مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

الفنون البصرية عبر العصور الإسلامية


الفنون البصرية من المحاولات التي أكدت انتماءها للحضارة الإسلامية لما لها من دلالات ذات كيان موضوعي في حيز الوجود، وقد سيطرت روح الإسلام على ما أنتجه الفكر وأبدعته اليد الماهرة، يد الفنان التي خدمت طبيعة المجتمع، واستجابت لعنصري الزمان والمكان في الفكر العربي الإسلامي. وفيما أبدع هذا الفكر من فنون؛ تظهر روائع الفن الإسلامي في بناء قبة الصخرة في قدس فلسطين التي بناها عبدالملك بن مروان في العام 691هـ، وفي جماليات الجامع الكبير في دمشق الذي شيده الوليد بن عبدالملك في العام 706هـ، وفي مراكش وفاس والقيروان.
وهذه القدرة الخلاقة في فنون العمارة والنقش والزخرفة والتأليف في الوحدات الهندسية والزخرفية؛ كان مرتبطاً بقانون موحد يتحرك ضمن وحدات فلسفية عكست ارتباط الرؤية بين اللامرئي في رمزه الزمني (السماوي) وبين المرئي في رمزه المكاني (المادي)، برباط الإبداع، وظهر ذلك في قاعات الحمراء المنقوشة وزخارف النوافذ والجدران التي تجمعها وحدة واحدة كما جمع المسلمين فكر واحد وعقيدة واحدة.
وهذه الرؤية الفلسفية الكامنة وراء الفنون التي تنسحب على اختيار المواد الخام وتطويعها إليها (كالذهب والفضة والنحاس والأحجار الكريمة والحجر والفيفساء ومواد التزجيج والرقش)؛ هذه المواد بمناخاتها المختلفة وبوحداتها المتنوعة تخدم الفن وتجعله مرتبطاً بمظاهر الحياة. وتؤكد الدلائل المتمثلة في معظم مجالات الفنون البصرية حضورها الباقي خلال الزمن ووجودها الحاضر فيما تبقى منها للمستقبل، وقد وجد الفنان في العصر الإسلامي طريقًا سهلاً إلى تفعيل عمليات الانتقاء البصري والاحتكاك الثقافي مع الفنون السابقة عليه فتأثر بها، وأضاف إليها بعد دمجها في خصوصيتها الإسلامية.

الدولة الأموية (41 - 132هـ)
كان اختيار الأمويين مدينة دمشق عاصمة للخلافة الإسلامية من أسباب ازدهار الفن الإسلامي، وظهور الطراز الأموي، وهو أول مدارس الفن، وكان لهذه الفترة أثر عميق في تاريخ الحضارة الإسلامية، فاستخدم الأمويون الأساليب الزخرفية لتحديد المساحات المشغولة بالعناصر النباتية والحيوانية كإطار، ويظهر ذلك في نافذة بقصر المفجر، وهي زخارف جصية ذات أشكال هندسية ونباتية.

الدولة العباسية (132 - 656 هـ)
مر الفن الإسلامي في الدولة العباسية بثلاث مراحل عُرفت باسم سامراء الأول والثاني والثالث، وكان طراز سامراء الأول والثاني استخدم الأشكال الهندسية في تحديد النوعيات الأخرى من الزخارف كإطار فقط، كما كان متبعاً في العصر الأموي، وبعد فترة من الزمن، مع بدء حركه الترجمات والمجالس العلمية؛ برع الفنان في العصر العباسي في العلوم الهندسية، وقامت الأبحاث والابتكارات للأشكال الهندسية، ويذكر (سند بن علي) أنه تفرغ ثلاث سنوات لاستيعاب كتاب المجسطي، واستطاع بعد ذلك أن يصنع أشكالاً جديدة مغايرة لما في الكتاب، وعرض رسومه على المهندسين في دار العباس بن سعيد، وبعد الاطمئنان على عمله أُدخل إلى مجلس المأمون. وهذا يدل على مدى الاهتمام في العصر العباسي بالعلوم الهندسية بصفة خاصة، وبذلك برع الفنان المسلم في عمل التشكيلات الهندسية في العصر العباسي. ومن الأعمال المهمة خلال هذه الفترة مئذنة جامع النوري بالعراق، ونوافذ جامع أحمد بن طولون. وظهر ذلك واضحاً في المئة والثماني والعشرين نافذة الجصية الموزعة على جدران الجامع والتي تختلف كل منها عن الأخرى من حيث التشكيلات الهندسية ونوع النظام الذي صيغت من أجله.

الدولة الفاطمية (298 - 567 هـ)
تقدم الفن الإسلامي في العصر الفاطمي، وخطا خطوات واسعة، وظهر ذلك على أسطح المشغولات التي احتلت عناصرها وأركانها التشكيلات الهندسية المتنوعة، ويرجع تطور الفنون في العصر الفاطمي إلى ازدهار الحياه الاقتصادية والسياسية في مصر، وقد أطلق الفنان في العصر الفاطمي خياله الهندسي في التشكيلات القائمة على الخطوط المستقيمة، ويعتبر محراب السيدة نفيسة بمثابة نقطة تحول في تاريخ الفن الإسلامي الهندسي؛ إذ تم توظيف الوحدات الهندسية على مختلف الأسطح لتجميلها.
الدولة الأيوبية (564 - 658 هـ)
لم تتغير الأساليب الفنية في العصر الأيوبي تغيراً يمكن الإشادة به، فقد ظلت الأساليب التقنية والفنية الفاطمية متبعة في كثير من الفنون. ومن مجموعات تلك الفترة: محراب السيدة رقية، وتابوت المشهد الحسيني الموجود بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة.

الدولة المملوكية (648 - 922 هـ)
بعد استيلاء المماليك على الحكم في مصر أصبحت مصر مقراً للخلافة الإسلامية، وتضافرت مجموعه من العوامل جعلت مصر ذات مركز فني مرموق، ومن هذه العوامل هجرة الصناع والفنانين من العراق إلى مصر أمام هجمات المغول المدمرة، وتوافر الأموال في مصر كعائد من التجارة، وتوافر الأيدي العاملة الفنية الماهرة. وقد أدى ذلك إلى ازدهار الحياة الفنية، وظهور أساليب فنية جديدة، مثل أسلوب زخرفة الجدران بوحدات المقرنصات، وخير مثال على ذلك زخرفة مدخل مسجد السلطان حسن، وكذلك استخدام الأطباق النجمية في تزيين المنابر والقباب، وأول ظهور لهذه الأطباق النجمية كان في الدولة الفاطمية، إلا أنها أصبحت ذات قيمة فنية في الدولة المملوكية. ولم يقتصر الفنان في العصر المملوكي على زخرفة الجدران والمنابر بالأشكال الهندسية النجمية؛ بل استخدمها في تزيين أغلفة المصاحف. ومما سبق يتضح ما شهدته الحضارة الإسلامية في عصر الدولة المملوكية من نشاطات فنية وابتكارات جديده في مجال الفنون البصرية عامة.
وبعد العرض السريع لتطور الفن الإسلامي تاريخياً نجد أن الفنان في الحضارة الإسلامية قد تفهم بناء الأشكال الهندسية كما أضاف إلى تلك الأشكال من نتاج عقله وفكره حتى أصبحت تلك الأشكال الهندسية سمة من سماته، وقد ذكر (برجوان Bourgoin) أن الأشكال الهندسية في ظل الحضارة الإسلامية لها أهمية خاصة وشخصية فريدة لا نظير لها في أي حضارة. والمتاحف مثل متحف الفن الإسلامي بالقاهرة ومتحف الفن الإسلامي بجزيرة المتاحف في العاصمة الألمانية برلين؛ بهما مجموعات نادرة من المقتنيات الفنية الرائعة التي تبهر من يشاهدها، ويحوي الأخير مجموعة من الزخارف المعمارية مثل واجهة قصر المشتى والجصيات، ومنها ما هو نتاج التنقيبات والاكتشافات الأثرية في منطقة سامراء، وبه مجموعه كبيرة من الفنون التطبيقية في شتى المجالات كالآنية الخزفية والمعدنية وأعمالاً نحتية على الخشب والعظم والزجاج، وقد تم افتتاح المتحف في العام 1904م وأنشئ قسم للفنون الإسلامية فيه، وهذا القسم هو ما يحتضنه متحف البرجامون منذ العام 1932م، وكان قوام هذه المجموعة عبارة عن واجهه قصر المشتى وهي واجهة لقصر قديم من العصر الأموي لم يكتمل بناؤه، وهو هدية من السلطان العثماني عبدالحميد الثاني إلى قيصر ألمانيا (فيلهالم الثاني) الذي أهداه بدوره إلى المتحف، ويضم المتحف مجموعة نادرة من الكتب الثمينة والرائعة التزيين من إيران ووسط آسيا والهند ترجع للقرنين السادس عشر والسابع عشر.
وإذا كان للفن سطوة سحرية أثرت المتلقي عبر التاريخ؛ لذا علينا أن نكتشف ذاتنا عبر تراثنا من الفن الإسلامي وما تركه لنا الأجداد من روائع الفن في شتى تجلياته وستظل هذه المقتنيات علامة فارقة وراسخه في تاريخ الفنون.
 
ذو صلة