تجاوز ما كان يشربه منها الخمسون. والأديب فيكتور هوغو كان يستعمل محلول البن في رسومه الفنية.
وارتبط وجودهم بمقاه بعينها.. فقد عرف عن نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب 1989 مداومته على ارتياد مقهى بخان الخليلي.. كما تغلغلت في الثقافة الشعرية يقول محمود درويش:
أحنُّ إلى خبز أمي
وقهوة أمي...
وخصها الشاعر محمد علي الرباوي بخمس قصائد كلها تحمل عنواناً واحداً هو (المقهى):
مازال رشيد قرب الباب
يعرض رجليه المتورمتين على
شلالات الشمس
ويشرب قهوته السوداء بلا سكر.
(قصيدة المقهى ص155. رياحين الألم ج 4)
ويقول:
في ركن من أركان المقهى
ألقيت جسمي المكسور
إلى كرسي يعرف كل تفاصيل حياتي
يعرف من كنت ومن سأكون
(من قصيدة المقهى/ رياحين الألم ج4 ص 74)
فهذا رصد لدبيب الحياة وسيروراتها في هذا المكان.
وتجلى حضور القهوة في الأغنية العربية فقد صدحت سميرة توفيق بها ودعت لسقيها للنشامى على ظهور الخيل معطرة بالهيل.
القهوة وثقافة المكان
لعل لا أحد يجادل في كون المقهى من أبرز الرموز المعمارية للمدن المعاصرة، بل عدت علامة على التحول الحضاري والسكاني، وصار التنافس في تأثيث المقاهي وتجويد فضاءاتها وتزيينها بما يجلب الرواد ديدناً تنفق فيه الأموال بسخاء، فضلاً على التنافس في استحضار أجود أنواع البن والآلات والصناع لتقديم القهوة في سياق الصراع التجاري في أحسن حلة وبأبدع صورة.
وأصبحت المقاهي بما تحتويه من خدمات تكميلية مثل توفير الجرائد اليومية وشاشات التلفاز الضخمة، وخدمة الواي فاي، مكاناً مغرياً، لكن هذا الإغراء لا يكتمل سوى بفنجان القهوة المميز الذي يضمن عودة الزبون واسترخاصه ثمن الكوب وإن كان مرتفعاً بالمقارنة بمقهى قرب منزله.
وماتزال المقاهي تقوم بأدوار تواصلية بين الأصدقاء والمعارف ورفاق العمل أو الحي. ففيها يتم تبادل الأخبار واحتدام النقاشات، وسرد النكت، والاتفاق على صفقات.. وحل مشاكل ونزاعات.
وقد عرفت مثلاً مقهى (لاكوميدي) بفاس كمقهى متميز بخاصيته الثقافية، ولا عجب إن عرفنا أن صاحبه أستاذ جامعي يدرس المسرح، وكاتب مبدع، وممثل، هو محمد الكغاط، وله أخ ممثل كذلك، والمقهى يعلق على بابه ملصقات وإعلانات الأنشطة المسرحية بالمدينة، وفي داخله واجهة زجاجية ورفوف حُفظت بها كؤوس ودروع وشهادات فازت بها جمعيات مسرحية أو قدمت لفئات من الممثلين أو أعضاء الفرق المشرفة على الإخراج والإدارة السينوغرافية. كما به صور لأبرز الممثلين العالميين تجاورهم صور الممثلين المغاربة والعرب من رواد المسرح.
يقصد هذا المقهى كتاب ومخرجون وممثلون وفنانون، فقد جالست بها الشاعر محمدا السرغيني.
وفي العهود السابقة كانت القهوة تصنع مكاناً، يجتمع فيه الرجال فيتحدثون ويستمعون إلى الراوي والحكاء، وربما تحول الحكي إلى تشخيص حي، كما يطربون لصاحب السمسمية أو العود.. وقد يصدح شاعر بشعره أو مغن.
فالقهوة خلقت مجتمعاً للحياة والثقافة والفنون. ومجالس القهوة الآن على امتداد المجتمعات العربية حية ففي البيئة الخليجية يلتقي الرجال في الديوانيات، وتُحتسى القهوة، ويتم تبادل الحكمة والطرفة والشعر، فمجالس القهوة مدارس وأنس وقد أصبحت ثقافة وهوية.
القهوة.. ذاكرة مشروب
نجحت القهوة في تشكيل قوة رمزية مؤثرة في الوجدان فحافظت الذاكرة على أنماط السلوك والحديث والفن والتفاعلات. وتفنن العالم في صنع أدواتها، فلها ذاكرة في الأواني وآلات تجهيزها.. لقد صنعت القهوة عالماً كاملاً بدءاً بالأمكنة/ المقاهي، وطرق التحضير ونسق الأدوات وآداب التقديم وسياقات ذلك. وهذا العالم متحرك في الزمن متراكم، فبمرور عقود على دخول القهوة حياتنا صار لها ذاكرة مكان وكلام وأدوات وأنواع.
في ذاكرة المكان سبقت الإشارة إلى مقهى نجيب محفوظ بخان الخليلي، وماتزال الكثير من المقاهي تحافظ على تقليد عريق مارسته طويلاً صوناً لذاكرتها مثل مقهى الناعورة بفاس، الذي مازال صوت أم كلثوم يترنم فيه: هذه ليلتي وحلم حياتي.. فاملأ الكأس بالغرام وهاتي.
وفي العالم العربي يرغب المثقفون في استعادة أدوار المقهى وهذا ما حدا بهم إلى تسمية عدد من جمعياتهم الثقافية بالمقهى الأدبي، وفي وجدة المغربية جمعية ثقافية تحمل هذا الاسم لها صيت على صعيد الرواية العربية وجائزتها السنوية.
والمقاهي هي ذاكرة كلام، فالناس يقضوون وقتاً مهماً من حياتهم فيها. فهي من أهم أدوات تنظيم الوقت.
وذاكرة كل واحد منا تختزن أعلاماً التقيناهم أول ما التقيناهم بمقهى كذا وكذا.. وتحدثنا حول كذا وكذا..
وللقهوة ذاكرة أدوات
تسمى الأدوات المستخدمة لتحضير القهوة في الخليج (المعاميل)، وتشمل معدات خاصة أهمها التاوة/ الطاوة (وهي عبارة عن مقلاة لتحميص حبوب البن)، والمحماس (وهي ملعقة لتحريك الحبوب)، والملقط الحديدي لوضع وزيادة توهج الجمرات داخل الموقد.. ومن الأدوات اللازمة: الدلال وهي الأباريق والنجر وهو الهاون أو المهراس، ثم الفناجين، وقد وجد من الشعراء من ذكر بعض تلكم الأدوات:
تَدُقُّ (أمِّي حَسْنَا) في المِهْراسِ الذَّهبيّ
بُنَّهَا الأفْريقيّ الأخاذ،
وقرْفَتَها وتَوابلَ حمَلَتْها الفلْكُ
مِنْ هِنْدِ الهنْد..
تدُقّ الكُحْلَ الفاسيّ السَّاحر،
حتّى إذا ما صَارَ رَهيفَ القلب
تَكَحَّلَتْ بهِ مِياهٌ عذْراء
وتفننت المصانع الحديثة في آلات التقطير وآلات الطحن
وأوعية الحفظ، وأوراق الترشيح، والفناجين والصحون المرافقة والملاعق والسكريات.
ذاكرة الأنواع
يقول المثل التركي الشهير: (القهوة يجب أن تكون سوداء مثل الجحيم، وقوية مثل الموت، وحلوة مثل الحب). ومن أنواع القهوة:
القهوة العربية المعروفة في الجزيرة العربية.
القهوة التركية المشهورة في تركيا وبلاد الشام ومصر.
القهوة الإيطالية المركزة المعروفة بالإسبريسو والمنتشرة في أوروبا.
القهوة المقطرة المعروفة بالقهوة الأمريكية.
القهوة سريعة التحضير/المذابة.
القهوة عنوان هوية وسلوك اجتماعي
هناك فئات اجتماعية شديدة الارتباط بالقهوة.. وأفكر اللحظة في السائقين سواء للشاحنات الكبيرة أو للحافلات ذات الربط الطويل. فتكون كاضمة القهوة رفيقته، كذا العاملين بالمستشفيات في الالتزام الليلي.
وإذا كانت القهوة في المشرق العربي ومغربه تشرب في الديوانيات والمجالس والنزهات وتحت الخيام، وفي البيوت الدمشقية، والفاسية، وتعد عنوان الهوية، ومحضن الكرم والضيافة ورسل المحبة والتودد والتقدير، وتقوي عرى التواصل وتمتن أنساق العلاقات، فقد أوجدت نظاماً سلوكياً مرتبطاً بها وأنظمة قيمية تحترم وتقدر وتُراعى من طرف الجماعة.. فلا نغفل تقديمها في وفاة شخص ما.
تقديم القهوة ذوق جمالي
كان للقهوة مكانها الأصلي: البيت أو المقهى وفيه تقدم في كل بلد بطريقة مخصوصة حسب سياقات ذلك البلد، لكن عندما التفت الناس إلى أهمية البعد التجاري والربح العائد جراء إتقان مسألة التقديم تنافس التجار في أشكال تقديمها.
القهوة أصبحت مشروباً يتم اصطحابه، أي لا يشرب في المكان الذي صنع فيه وهذا الأمر فرض صيغاً جديدة لتقديم المنتوج إن على مستوى تعليب القهوة/الكوب.. درجة الحرارة.. والأدوات المصاحبة.. وأنتجت المصانع كاضمات مفردة ككؤوس شخصية، تحفظ القهوة في حرارتها التي جهزت بها.
وتفننت المقاهي في تقديم الإسبريسو والكابوتشينو فجلبت المهرة في الرسم على وجه القهوة رسم فراشات وريشات أو علامة المقهى/المحل.
أما على المستوى الشعبي فللقهوة تشريف وتقدير، تصب في الفناجين العزيزة، ويقدمها لبق خبير بما يقال وما يفعل.. وفي الخليج العربي يتم تقديم القهوة رفقة التمر معطرة بالهيل في فناجين صغيرة ولها حركات رمزية وطقوس معتبرة للزيادة أو الاكتفاء.
ذو صلة