تعد القهوة (العربية) من أهم مفردات الموروث الثقافي الأردني، ذلك أنّها تأخذ ما يتجاوز الدلالة المرتبطة بالكيف، وتعديل المزاج، ومجرد الشراب المكمّل من الأشربة المتعلقة بالأمزجة، وما يترتّب عليها من تصفية للذهن، أو البحث عن المحفز للسهر وغيره من الأشربة، فهي بما سنذكره لاحقاً، واسطة اجتماعية تدخل في تفاصيل الحياة الثقافية/ الاجتماعية في الأردن، وتأخذ دلالتها الاجتماعية البارزة من حضورها الدائم في الأفراح والأتراح، وفي الضيافة العابرة، وفي الكثير من القضايا الاجتماعية كالصلح بين المتخاصمين في المجتمع الذي ما زال يتمسّك بالعادات الحسنة التي تنشد الاستقرار في المجتمع والحد من الخلافات بين أفراده.
القهوة في الأفراح
عندما يختار أحد الشباب فتاة ما لتكون زوجة له، تتحرك قوى الوساطة الأولية، وتكون في العادة من النساء، قبل عصر الواتس أب، لتفحص الفتاة المطلوبة، وتكوين الاتفاق الأولي حيث تنقل النساء الأخبار إلى الرجال، ويتم تحديد موعد (الطلبة) وهي طلب أهل العريس الفتاة من أهلها، وهنا يتوجه مجموعة من علية القوم (الجاهة) إلى أهل العروس ليطلبوا الفتاة للفتى، مختارين شخصاً ما من بينهم ليتحدّث باسمهم، وهنا يقوم أهل العروس بتقديم القهوة، ويُقدّم في هذه الحالة فنجان واحد من القهوة العربية، القهوة السادة المغلية المبهّرة، هذا الفنجان يقدم للشخص الذي يؤشر عليه القادمون/ أهل العريس، فيقوم هذا بوضع الفنجان دون أن يشربه، ويقول: لنا عندكم طلب، فيقول من يختاره أهل العروس ما معناه (اذكر طلبك) فيقوم بخطبة رقيقة في التعارف والتماسك المجتمعي إلى أن يصل إلى الطلب الرئيس الذي جاء من أجله، وهنا يقول أهل العروس: طلبكم مجاب، اشربوا قهوتكم، أو يقولون: بنتنا مهرها كذا وكذا فإن وافقتم فطلبكم مجاب واشربوا قهوتكم، فإن وافق أهل العريس، يقول الشخص المنتخب ما معناه: حاضرين، وموافقين، وهنا تدار القهوة من جديد لأن الفنجان يكون قد برد في العادة. وتدار القهوة على جميع الحضور.
الأفراح الأخرى: كالختان، أو نجاح أحد أفراد الأسرة أو شفاء مريض، أو ما يشبه، فإن القهوة تدار في الغالب (قصّاً) أي من اليمين إلى الشمال دون النظر إلى مقام الجالسين، والجالسون هم الذين يحددون ويفضل أحدهم الآخر على نفسه، وفي الأغلب يشير أحد الضيوف إلى شخص ما فيصب المضيف القهوة له.
القهوة في الصلح العشائري، والصلح بين المتخاصمين تستخدم طريقة تقديمها بالطريقة نفسها التي تتم فيها قهوة طلب العروس، ولكن الأمر هنا يختلف من حيث طبيعة المشكلة، هل هي قتل، أم مشكلة عابرة، أم غير ذلك من الخصومات. ومن يشرب القهوة هنا مُلزم بما تمّ الاتفاق عليه.
طبيعة الفنجان: فنجان صغير، ويوضع فيه كمية بسيطة من القهوة، لا تتجاوز خمس أو سدس سعة الفنجان، ولا يفضّل أن تكون الكمية كبيرة، لأن القهوة تشرب في (هفّة واحدة)، وإن ملأ الذي يصب الفنجان الفنجان، فإن ذلك يعني أنّ فيه غلِّاً على الضيف، وهو مستكره.
فنجان الضيف
كان في العادة أن يشرب المضيف الفنجان الأول أمام الضيف، وهذا إيذان منه بأن القهوة خالية من أي شيء وأنه يقدّم للضيف ما يطمئنّ إليه تماماً، ثمّ يصبّ للضيف ثلاثة فناجين، الأول للضيف، والثاني للكيف، والثالث للسيف، وأما فنجان الضيف، فهو التكريم والترحيب، وأما فنجان الكيف، فهو لتعديل المزاج والاستمتاع بالقهوة، وأما فنجان السيف، فهو بمثابة العقد الذي يعقده الضيف مع المضيف على مساندته في السراء والضراء والدفاع عنه في أي طلب، ومن هنا لا يشرب الضيف أكثر من فنجانين، لأن الثالث ملزم بما ورد. وأمّا علامة اكتفاء الضيف من شرب القهوة فهي هزّ الفنجان، وإن هزّ الفنجان عدة هزّات فإن ذلك يعني أنّه لا يريد المزيد، وعادة ما يرافق ذلك كلمة (دايمة) التي تعني الدعاء بدوام الكرم والهناء، إلا في حالات الأتراح، فإن هذه الكلمة لا تقال.
طريقة تقديم القهوة: يقدّم المضيف فنجان القهوة بيده اليمين، ويتناولها الضيف بيده اليمين أيضاً، وإن كانت ساخنة، فإن الأليق أن يبردها بتحريك الفنجان، لا بالنفخ في الفنجان لأن ذلك يعدّ عيباً. كما أنّه لا ينبغي أن يضع الفنجان وينتظر تبريده، لأن ذلك يعني أن له حاجة، فوضع الفنجان هو إعلان من الضيف أنّ له حاجة عند المضيف، وينتظر المضيف سماعها، فيوافق عليها ويقول اشرب قهوتك، أو يرفضها ويتم الحديث أو التفاوض، وفي الغالب تكون الحاجات متوافق عليها أساساً، إلا الحالات الطارئة التي لا يعلم بها المضيف، وتكون الموافقة أو عدمها وفق طبيعة الحاجة، ووفق كرم المضيف.
إعداد القهوة
تحمّص القهوة على النار حتى درجة معينة من النضح مع التحريك، ثم تترك حتى تبرد، ثم تطحن في المهباش، سابقاً، وهو الأداة التي تشبه الهاون، ولكنه من الخشب، إلى أن تتكسر الحبيبات فتصبح كالجريش، والآن تطحن في مطاحن القهوة المعروفة دون أن تصبح كالطحين، وهنا تصبح القهوة جاهزة للطبخ، وعملية طبخها تتم بغلي الماء، ثم وضع الكمية المطلوبة من القهوة فيه وتركها تغلي إلى أن تقدر فترة نضجها، ثمّ يضاف إليها الهيل/ البهار، بضع دقائق، وتوضع عن النار، وهكذا تكون جاهزة للتقديم، وسابقاً كانت توضع في الإناء الذي غُليت فيه، وتبقى على حافة النار لتحتفظ بحرارتها، وأما الآن فإنّها تفرّغ بالسّخانات، وهي الأواني المعدّة لحفظ درجة حرارة السوائل. وتجدد القهوة بإعادة الغلي أو التسخين وقد يستمر استخدام القهوة نفسها ثلاثة أيام للشرب، إلى أن تكون المادّة المغلية قد فقدت خصائصها.
القهوة في العزائم
كثيراً ما يعبّر الأردنيون عن العزيمة أو الوليمة بالقهوة كأن يقول للأشخاص المعنيين، قهوتكم غداً عندنا، وهذا يعني أنّكم معزومون عندنا يوم غد، وهنا تأخذ كلمة قهوة دلالة أخرى غير الدلالة الحقيقية، ومن النكت الحاضرة في ذهني وأنا أنهي هذه المقالة أنّ أحدهم أراد أن يكرم أحد المسؤولين الذي زار إحدى المحافظات، وهذا المسؤول لا يعرف هذه المفردة، فقال للمسؤول: تفضل قهوتك جاهزة عندنا، فقبل المسؤول، وعندما وصل إلى المكان وجد الموضوع يتجاوز القهوة، وأن المضيف قد أعدّ وليمة كبيرة لهذا المسؤول، وهنا غضب المسؤول ووبّخ المضيف: أنت لم تقل لي وليمة و(مناسف) أنت قلت قهوة، وأنا أتيت لأشرب قهوة.