وضعت هذه الدراسة، مفرغة من الأسانيد، عن حاطب ليل، إذ تسيطر نزعة ذهنية قوامها: الجهل والانتقاء، عند طه حسين (1889-1973) حول حضارة شبه الجزيرة العربية، فقد جمع بين انتقائية المستشرق وجهل القروي.
إذ بنى استنتاجات مسبقة حول هذه الحضارة، في صورتين: فالأولى تكرس صورة الشتات الجغرافي والعزلة التاريخية والبداوة الاجتماعية، هذه المعلومات مستقاة من المؤرخين اليونانيين والرومانيين، والثانية: تؤسس صورة المركز والهامش في أدب بدوي (الشعر النبطي شعر القرى والحضر لا البادية فقط)، وأدب تقليدي يدور الأساليب الشامية والعراقية والمصرية.
إذ يقول حول الصورة الأولى: (أنت تستطيع أن تتحدث عن مصر وعن سورية وعن تونس أو الجزائر فتصف حياتها الاجتماعية والسياسية والأدبية والدينية في غير مشقة ولا صعوبة، لأن لكل بلد من هذه البلاد وحدته الجغرافية والسياسية واللغوية. وهذه الوحدة تمكنك من أن تصف كل بلد من هذه البلاد وصفاً مقارباً إن لم يكن دقيقاً كل الدقة. أما بلاد العرب أو جزيرة العرب كما يسميها الجغرافيون فليس لها من هذه الوحدة حظ، فما تقوله عن الحجاز لا يصدق على اليمن وما تقوله في أمر نجد لا يصح بالقياس إلى تهامة، فليس هناك قطر واحد وإنما هناك أقطار وأقاليم).
ويخفى الكثير عن حسين حول الإثنيات المختلفة والطوائف الدينية والتباين الجغرافي والامتداد التاريخي لكل قطر من تلك الأقطار مثيل شبه الجزيرة العربية.
أما الصورة الثانية فيقول عنها: (وإذا كان الأدب الشعبي مصوراً للحياة العربية البدوية تصويراً صادقاً ممتازاً، فإن الأدب التقليدي بعيد كل البعد عن هذا التصوير ذلك لأنه متكلف مصنوع لا صلة بينه وبين الطبيعة الحرة، فهو لا يعكس ما يحسه الشعراء والكتاب، وإنما يمثل ما يريد الشعراء والكتاب أن يضعوه فيه. حظ النفاق فيه أكثر من حظ الصراحة، ثم هو تقليدي لا يصدر فيه أصحابه عن أنفسهم وإنما يقلدون فيه أهل الحواضر من المصريين والسوريين والعراقيين).
وهنا يمكن إطلاق مجموعة من التساؤلات: هل يعرف طه حسين قراءة الأدب النبطي (قصائد وسوالف وأمثال..)؟. وهل اطلع على نماذج وافرة من الإنتاج الثقافي لأدباء الجزيرة العربية حتى تاريخ دراسته عام 1935؟. لماذا لم يورد أية نموذج يمثل ذينك الأدبين الشعبي والتقليدي؟.
كل ما ذكره حسين في هذه الدراسة، بعيداً عن استنتاجاته المسبقة، ومعلوماته المغلوطة، يمكن أن تتهاوى ببساطة لا بما حدث من نهضة في حقول الحياة منذ تأسيس المملكة العربية السعودية، ودول الجوار سواء في شرق أو جنوب الجزيرة العربية وإنما بذكر مجموعة من المؤلفات تكشف طرق تأسيس الجهل العربي بالعربي.
ثمة مؤلفات وفرت الكثير عن مثقفي الجزيرة العربية، ما بين القرن التاسع عشر ومطالع العشرين، فلو أراد عن أقاليم نجد والأحساء وعمان واليمن، فهناك كتاب (نزهة الألباب في تاريخ مصر وشعراء العصر ومراسلات الأحباب) (1897) للمؤرخ المصري محمد حسني العامري (1874-1954)، وأما عن إقليم الحجاز فهناك كتابان حررهما وأشرف عليهما محمد سرور الصبان (1898-1971)، فالأول (أدب الحجاز: صفحة فكرية من أدب الناشئة الحجازية) (1925)، والثاني (المعرض) (1926) الذي أجاب مشاركيه عن سؤال: هل من مصلحة الأمة العربية أن يحافظ كتابها وخطباؤها على أساليب اللغة العربية الفصحى، أو يجنحوا إلى التطور الحديث؟، وختامها (خواطر مصرحة) (1926) لمحمد حسن عواد (1902-1980).
الناشر: مطبعة النشر العربي، دمشق، 1935.