مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الحضور الاستثنائي

تحظى القهوة بأهمية بالغة في ثقافة الشعوب، يبلغُ أثرها في المقهى، حيث تكون أريحية الحس دافعاً للحدس، وهما من مقومات الخيال ودافعيته وبلاغة الأدباء. ويعد هذا المشروب الساخن أقرب للكُتّاب في مؤانسة الذات أثناء الكتابة. وقد ازدهرت أنواع من القهوة لتمثل أشهر الماركات لشركات عالمية مثل كابتشينو Cappuccino ونسكافيه Nescafé وإكسبيرتو Experto وغيرها بأذواق مختلفة. وتكون القهوة عاملاً مقارباً للفن، وتسويق الفكر الذي يرتقي لنصاب الإبداع العالمي، فلا يغدو أديب يصنع شهرته دون أن يتصل وجودها بنكهة القهوة ومجالس تتجمع فيها حميمية الناس للراحة والاسترخاء المتناهي في فضاء تُسَّوقُ القهوة لنفسها مكانة خاصة تنتقلُ عناوين للكتب الأكثر مبيعاً، ونصوصاً شعرية تمارسُ حضورها في أكبر المحافل.
القهوة وثقافة الكتابة
تمارس القهوة حضوراً استثنائياً في الجلسات الإبداعية والفكرية، والتخاطب الشفوي، حيث تحفز الاستمرار وتبادل النماذج الجمالية، وتلقيح التّجربة الإبداعية، من حيث يكتنز المقهى صوراً فتكون المادة الخام التي تستورد الأفكار وتطورها في الجلسات الفنية، فهي تنشد العمليات الذهنية وتفرز طاقة خلاقة للتوازن السوسيولوجي بين خصوصية الحوار الذاتي والآخر، فمن أهمية محلول القهوة الساخن الاسترخاء الذي تمنحه الجرعات المتفاوتة، وهي ارتداد نشاط حيوي لمؤثرات المكونات الأساسية للبُن الذي يمنح الانتعاش واليقظة كما يحفز عنصر الكافين Caffeine منبهاً قوياً ومنشطاً ومخففاً للصداع، وتلك السمات التي تدفع الأدباء للتجاوب النفساني والتأثير Psychoactive Drug من جهة، ما يعزز مهارة الأداء وقدرة التواصل مع الدماغ المتحكم في الجهاز العصبي، وإستراتيجية الجلسة الثقافية تستدعي الشُعور المُحفز للجماليات.
وقد تعددت الجمعيات في العالم لتتوج رؤية التمازج الجميل بين القهوة والعناصر الفنية للتجمعات التي تتداول ثقافة الحضور بالمقهى وتخصيص المكان لمجموعة مبدعين تؤسس بينهم أجواء حميمية تعكسها هيئة المحيط ووضعياته، ومن أبرزها: مقهى الفنيق ومقهى عمون، ومقهى الشريف في عمان، (المقهى الثقافي حوار الجماليات) ببرج بوعريريج، ومقهى (الجاحظية) بالجزائر، (المقهى الأدبي بوجدة) المملكة المغربية، ويعد مقهى (الطاحونة) الذي احتفى بأدبية غابرييل غارسيا مركيز Gabriel García Márquez حاضراً في شاعريته أثناء كتاباته العالمية التي نال بها جائزة نوبل للآداب سنة 1982م، ولذلك زخرت المنتوجات الخاصة بالمشروبات الساخنة بأثر عميق في نفوس المثقفين فاستبدل مع الوقت الحضور الطاغي للشاي الأخضر بالقهوة المصنوعة بتمازج الرائحة واللون التي وصفها أبو نواس:
أباحها الشرع لا سكر وعربدة
فمالها ولماء العين أكفاء
ترغي وتزبد فوق النار في غضب
كأنها ولهيب النار أعداء
ويضيف (محمود درويش) لعلاقته بالقهوة: «القهوة لا تشرب على عجل.. القهوة أُختُ الوقت.. تُحتَسى على مهل.. على مهل.. القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة».
القهوة تأمّل وتغلغل في النفس وفي الذكريات، والقهوة عادة تلازمها بعد السيجارة عادة أخرى هي الجريدة. وهذا ما يعادل اندماج القهوة في الفن وحلولها إكسير حياة لا يستغني عنها الفنان وهو يناجي وحدته وحنينه بدونها في نص درويشي آخر:
أحنّ إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وتكبر في الطفولة..
كما تتصل المقاهي بالمساحة الخصبة للإبداع، فأكثر المؤلفين شهرة كتبت أعمالهم فيها، كمقهى (الفيشاوي) في مصر مثلاً لنجيب محفوظ الذي لا تخلوا رواياته من التجمعات الشعبية والعلاقات الإنسانية العميقة بالتفاصيل، وتمثيل الحفريات البشرية في صور درامية وكوميدية مؤثرة.
النسكافيه القهوة المعجزة
تعد قهوة ناسكافيه الأكثر شيوعاً وإنتاجية، تتنافس عليها أقوى الشركات وتصاغ شواهدها الإشهارية بكثير من الصدارة. والنسكافيه قهوة الاستطلاع الفريد من نوعه، تنشد نوعاً من التميز الثقافي، حيث نشأت في البرازيل خلال الثلاثينات، وانتقل صيتها سنة 1938 إلى سويسرا، كما انقسم مفهومها اللغوي في المصطلحات العبرية إلى جزءين (nes) وهي المعجزة و(cafe) المقهى، وبهذا تنبعث إستراتيجية الإعلام الغربي كونها القهوة المعجزة التي تصدرت أعلى المبيعات أثناء الحرب العالمية وبلغت أوجها، بينما تمنح القهوة نكهة التفكير في تساؤلات وجودية عميقة، فهي وسيلة تستدعي طقوساً معينة تستوفي لحظة بلوغ أثر فني أو تؤدي لاستعادة مرونة مطلقة تعبر عن استقرار فكري للمثقف أثناء ارتباطه بعالمه الفني.
تثقيف القهوة وثقافة الكتابة
تحتفي الكتابة بالقهوة في جملة من الأنواع البحثية الرزينة لتنقيح شواهد امتداد المقاهي الأدبية (القهوة والأدب- المقاهي الأدبية من القاهرة لباريس) للمؤلف (جيرار جورج لومير) ترجمة وتحقيق (مي محمود) من دار الرافدين 2018م، وكتاب (فراس حج محمد) (من طقوس القهوة المرة) الصادر من دار غراب مصر 2013. يقول صاحب الكتاب: «وكأنها من هنا أشبهت الخمر بأنواعها المختلفة، أضف إلى ذلك أنّ من طقوس شرب القهوة عند بعض الناس أنها لا تشرب إلا بالفنجان ولا تشرب بالكأس إلا حديثاً، ومن فئات خاصة من الشعب، أضف إلى ذلك أن القهوة مرتبطة بالمثقفين أكثر من أي مشروب آخر، وقد وردت في الأدب الحديث كثيراً، شعراً وروايات، فهي بلا منازع مشروب الجمال الأدبي والذوق الفني الراقي» المتميز بانتقاء الجزئيات التي تقارب طقوس شرب القهوة وعلاقتها بالجمال الأدبي عند المثقفين.
تعددت عناوين الروايات بأنواع القهوة: قهوة مانو للكاتبة أماني العدوي، قهوة باردة لميرنا نبيل، قهوة باليورانيوم للدكتور أحمد خالد توفيق، ورواية قهوة سادة بجزءين للروائي (سيد حافظ) الصادرة عن الهيئة المصرية للكتاب سنة 2012م، وروايته كابتشينو من مركز الوطن العربي (رؤيا) في طبعتها الثانية سنة2017م. وهي روايات ودراسات تتحدث مجملها عن الفرادة الحسية للإنسان مع الوجود، وطبيعة تحولاته، حيث تصبح القهوة هويته وعنصراً في تجهيز علاقته بالفن. والملفت للانتباه صدور رواية مثيرة في نفس السياق بنوع مهيمن من القهوة عنوانها (نسكافيه) تمتزج القهوة فيها بوصف النساء، كما في الصفحة ثلاثين: «بعض النساء قهوة بلا رائحة، وبعض النساء جسد بلا دفء، وبعض النساء شفاه قهوة وسكر..»، لتكون دلالة قوية على بلوغها مرايا الإبداع المعاصر وأهميتها البالغة في تثقيف هوية الموصوفات ومدى أهميتها.
رواية نسكافيه للمؤلف سيد حافظ
«بحث عن رشفة نسكافيه.. عن رائحة عطره.. ولم يجد..
فهل كان حبه خطيئة؟ هل هو ذنب من السماء؟
أعطته وردة.. وقالت ستجد واحدة أفضل منِّي تحبها.. وتعشقها..
دخل وحيد الطائرة وقلبه ينزف والعالم أمامه نار.. وصل إلى القاهرة.. وجدها حزينة أو نائمة.. ذهب إلى البيت ونام.. استيقظ في الصباح.. شرب النسكافيه.. أمسك بالقلم.. نظر حوله».
يتميزُ النصُ باستقلالية فكرية تتجاوز التابوهات الاجتماعية والأشكال الفارة في الفن والتاريخ، ليقف عند أهم مواقف التحرر الفكري في ثقافات الشعوب والانفتاح المستقل لقراءة الواقع من خلال علاقة (وحيد سالم) و(لمى القيسي) اللبنانية التي ولدت وسط تناقضات الطوائف واختلافاتهم، وزواجها من رجل أعمال في الكويت لكنها تنغمس في علاقات خفية يربطها المؤلف بالأوضاع المنفلتة من الزمن.
وتظهر قهوة (نسكافيه) كجرعات ترتشف الشخصيات أريج رائحتها ولونها وحضورها في الفترات الصباحية والمسائية، في لحظة استحضار وتأمل لتعكس قلق الوجود بصور أوضح، ووعي بالتناقض المستدام في حياة الإنسان، وعنوان الرواية دليل على بحثه المستمر عن إجابات معمقة بالمنطق الفني، وبلوغ حصاد الذاكرة لترسم نكهة الجلوس في حضرة القهوة.
ذو صلة