مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

صاحب أسلوب (الحياة.. اللوحة).. التشكيلي محمد شاكر: بمقدور الفن أن يغير العالم

فنان تشكيلي رائد، لأصابعه همس وظلال يقولان كل شيء، أصابع تموسق اللحظة بالألوان والخطوط في نسق فسيفسائي بارع، وهو يثبت مهارة فائقة في صنع ورود التوافق والانسجام بين الألوان في نسيج ساحر، الفضل فيه أيضاً للطبيعة التي يراها أستاذه ومعلمه الأول.. فتفعل لوحاته التشكيلية، وهي تُقرأ كقصائد (هايكو) في المشاهد، فعلَ الشوق وحرارة العناق. إنه الفنّان التشكيلي الدكتور محمد شاكر المؤسس لأسلوب اللوحة- الحياة. 
التربية الجمالية.. هدف للإبداع
اللوحة التشكيلية رحلة.. حلم.. لحظة اصطياف المرئي واللامرئي.. مساحة دافئة للحياة.. للحرية.. للطيران.. وتواصل على زورق الألوان مع ما وراء العالم.. ماذا بعد؟ كيف ترى اللوحة أيضاً؟
 - بعد كل ما تقدّم.. أرى اللوحة رسالة يتعاظم دورها ما بين شعائر التربية الجمالية ومعادلة واجبة في علم الأخلاق، فالتربية الجمالية هي الهدف الأسمى للإبداع الفني بمختلف سماته ووسائطه، ثم تلك المعادلة التي تتجاوز حدود الجمال إلى فضيلة الجلال.
  زاهد الخط واللون والفرشاة
بينك وبين الخط واللون والفرشاة أسرار.. حالات عشق! قل لي مَنْ منكما يبادر بالبوح الجميل أكثر؟ أم تكملان بعضكما؟
- أنا أمام الخط واللون والفرشاة زاهد يستمسك بعطائهم الذي لا أعرف له ملامح للبدء ولا للانتهاء، وكم يختلف المسار أثناء متعة الأداء.. فيتغير المصير.
 أنا فنان مجتهد ولست مثيلاً لأحد
إذا ما وقفنا أمام خريطة الفن التشكيلي المصري، فأين مكان الفنان الكبير الدكتور محمد شاكر؟ مَنْ الأقرب إليك تقنية ورؤية من هؤلاء الفنانين؟
- أنا أمام خريطة الفن التشكيلي المصري أعتبر نفسي مجتهداً.. أهيم شوقاً إلى الرؤية الجديدة، حتى وإن أهم أعمالي على الإطلاق هو العمل الذي لم أبدأه بعد، وأعتز بتجارب الفنانين المصريين.. في الوقت نفسه أحرص على أن لا أكون مثيلاً لأي منهم، رغم أنني أقدر إبداعات الكثيرين من الرواد وجيل الوسط، وأيضاً بعض الشباب.
 قيمة الإبداع كامنة في المعنى
زيارتي الدائمة لمرسمك أيقونة الفن التشكيلي السكندري، عرفت أنك مفتون باللون، بارع في كيميائه الكونية، ولحظة حريتك وانعتاقك في هذه البراعة في تعاشق الألوان وانسجامها.. كيف اكتشفت هذا السر الساحر الكامن في حرارة أصابعك؟
- إذا كان سرّاً.. فما أروع أن يظل مستتراً بعيداً عن الاكتشاف، فما أروع أن تظل قيم الإبداع كامنة في رحم المعنى.. بعيداً عن الرداء الحسّي للمشهد، وكم أخجل من رؤيتك الكريمة يا سيدي.. فإنني حقاً ما زلت مجتهداً أرقب نفسي وهي تتأمل في حنايا ذاتها.
  الطبيعة أستاذي الأعظم
كان شعراء الهايكو الياباني يذرفون الدموع أمام الطبيعة! عشقك للطبيعة والغرام بتفاصيله، ثمرته هذا الإنجاز الإبداعي الفني الراقي، وأنت تخلد حتى التماهي مع مكونات الطبيعة.. أهي دموع وفائك لها أم ماذا؟ حدثني عن هذا العشق الذي قرأته صوفياً كقصيدة الهايكو؟
- لقد أدهشْتني بتلك القراءة الواعية لتجربتي مع الطبيعة، فمنذ طفولتي.. وهي أستاذي الأعظم الذي تتلمذت على عقله وروحه وثراء وجدانه، لقد تعلّمت التأمل في بلاغة الأمكنة وأسحار الزمان، وازدانت في فؤادي ثقافة التأمل بذلك البعد الفلسفي الذي تختال به الفكرة العقلانية في أعمالي خلال مراسم الإبداع، وأصبح مرسمي وكأنه محراب يفيض تصوفاً وتُقى، فالأشكال والألوان والملامس تتهيأ خاشعة لزيارة النور، الذي يعتبر الضمير المستتر دوماً في تجربتي الفنية، وكم تتسابق الموسيقى الكلاسيكية الراقية وقصائد وأغنيات عبد الوهاب وأم كلثوم وفيروز وغيرهم من سلاطين الطّرب، مع أعمالي في استضافة دموع (الهايكو) التشكيلي، فأستشعر وكأنني قد أسْكنت قرص الشمس في قلبي.
 بمقدور الجمال تغيير العالم
يقول كدويل: (إنّ الفن يغير من انفعالات الإنسان، فيتمكن من تغيير العالم).. كيف تغير اللوحة العالم؟ ونحن نعيش في عصر يتآمر على الكلمة واللوحة والموسيقى والنحت- رموز الحضارة؟
- إن الكلمة واللوحة والموسيقى والتمثال وكل وسائط الإبداع كانت وما زالت قادرة على تغيير العالم، وعندما تفقد قدراتها أحياناً في بعض عصور الاضمحلال وسيادة المحن.. فذلك استثناء لن يدوم، وترفع اضطراري نتيجة لارتباك الخطى وبلادة الإدارة.. وسوء الأداء.
 عمر الإبداع وقيمته مرهون بمصداقيته
أراك أيضاً تستنجد بالكلمة في بعض الأحيان.. أهي لحظة استراحة من أعباء الألوان والخطوط؟ أم أنها نافذة أخرى تطل من خلالها على العالم؟ أم لك أسئلتك الحضارية، وهي تجيب عنها بدفء؟ أم أن الكلمة أطول عمراً أم ماذا؟ حدثني!
- لمْ ولن تكون أعمالي في مجال الفن التشكيلي عبئاً، فمنذ طفولتي وأنا بها أسعد الناس، وكلماتي ليست نافذة أطل منها على العالم.. ولكنها فرشاة وصفحة ألوان أرسم عليها بالمعاني والرؤى من خلال الكلمات، وبالطبع قد تشتمل على تساؤلات وأجوبة، وأما عمر الإبداع.. فأرى أنه يتوقف على قيمته ومصداقيته سواء كان رسماً أو كلمة أو موسيقى.. أو أي عمل نافع لدعم الحياة والارتقاء بها.
 التجريب والتفرد والحداثة وحركة الحياة
 نحن الكتّاب والشعراء نصغي لفعل الكلمة.. وننتظر حرائقها، وقد أسقطنا كل الألقاب.. والمدارس.. والمذاهب.. والاتجاهات، استعذبنا عواصف ما بعد الحداثة، وانتصرنا للإبداع فقط! هل حقّق التشكيليون هذا المفهوم مادام الإبداع ليس له حدود، وكل ما يحدّ الإبداع فهو رجعي؟
- في تاريخ الإبداع بالكلمة أو بالرسم أو بالموسيقى أو بالنحت كان التجريب والبحث الدائم عن التفرّد والحداثة هو المنطق الذي تتطلبه حركة الحياة، خصوصاً مع التطور المتنامي في مجالات العلوم والتقنيات، والتشكيليون مثل غيرهم من المبدعين تتفاوت لديهم مستويات التجريب ما بين ممارس للغة الفن.. ومبدع خلّاق، وتقل نسبة هذا المبدع الخلاق عن نسبة ممارس الفن أثناء عصور الاضمحلال بكل تأكيد.
 نعمة القراءة مفتاح المعرفة
يقول سارتر: (القراءة حلمٌ متلوّ بيقظة).. ما مدى تأثير القراءة عليك كفنان تشكيلي كبير، وعلى فضاء اللوحة لديك؟ وما نوع قراءاتك؟
- أدين بكل الفضل إلى نعمة القراءة التي أدمنْتها منذ الصّبا وهي السبيل الدائم لإثراء الخلفية الفكرية في أعمالي الفنية، إلى جانب فضْلها الدائم على مهنتي كأستاذ جامعي وكشخصية عامة، وإذا كانت العلوم الإنسانية والفلسفية تحظى بالقدر الأكبر في قراءاتي إلا أنني لا أستطيع أن أقاوم أي كتاب أو أي معلومة في أي من مجالات المعرفة المتنوعة.
 السريالية جعلت الزمن حالة ميتافيزيقية
يُحسب للفنّ التشكيلي سخريته من الزمن.. فلوحات السريالي الكبير (دالي) كانت سخرية من الزمن، ودعوة شفافة إلى العيش في اللازمن، إذ كل إبداع هو في اللازمن..! ماذا تقول؟ قل لي هل يعجبك سلفادور دالي؟ ولماذا؟
- الزمن يعتبر الموضوع الأهم لدى العديد من المبدعين ولكن السيريالية قدمت الزمن في حالة ميتافيزيقية ترصد من خلالها ما وراء الطبيعة، وتلك إضافة صنعها هذا الاتجاه لاستشراف الزمن في اللاشعور من خلال البحث في عوالم الحلم والخيال، أما سلفادور دالي فهو يقدّم صورة فيها دهشة ومبالغة، استطاع أن يمتلك بها مكانة على مستوى العوام، ولكن عندما نتأمل في هذا الاتجاه.. فيعجبني أكثر بوكلن وماكس إرنست Max Ernst ورينيه ماجريت René Magritte ورائد الاتجاه الميتافيزيقي جورجيو دي كريكو Giorgio de Chirico.
تتابع الحركة التشكيلية في الوطن العربي بالتأكيد! مَن مِنَ الفنانين التشكيليين العرب تنجذب له، وتسحرك فرشاته وألوانه وفكره؟
- بداية أنا لا أؤمن بالسحر.. ولكن هناك بعض تجارب جديرة بكل الاحترام في الوطن العربي، في كل من العراق والكويت وسوريا ولبنان والسعودية والإمارات وغيرها، ومازال الحراك المتبادل بين المبدعين في تلك الدول والمبدعين المصريين يتشكل من خلاله مجال أكثر ثراء لمستقبل الفنون التشكيلية العربية مما هو عليه الآن.
pantoprazol 60mg oforsendelse.site pantoprazol iv
ذو صلة