مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

رجل الاقتصاد والثقافة محمد سرور الصبان (1898 - 1971)

(أنا محمد سرور الصبان ولدت أواخر سنة 1316 هجرية (1898 ميلادية) في إحدى مدن الحجاز، في جدة، وكان والدي يعمل تاجراً فيها، وليس في مكة بالطبع، وتعلمت القراءة والكتابة والتجويد والحساب فقط لا غير، في جدة ومكة في المدارس التي كانت موجودة في ذلك الحين وتركتها إلى الحياة العملية من غير أن أتمم دروسي ولم أكن في حياتي سعيداً قط! بل على العكس كنت معذباً ولا أزال متألماً).
هذا ما ذكره الصبان عن نفسه في صفحة من كتاب (أدب الحجاز) الذي جمعه ورتبه وأشرف على طباعته ونشره عام 1925.
وعلى أن الأعمال التجارية والإدارية أخذته عن الثقافة إلا أنه وازن ما بينها. فقد تقلب في وظائف ما بين العهد الهاشمي والعهد السعودي، فمن كاتب يومية في بلدية مكة المكرمة، عام 1336هـ إلى وزير المالية الثاني في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله-، وكانت له اليد الطولى في تأسيس وإدارة مشاريع عدة، في مجال الخدمات كالطباعة والنقل والأغذية والعمارة..
وقد أسس المكتبة الحجازية التي أصدر عنها مجموعة كتب تعد من علامات التحول الثقافي، وهي (أدب الحجاز) 1344هـ - 1925م، الذي ضم شعراً ونثراً لعدد من أدباء الحجاز، والثاني (المعرض) 1345هـ - 1926م، المتضمن آراء أدباء الحجاز الشبان من اللغة العربية والكتابة بالعامية.
وقد طبع في تلك المكتبة مجموعة أخرى، مثل العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين: للتقي الفاسي (8 أجزاء)، وشفاء الغرام بأخبار البلد الحرام: للتقي الفاسي (جزأين)، والطرق الحكيمة: لابن القيم الجوزية، وتفسير معاني كلمات القرآن: للشيخ محمد حسنين مخلوف، ومختار الصحاح للجوهري، وتهذيب الصحاح للزنجاني، ومدارج السالكين: لابن القيم الجوزية، وديوان فؤاد الخطيب.
وخلف الصبان مكتبة ضخمة تضم مجلدات من عيون التراث ونوادر الكتب القديمة والحديثة في الدين واللغة والأدب والتاريخ مطبوعة ومخطوطة. وقد أهديت المكتبة عام 1397هـ (1977م) إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة.
وقد صنفت محتوياتها في حقول شتى: دوائر المعارف، والقرآن وعلومه، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، والإسلاميات، واللغة العربية، والأدب، والتاريخ والتراجم، والمتفرقات، ومجموعة كتب الرابطة، والمخطوطات، والمصورات، وكتب قديمة مطبوعة، والدوريات.
وكثير ما ينسى، ولعل الصبان آثر التخفي، حاجباً شعريته فقد وثق في كتاب (أدب الحجاز) قصائد ومقالات من بين ما وثق لشبيبة أو ناشئة ذلك العهد.
ففي قسم المنظوم وردت مقاطع من قصيدة (يا ليل) تحت إشارة -من قصيدة لشاعر حجازي لم يشأ ذكر اسمه-، ونقلها بتسجيل خاص المغني والملحن المصري محمد عبد الوهاب:
(يا ليل لو أن الغزالة سرها قد كان غيبا
لم تفش من مكنونها أمراً ولو لم تأت عيبا
لغدت بنا الأمثال تضرب في الورى جمعاً وصحباً)
بينما في نهاية الكتاب يثبت لنفسه قصيدتين، بعد أن عرف عن نفسه، الأولى قصيدة (عاطفة النفس):
جل الأسى وتتابعت زفراتي
          ودنا المشيب فقلت حان مماتي
وطفقت ألتمس الخلاص بحيلة
          أين المفر من القضاء الآتي؟
يا أيها القدر الموافي إنني
          بادي الضنى هلا ترى نظراتي
امنن علي بساعة أقضي بها
           حق البلاد وخذ ربيع حياتي
والثانية (إلى أبناء الغد) ومنها:
أيها الأبناء سمعاً إنني
          سوف أتلو لكم ذكرى السنين
كان لي مال وجاه وندى
          وسماح فوق وصف الواصفين
أجمع المال لكي أنفقه
              في مواساة لعباد البائسين
فكأني حاتم في قومه
          أصرف الأموال في وجه قمين
يلهج الناس بشكري دائماً
                ويعيشون بفعلي آمنين
ذو صلة