تعتز القبائل في المجتمع السوداني بعاداتها وإرثها الحضاري والإنساني، كما في كل العالم كمنظومة مجتمعية إنسانية، تعمل دوماً على الحفاظ على موروثاتها وعاداتها، وتقاليدها، وعلى نقلها للأجيال اللاحقة، ورغم أن هذه التقاليد الموروثة بدأت في التلاشي والاختفاء في بعض المناطق، وذلك بفعل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة في الحياة. إلا أنه بذات القدر هناك مناطق مازالت تحافظ على ثقافاتها وإرثها الحضاري. من أهم الموروثات المتعارف عليها عند أغلب القبائل السودانية وتعتبر من صميم موروثاتهم وثقافاتهم هي تقاليد شرب القهوة والتي تسمي محلياً بـ(الجبنة)، حيث لا تكتمل جلسات الأسر والأصدقاء والإخوان في حالات الأنس والسمر والمصالحات واللقاءات القبلية بدون أن تحضر القهوة كمشروب ساخن يقدم بطقوس معينة للضيف تقديراً واعتزازاً به، وكذلك تعتبر من مصاف التقدير والاحترام، وأصبحت تقليداً تحرص كل الأجيال على التمسك به.
طقوس القهوة في السودان
للقهوة في السودان طقوس وتقاليد خاصة تختلف من منطقة لأخرى ولعل أشهر منطقة تميزت بطقوس فريدة في القهوة هي منطقة شرق السودان التي تسكنها قبيلة (البجا) ببطونها المختلفة، فالقهوة لا تكاد تفارق مجالسهم، ويتم إعدادها في أوانٍ مصنوعة من الفخار حيث يبدأ (الكيف) عندهم بشم رائحة حبات البن المنبعثة من (الغلاقية) وهو الإناء الذى يتم فيه تحميص حبيبات البن حتى تنضج وتستوي، وتصبح جاهزة ليتم طحنها بواسطة ما يسمى (الفندك)، أو (الهون) كما يسمى في دول عربية أخرى، ومن ثم غليها على النار التي غالباً ما تكون من الحطب أو الفحم لتنضج على هدوء بينما يكون الجميع في حالة ترقب وانتظار ليكتمل المزاج بالارتشاف وسط الهمس والأنس والضحكات.
القهوة التي تسمى بـ(الجبنة) ولا أدري من أين جاءت (كلمة الجبنة) فلعلها كلمة بلهجة البجا حيث إنها تستخدم كثيراً عند أهل شرق السودان، وكذلك في معظم أنحاء السودان، والملفت أنه مع احتساء القهوة أو الجبنة لابد من وجود بعض البهارات اللاسعة فيها، فيضاف الزنجبيل، البهار الأكثر استخدماً لسخونته ومنحه طعماً طيباً للقهوة، وكذلك يستخدم البعض حبات الهيل والفلفل أحياناً.
طريقة تناول القهوة أيضاً لها طقوس منها الجلوس في شكل دائرة على (البروش) وهي بساطات مصنوعة من جريد النخيل، والآن يجلسون على (البنابر) وهي مقاعد صغيرة تصنع من الحديد أو الخشب، وبينما هم يحتسون القهوة لابد من وجود البخور وبخاصة من نوع (الجاولي والعدني)، الذي يلطف الأجواء ويمنحها بعداً آخر في تذكية المزاجات والراحة لدى شاربي القهوة، وقد يتكرر طقس شراب القهوة أكثر من ثلاث مرات في اليوم تبدأ بجبنة الصباح وتنتهي بقهوة المساء.
إعداد القهوة
إعداد القهوة وتجهيزها في مختلف مناطق السودان لا يقتصر على النساء فقط، فالجميع من نساء ورجال يجيدون إعدادها سواء كان ذلك في المنازل أو الأسواق. فطقوس إعداد القهوة تكمل تفاصيل الحياة الجميلة بين الزوجين أو الأسرة أو الأصدقاء في لحظة لقاء في مكان هادئ وجميل، فالسودانيون يضعون لهذا الطقس الشعبي والمحبب لهم مكانة خاصة في دواخلهم، ويحرصون على تناولها في معظم أوقات اليوم، لكن اليوم ومع تغير نمط المعيشة في السودان وتوافد مواطني دول الجوار، خصوصاً أثيوبيا موطن البن والقهوة، كثرت المحلات التي تقدم فيها القهوة ولكن بالطريقة الأثيوبية، وبدأت المظاهر السودانية في الاختفاء من جلسات القهوة وتسربت عادات الأحباش في تزيين أكثر للقهوة عبر تقديم (الفشار والحلوى)، وأطقم القهوة المختلفة الألوان في جلسات يتم فيها الإعداد على الطريقة الحبشية. كذلك أصبحت هناك قهوة عربية وتركية وإيطالية تقدم في الفنادق والأسواق الكبيرة (مولات التسوق) مما جعل كل أنواع القهوة المعدة من البن موجودة في العاصمة الخرطوم وكل يجد على مذاقه ما يحب من أنواع القهوة، سواء كانت سودانية خالصة أو حبشية أو عربية أو تركية أو حتى كابتشينو إيطالية، وتظل القهوة سيدة المزاج وأخت الوقت كما وصفها الشاعر الفلسطيني محمود درويش.
مابين القهوة والشاي
رغم أن طقوس شراب القهوة تعتبر جزءاً أصيلاً من تكوين المجتمع وقد طغى نسبياً على احتساء مشروب (الشاي)، والذى يعتبر أيضاً شراباً سائداً في المجتمع كما في كل الدول العربية، حيث يُشرب بكل نكهاته، ولعل الأشهر في ذلك جلسات شرب الشاي المعروفة بـ(البرامكة) وهي تسمية لأهل غرب السودان، لكن الشاهد الآن أن ممارسة شرب الشاي والقهوة كطقسين شعبيين يسيران في توازٍ، ولم يؤثر أحدهما على الآخر، فاختلاف الأمزجة له دورٌ مهم في أن يكون بقاؤهما متواصلاً كثقافة مجتمعية في اختيار المشروبات التى ترتاح لها الأنفس وتعدل المزاج لما تحتويه من مواد منبهة، وتشكل راحة ذهنية ونفسية لمن يحتسيها.
أدب وثقافة القهوة
للقهوة توثيق أدبي وثقافي متنوع موجود في الثقافة السودانية، فبعض الكتاب والشعراء السودانيين وثقوا للقهوة، وكتبوا الشعر فيها، كما اشتهروا بالكتابة والغناء للشاي كمشروب شعبي محبب لهم، ففي القهوة على سبيل المثال نجدهم قد غنوا بالعديد من الأغنيات، وكتبوا الأشعار أشهرها ما قيل في قهوة الشرق والبجا.
(يا بنية سوي الجبنة فوق ضل الضحاوية
الجبنة التسويها حالف ما بخليها
فنجان جبنة بي شمالو يسوى الدنيا بحالو)
كذلك نظم الشاعر الكبير محجوب شريف:
(ود باب السنط والدكة والنفاج
والحوش الوسيع للساكنين أفواج
واللمة الربت جنا المحتاج
والنار الدغش والريكة جنب الصاج
والسكسك المنضوم حول الجبينة نجوم
والفنجرية تقوم تقهوج الحجاج
طق طرق يا بن القهوة كيف ومزاج
يا بن خلي النعدل الراس ونحصل الترماي)