مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

الموسوعات الإلكترونية العربية تعاني الكسل والعجز القومي

في دراسة أعدها الدكتور شريف اللبان في كلية الإعلام بجامعة القاهرة بعنوان (الموسوعات الإلكترونية, قضايا وإشكاليات)، أشار فيها إلى أن الحديث عن الموسوعة العربية الإلكترونية يتطلب التوقف عند نماذج ثلاثة مختلفة في طبيعتها، ولكنها تشترك في بعض الصفات، مثل كونها: عربية، إلكترونية، شاملة، وهذه النماذج هي: الموسوعة العربية العالمية www.mawsoah.net شارك في إعداد نسختها الورقية، أكثر من ألف عالم وباحث ومستشار ومؤلف ومترجم ومحرر ومراجع علمي ولغوي ومخرج فني، لينتجوا أول وأضخم عمل من نوعه وحجمه ومنهجه في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، يقع في ثلاثين مجلدًا، وسبع عشرة ألف صفحة، وذلك عام 1996م في المملكة العربية السعودية، لتكون الموسوعة العربية الإلكترونية الأولى التي تظهر في فضاء العالم الافتراضي بهذا الحجم حتى الآن.

وقد سعت هذه الموسوعة في نسختها الورقية أولاً، إلى تحقيق جملة من الأهداف، منها: تقديم مادة متنوعة ومتكاملة وشاملة، دون النزوع إلى التعمق المتخصص، مع محاولة صياغتها بلغة عربية سليمة وسهلة وواضحة لجميع المستويات. كما سعت إلى تأسيس تجربة علمية حضارية جديدة على الصعيد العربي المعاصر في مجال العمل الموسوعي الشامل. وقد استطاعت تحقيق جزء غير بسيط من أهدافها، تقع في حوالي أربعة وعشرين ألف مدخل رئيسي، ونحو مئة وخمسين ألف مادة بحثية، تشمل مصطلحات ومواقع وأعلام وأعمال أدبية وعلمية وفنية مرتبة حسب الألف بائية المعجمية العربية. كما تضمنت اثنتي عشرة ألف صورة، وألفين وخمس مئة خريطة، وأربعة آلاف إيضاح، وألف جدول إحصائي وزمني. وكبر حجمها يمثل عائقاً كبيراً بينها وبين فكرة اقتنائها لدى الأفراد، كما أن طباعتها طبعة فاخرة أدت إلى ارتفاع تكلفتها، وبعد توافر نسخة إلكترونية لكل هذا الكم المعرفي الهائل، فإنها ليست مجانية تماماً، رغم وجودها في بيئة الإنترنت التي تغلب عليها المجانية. ويبدو أن نشر المعرفة وتوصيل المعلومة السهلة والواضحة لم يكن الهدف الوحيد للمشتغلين على هذه الموسوعة، إذ كان الربح المادي يشغل حيزاً من أهدافهم وطموحاتهم، ولهذا قاموا بإعداد نسختين من الموسوعة في صيغتها الإلكترونية، أطلقوا على إحداهما اسم (النسخة الإعلامية)، والأخرى (النسخة الكاملة)، والبون بينهما شاسع جدا؛ فالبيانات الإحصائية المذكورة أعلاه عن محتوى الموسوعة تمثل النسخة الكاملة، أما النسخة الإعلامية فهي نسخة مختصرة جداً، ولا تتضمن أكثر من أربعة آلاف مقال فقط.
فقر المحتوى العربي .. وويكيبيديا نموذجاً
موسوعة ويكيبيديا الحرة www.wikipedia.com أسسها الأمريكي (جيمي ويلز) عام 2001م متعددة اللغات، يسهم فيها عشرات الآلاف من المتطوعين، من مختلف أنحاء العالم. وقد صدرت في يوليو 2003 نسخة عربية لهذه الموسوعة، ومازالت إلى الآن في مرحلة بناء المحتويات، ولا يزال عدد المدخلات فيها متواضعاً جداً مقارنة بغيرها من اللغات في الموسوعة ذاتها، إذ تعد النسخة الإنجليزية لها الأكبر من حيث عدد المدخلات، تليها النسخة الألمانية. وتعتمد هذه الموسوعة على تقنية ويكي لإدارة محتويات الموقع. وتتميز هذه التقنية بخاصيتين: الأولى إمكانية تعديل الصفحات بواسطة أي مستخدم، والثانية إمكانية إدراج ارتباط لصفحة لم تنشأ بعد. وتهدف هذه الموسوعة إلى توفير المعلومة بسرعة ومجانية، وهذا يساعدها على تحقيق معادلة نادرة التحقق في أي موقع إلكتروني آخر، وهي معادلة وجود المعلومة والمجانية والتفاعل، وبناء على هذا تتميز هذه الموسوعة بميزتين، الأولى مجانيتها، وهي ميزة مهمة وضرورية في الإنتاج الموسوعي الإلكتروني. والثانية جعلها كل أفراد المجتمع الافتراضي فاعلين ومشاركين في خدمة ثقافتهم. ولكن الميزة الثانية تحتمل أن تكون في بعض الأحيان عيباً يؤخذ على هذه الموسوعة؛ فسماحها للجميع بالمشاركة في إضافة المعلومات والتعديل فيها دون ضوابط قد يؤدي إلى الفوضى أو العشوائية أو سوء الاستخدام أو غير ذلك. ويؤخذ على النسخة العربية للويكيبيديا قلة عدد المدخلات وتواضع المعلومات فيها، مما ينفي عنها صفة الشمولية التي نطالب بها في العمل الموسوعي العربي الإلكتروني، مع أن هذه الصفة تظهر بوضوح في النسخة الإنجليزية مثلا للموسوعة ذاتها.
إن مقدار المادة المعرفية العربية الموجودة في النسخة العربية لهذه الموسوعة منذ إطلاقها حتى اليوم لا يكاد يبلغ نصف عدد المدخلات الشهرية للنسخة الإنجليزية للموسوعة ذاتها، وأعتقد أن هذه المعلومة تعكس مدى تفاعل الشعوب واهتمامها بخدمة لغتها وثقافتها، ونشاطها في توسيع دائرة الفعل الثقافي والمعرفي، ونشره، وتوصيله إلى أكبر عدد ممكن من الناس.
موسوعة المعرفة www.qcat.net/index.php نموذج موسوعي إلكتروني عربي شمولي مجاني جديد، يتوخى تقديم المعلومة في أي فرع من فروع المعرفة للمستخدم العربي للشبكة، بسهولة، ومجانية, وأسس هذه الموسوعة مجموعة من الشباب القطري، هم: طارق العثمان، وجاسم آل ثاني، وخالد الكواري، بجهد ذاتي صرف، كما يبدو من تصفح الموسوعة. والحقيقة أن مؤسسي هذه الموسوعة بذلوا جهوداً كبيرة في سبيل إنجاز ما تم إنجازه منها حتى الآن، والهدف الذي يسعون إليه سامٍ ونبيل، ولكن يؤخذ عليها أن العمل فيها كان شبه فردي، وقد أدى هذا إلى بطء قيام الموسوعة، وقلة الإعلانات الدعائية لها، مما يعني قلة عدد العارفين بها والمستخدمين لها، مع أنها تتضمن الكثير من المعلومات التي قد يحتاجها الطالب والباحث والمختص وغيرهم. وأحدث مادة معرفية أضيفت، كان بتاريخ (8/9/2004م)، وهذا يشير إلى وجود عوائق كثيرة من جميع الجوانب. ومما يؤخذ على هذه الموسوعة أيضاً أن تركيز هؤلاء الشباب كان منصبّاً على بعض جوانب الموسوعة التي يريدونها شاملة، كما يبدو جلياً من خلال الهيكل التصنيفي الطموح الموضوعات الموسوعة، وأيضاً من خلال الاسم الذي اختاروه لها، وهو (موسوعة المعرفة) بما يعني المعرفة عموماً بكل جوانبها وتفاصيلها، ولكن في الحقيقة نجد أن الموسوعة السياسية تحتل الجزء الأكبر من اهتمامهم، تليها الموسوعة العلمية، ثم الموسوعة الجغرافية، وذلك من حيث عدد المدخلات. في حين لا تتضمن موسوعة الحيوانات والطيور أي إدخال، أما الموسوعة التاريخية فلا يوجد فيها أكثر من أحد عشر إدخالا حتى الآن. وبالاتكاء على ما تقدم يبدو أن واقع العمل الموسوعي العربي الإلكتروني الشامل لا يتناسب مع عدد سكان العالم العربي، ولا مع عدد المستخدمين العرب لشبكة الإنترنت، ولا مع عدد المؤسسات الثقافية والفكرية، الرسمية وغير الرسمية، العربية الموجودة في العالم الواقعي أو في العالم الافتراضي.
أزمة الموسوعات الإلكترونية العربية
تعاني الموسوعات ودوائر المعارف العربية أزمة، سواء في وجودها من الأصل أو في حداثتها وعصريتها وتغطيتها لأوجه المعارف والحضارة قديمها وحديثها. فنحن قد وصلنا في عالمنا اليوم إلى درجة هائلة من التراكم الحضاري والمعرفي في كل مجالات الحياة تجعلنا في احتياج حقيقي للاطلاع الدائم على تعريفات وأصول الأشياء بلغتنا العربية، ومن وجهة نظر كبيرة تناسبنا كي لا تختلط الأمور على كبيرنا وصغيرنا، كما هو حادث اليوم، فنجد خريجي الجامعات والأكاديميات في بلادنا يجهلون أبسط الحقائق عن الحياة والتاريخ والجغرافيا، وغيرها. أما الإسهامات الحكومية في المحتوى العربي على الإنترنت فهي تحتاج لمراجعة طويلة، ويستثنى من هذا تجارب قليلة هنا أو هناك مثل مشروع CultNat المصري بالتعاون مع بعض شركات تكنولوجيا المعلومات العالمية لتوثيق التراث والحضارة المصرية على الإنترنت، والذي يسير بخطى بطيئة بعض الشيء لضخامته ولكنه بالفعل يعتبر إضافة واستثناء.
ويبدو أن هناك حالة من الكسل أو العجز القومي لإنجاز موسوعات عربية حديثة وعصرية تضم كل ما نحتاجه للاطلاع على نتاج الحضارة البشرية بكل تراكماتها, ومنها حضارتنا بالطبع, تكون متاحة لكل إنسان عربي من كل الأعمار في أي وقت وبكل الأشكال الممكنة، في محاولة لتقليل الفجوة الحضارية التي تفصلنا عن أمم وشعوب أخرى. لقد جمعت ويكيبيديا في أقل من عشر سنوات منذ انطلاقها عام 2001 أكثر من 12 مليون مدخل معرفي بأكثر من 238 لغة، ولا تتعدى المقالات الموجودة باللغة العربية عليها 100 ألف مقال فقط، لتأتي في مرتبة متأخرة بين لغات أخرى عدة أولها الإنجليزية التي تصل عدد المقالات المكتوبة بها إلى أكثر من 2،8 مليون مقالة.
البعض يُرجع هذا الفقر في المحتوى العربي على ويكيبيديا -والذي هو مثال واضح لفقر المحتوى العربي على الإنترنت عموما- إلى أكثر من سبب، منها افتقاد الإنسان العربي لروح التطوع للمشاركة في مشروع مثل هذا يقوم على جهود تطوعية ودون مقابل، وهذا ربما لعدم اكتراثه أو لعدم إيمانه بجدوى مساهماته الصغيرة وهي النتيجة المنطقية لعقود من القمع والتهميش للشعوب العربية بكل فئاتها وطبقاتها.
فنحن نشهد في دول عربية عدة زيادة كبيرة في أعداد المستخدمين للإنترنت وانتشار استخدام أحدث التقنيات في الاتصال بالإنترنت الذي أصبح منتشراً على أجهزة الكمبيوتر والموبايل في البيوت والمدارس والجامعات وأماكن العمل وغيرها. لدينا أيضا أعداد غفيرة من خريجي الجامعات في مختلف التخصصات، ولدينا كنوز من المعارف والدراسات والآداب العربية التي تفتقد للتوثيق الرقمي بأشكاله وتتعرض للتلف والضياع مع الزمن، فما الذي ينقصنا إذن غير الرغبة والإرادة والتنظيم.
الحاجة لمبادرات عربية متعددة
نحتاج لمشروعات قومية ترعاها الحكومات والمنظمات الإقليمية المعنية ومنظمات المجتمع المدني لنقل المحتوى العربي على الإنترنت إلى مستوى آخر سواء بزيادة مشروعات توثيق الحضارة والتراث وإتاحتها رقمياً باللغة العربية أو بإطلاق موسوعات عربية عصرية، أو بنشر فكرة التطوع بين الأفراد للإسهام في تحرير الموسوعات الحرة والمدونات والمواقع المتخصصة وغيرها، سواء بجعل هذا جزءا أصيلا من الواجبات المدرسية والمهام البحثية في الجامعات والأكاديميات، أو بأي طريقة كانت.
وثمة مبادرة من المركز التكنولوجي لحقوق الإنسان وبالتعاون مع الاتحاد المصري لمنظمات حقوق الإنسان الشابة تم إطلاق المرحلة الأولى «المرحلة التجريبية» من أول موسوعة إلكترونية متخصصة في مجال حقوق الإنسان باللغة العربية (هيومان رايتس ويكي), وذلك في إطار برنامج الاتحاد المصري الخاص بتطوير آليات نشر ثقافة حقوق الإنسان في مصر والمنطقة العربية.
وتعد تلك الموسوعة من أولى الموسوعات الإلكترونية في العالم المتخصصة في مجال حقوق الإنسان, ومن ثم فإنها ستمثل بالضرورة إضافة مهمة وضرورية لبناء بيئة ثقافية داعمة لنشر ثقافة حقوق الإنسان, واختار منفذو هذا المشروع أن تكون تلك الموسوعة باللغة العربية كلغة أم للموسوعة, حيث إنه من المقرر وعبر المراحل التالية أن يقوم منفذو المشروع بإضافة لغات أخرى لها. وإذا كانت هذه المبادرة إحدى الخطوات المحمودة في سبيل إنشاء موسوعة إلكترونية عربية, فإننا مازلنا في مسيس الحاجة إلى عشرات المبادرات العربية.
ورغم قلة عدد الموسوعات العربية إلا أن نجاح بعضها أثبت مدى أهمية تلك الموسوعات في ترسيخ ونشر معلومات مفيدة متخصصة ومتنوعة ومنها الويكبيديا العربية التي وصل عدد مقالاتها إلى ما يزيد على 100.000 مقالة وموضوع, ومن المنتظر أن تقوم موسوعة حقوق الإنسان الإلكترونية بتقديم الفوائد ذاتها التي تقدمها الموسوعات بصفة عامة من إتاحة الأجوبة عن أسئلة الحقائق, وتقديم معلومات ذات فائدة بطريقة يسيرة.
وتتميز مشروعات الموسوعات الإلكترونية بطبيعتها بأنها مشروعات طويلة المدى ومتطورة بذاتها, حيث التصور القائم عليه الموسوعات الإلكترونية الحالية هو, توفير البذرة المعلوماتية من خلال موقع متاح للجميع, وذلك عبر قيام عدد من المحررين بإضافة المقالات البذرية والمقالات ذات الصلة «التشعبية» كما أنه يمكن للمسجلين والمحررين إضافة موضوعات بحرية كاملة والذي سيتحقق معها أمران أولهما: نمو مضطرد للمقالات والموضوعات والوسائط المكونة للموسوعة العربية لحقوق الإنسان, ثانيهما استمرارية الموسوعة التي تتحقق بالضرورة من خلال نموها التصاعدي.
ومن المخطط أن تقوم الموسوعة الإلكترونية العربية في مجال حقوق الإنسان بعدد من الأدوار وهي توفير الخلفيات الأوّلية من المعلومات حول حقوق الإنسان بصفة عامة للدارس والباحث والرجل العادي على السواء الناطقين باللغة العربية, إنشاء ببليوجرافيات متنوعة ومرتبطة بمجال حقوق الإنسان عموماً إلى جانب تقديم الإجابات عن عدد من الأسئلة والاستفسارات المرجعية وتوفير الوثائق القانونية ذات الصلة بحقوق الإنسان في الموقع نفسه مما ييسر على الباحثين والدارسين البحث عن المعلومات.
ذو صلة