مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

الموت الأسود والأبيض بين تشيكوف وحقي

هل للموت لون؟ وإن كانت الإجابة بالإيجاب، فهل للحياة بدورها لون؟ ربما كان الموت أمراً غير قابل للتفاوت والتفاضل لغوياً، لكنه قد يقبل الاختلاف لونياً بين كل من أنطون تشيكوف ويحيى حقي.
لو أمعنا النظر في موت زوجة جريجوري في قصة «الألم» لتشيكوف لجزمنا يقيناً بمسألة لونية الموت، وجه شاحب أزرق تجمعت بلورات الثلج عليه ولم تذب، جسد خشبي بارد فارقته كافة الدلائل على الحياة. لكن زوجة جريجوري لم تمت في تلك اللحظة، فأربعون عاماً من الزواج المغلف بالفقر المدقع والشجار المتواصل والسُّكر والعربدة كانت كافية للشك في مسألة حياتها من الأساس، لقد ماتت في اللحظة الوحيدة التي شعر جريجوري بالتعاطف معها، وشعر كذلك بأن أربعين عاماً من الزواج مرت كلحظة واحدة.

هذه اللوحة السوداء تثير بوضوح تساؤلاً حول علاقة الإنسان بعالمه وتحديداً بالموت والحياة، فالإنسان الذي قرر خوض الحياة وعزم على الإبداع والابتكار فيها، لم يبدع ويبتكر كي يلقى مصير زوجة جريجوري في موتها أو حتى في حياتها، كما إن زوجة جريجوري نفسها لم ترتكب شيئاً تستحق عليه كل هذا الشقاء. يبدو الأمر وكأنه صراع زمني واضح بين ما يمكن أن ينجزه الإنسان في هذا العالم قبل مجيء القطار، تزداد المأساة عمقاً حين يعلن جريجوري أن أربعين عاماً مرت تحت الضباب، لا يميز شيئاً منها وربما لا يتذكر، في محاولة يائسة لتلمّس العذر عن مأساة لم يكن هو سببها الوحيد, وعن نتيجة حتمية لا يمكنه الفرار منها، فالطبيب لا يحترم إلا الطبقات الغنية ولا يهتم بالمرضى الفقراء، والفقر لم يكن بطبيعة الحال اختيار جريجوري، حتى ضربه لزوجته لم يكن بسبب كراهة لها وإنما لكونه تحت تأثير السُّكر، إنها أعذار يسوقها السرد ليبرر فشل الإنسان في العالم، صحيح أنه لم يكن السبب الوحيد لهذا الفشل لكنه بطبيعة الحال سيتحمل النتائج وحده. هذا إذاً هو الموت الأبيض، حينما يرفع الإنسان الراية البيضاء أمام جحيم الواقع وقهر المجتمع معلناً أنه بانتظار راحة أبدية قادمة باختياره أو بدونه، في عالم آخر لا يعرف مصطلحات الفقر والمرض ولا أهمية فيه لكون جريجوري يجيد التعامل مع الطبقات الراقية أم لا؟ وهو الأمر الذي أصرّ جريجوري على إجادته.
 في قصته «وفاة موظف» يقابل أنطون تشكيوف بين حياتين: الأولى للموظف البسيط «إيفان ديمتريفيتش» والثانية للجنرال «بريزجالوف» جمع بينهما عرض مسرحي ليلي، لتتأسس مشكلة إيفان ببساطة في شعوره المضاعف بالخطأ والأسف، فقد عطس إيفان أمام الجنرال مما تسبب في سقوط قطرات من فم إيفان على وجه الجنرال. لقد ارتكب إيفان خطأ، قرر على أثره أن يعتذر للسيد الجنرال، وبالفعل اعتذر إيفان أكثر من مرة حتى ملّ منه الجنرال وتمتم بكلمات غير مفهومة. إن هذا الشعور الغريب ينبع في الأساس من سببين: أولهما خوف إيفان البسيط من ارتكاب أي خطأ في حق رجل من الطبقة اللامعة في المجتمع الروسي، وثانيهما ما أوضحته زوجته بعد ذلك من أن الجنرال ربما يظن أن إيفان لا يستطيع مخالطة المجتمعات الراقية. شعور واضح بالدونية دفعه لتضخيم الخطأ، هذا التضخيم الناتج من ضخامة موقع الجنرال بالنسبة لإيفان البسيط، وإدراكه الواضح لواقع طبقته البسيطة. كل ما سبق دفع إيفان إلى الذهاب إلى مكتب الجنرال في اليوم التالي كي يكرر اعتذاره بعد أن ارتدى حلّة جديدة، لكن الجنرال لم يلق له بالاً ناعتاً الأمر بالتافه، انتظر إيفان قليلاً ثم كرر المحاولة، لكن الجنرال غضب واصفاً ما يحدث بأنه سخرية منه وتقليلاً من شأنه. هنا تبرز مشكلة جديدة لدى إيفان، فهو أولاً لم يتلق حتى الآن قبولاً واضحاً لاعتذاره، وثانياً: ساءت الأمور لدرجة أن يصف الجنرال اعتذاره بالسخرية والتهكم، في اليوم التالي ذهب إيفان ثانية إلى الجنرال، حاول أن يؤكد له أنه لم يسخر منه وأنه حقاً يريد صفحه، فما كان من الجنرال إلا أن طرده بشكل مهين، وهنا عاد إيفان مصدوماً ليستلقي على أحد مقاعد منزله ويلفظ أنفاسه الأخيرة. هل مات إيفان لأن الجنرال لم يقبل اعتذاره، أم مات لأنه طُرد وأهين؟ تبدو مسألة شائكة، لا نستطيع معها حسم موقف إيفان ذاته لأننا لا ندري أكان مريضاً بالخوف والرعب والتضاؤل أمام الجنرال وما يمثله، أم أنه كان عزيز النفس لدرجة تأبى له الإهانة والطرد، لكن الواقع يشي بأمر آخر مهم، وهو أن الجنرال لم يعبأ قط بإيفان، ولم يحاول قط أن يمنحه قبولاً واضحاً للاعتذار، لم يبتسم له أو يمازحه، ربما لو كان ذلك قد حدث لعدّه إيفان نوعاً من كرم النفس والتواضع من قبل الجنرال، إن الجنرال مصر على تجاهل إيفان من الأساس ومن ثم تجاهل أي فعل يصدر عنه، في المقابل يتعاظم لدى إيفان أي فعل يرتكبه تجاه الجنرال ويجهد نفسه وزوجته في تفسير وتحليل ما قد يجول في خاطره وما قد يعتقده بشأنهما. كان إيفان في واقع الأمر باحثاً عن اعتراف شرعي بوجود طبقته، فمجرد قبول الجنرال لاعتذاره يعد قبولاً واعترافاً بوجوده الاجتماعي، بينما كان الجنرال يرفض أن يمنحه دقيقة من وقته رافضاً بذلك إقامة هذا الجسر أو تلك العلاقة. وإن كان من المحير كذلك أن ندقق في معرفة سبب موت إيفان، فإنه من المحير كذلك أن ندقق في معنى وفاة رجل بسيط مثل إيفان، فماذا فقد إيفان بموته وماذا سوف يتغير أو يؤثر في الحياة بوفاته؟ إن شيئاً واحداً مؤكداً أمامنا، فبينما يتراوح سبب الوفاة بين عدم قبول الجنرال لاعتذاره أو بسبب طرد الجنرال له، ففي الحالتين لعب الجنرال دوراً مهماً في وفاته، أو بالأدق كان سبباً رئيساً في وفاته وهو ما يطرح سؤالاً محورياً: هل طرد الجنرال إيفان من مكتبه أم من الحياة؟ إن لقاء إيفان والجنرال في أحد العروض الليلية لا يعدو كونه صدفة ربما لن تتكرر، لم يعبأ الجنرال بها ولم يلق لها بالاً، فإذا ما فكر إيفان أن يحول تلك الصدفة إلى علاقة منطقية أو مسببة في أي شكل من الأشكال تكون النتيجة ببساطة الطرد والإهانة. هكذا يكون الموت هو المعادل الموضوعي لطبقة إيفان إذا ما فكرت في تخطي حدودها أو تجاسرت على كسر الحاجز الطبقي، بينما تصبح حياتهم موضوعاً تافهاً لا يستحق التعليق أو الاهتمام ويصبح نمطها ساذجاً ومريضاً لدرجة تشعر معها أن إيفان وطبقته ما هم إلا عبء ثقيل على الجنرال وأمثاله. إننا إذاً أمام حياة لا قيمة لها، حياة لم تكتسب شرعية لوجودها ومازالت تنتظر الاعتراف بها من قبل سلطة أو طبقة لا تعبأ بها ولا بمشاعرها ولا بهمومها، ليصبح الموت بالنسبة لها تعبيراً عن رفضها التهميش ودليلاً على حياتها التي لم تكتسب شرعية الوجود، وخلاصاً من واقعها المهين.
يتكرر الأمر في «لمن أشكو كآبتي»، فسائق الحصان البسيط فقد ابنه منذ أسبوع، وقد أثر عليه ذلك، حيث باتت قيادته بطيئة وبات ذهنه شارداً، مما أثار من حوله من ركاب أو مشاة، يعتذر لهم بأن ولده توفي منذ أسبوع، لكن أحداً لا يغفر له ولا يعبأ بالحدث، بل إن أحداً لم يوجه له كلمة عزاء، في نهاية يومه الشاق يجلس إلى حصانه ويبثه ألمه لفراق ولده فما كان من الفرس إلا أن زفر بضعف وأنصت لحكايته. لماذا لم يعبأ أحد بوفاة الفتى؟ ولماذا كان أيونا يواجه اللوم والتعنيف كلما اعتذر عن بطئه وشروده بوفاة ولده؟ وما هي السمة المشتركة التي جمعت بين الحصان وبين أيونا وجعلته يشعر به ويرأف لحاله؟ وهل أيونا حقاً حي؟! إنه قدر واضح من التهميش والإهمال، أسهم في التقريب بين أيونا والحصان من جهة، ورفع من شأن الحصان بوصفه كائناً ذا مشاعر رقيقة على طبقات لا تشعر ولم تحاول أن تشعر بألم أيونا من جهة أخرى. إن وظيفة أيونا هي نقل البشر من مكان إلى آخر بواسطة عربته المتواضعة، لكن من قال إن البشر سيتوقفون عن التنقل إذا رحل أيونا أو تأثر نفسياً لفقد ولده لذلك لم يعبأ أحد بحديثه أو ينصت له، فأهميته بالنسبة لهم هي ذاتها أهمية الحصان!.
يزداد الأمر عمقاً في قصة «كمان روتشيلد» فياكوف عازف كمان وفي الوقت نفسه صانع توابيت في بلدة صغيرة فقيرة، يندب حظه يومياً لقلة الرزق الذي يتأتى بطبيعة الحال من موت الآخرين، يحصي خسائره اليومية الناتجة عن استمرار البشر على قيد الحياة فيكتشف أنها مبلغاً كبيراً. عندما شعرت زوجته بمرض الموت، ذهب بها ياكوف للمستشفى وهناك كان الممرض المسؤول عن علاجها فظاً غليظاً، طلب منه أن يشكر الله أنها عاشت حتى الآن وأن عليه الاستعداد لما هو أسوأ، وبالفعل ماتت زوجته في الصباح، بعد أن أعد لها ياكوف تابوتا لدفنها. لكن حواراً مؤلماً دار بينه وبين زوجته قبل الوفاة، لقد ذكرته بطفلتهما التي رحلت منذ زمن بعيد وبذكرياتهم مع النهر وشجرة الصفصاف، لكنه لم يتذكر شيئاً، بدا له ما تقوله حلماً، وبعد وفاتها مر بالنهر ورأى شجرة الصفصاف، وهنا تذكَّر كل شيء وشعر بالأسى لحال الشجرة العجوز وللإهمال الذي لحق بها. اكتشف فجأة أنه كان قاسياً مع زوجته، كما اكتشف أنه اختار عملاً خاسراً وهو صناعة التوابيت، لماذا لم يجرب صيد السمك وبيعه أو صيد الأوز وتربيته أو قيادة المراكب وتقديم عروض موسيقية عليها، لقد اكتشف أنه عاش حياة خاسرة رغم أنه امتلك خيارات عديدة لم يحاول تنفيذها. حينما اكتشف تلك الحقيقة كان الموت يداهمه هو الآخر، لكنه كان سعيداً بذلك؛ فالميت غير مطالب بتوفير نفقات للمأكل والمشرب والكنيسة والناس عموماً، ومن ثم فهو صفقة ناجحة. يعترف ياكوف بأن حياته مرت دون جدوى، ومن ثم فهو غير حزين لفقدها, بل يرى في الموت احتمالاً لتحقيق نجاحٍ ما فشل في تحقيقه في الدنيا.
إن كل من زوجة جريجوري وياكوف وولد أيونا وإيفان يمثلون نماذج لحيوات مهمشة، شخصيات عاجزة عن صناعة السعادة لعالمها الخاص رغم أن مطالبها وأمانيها قد تكون في غاية البساطة واليسر. كما أن المجتمع لم يعترف بشرعية وجودهم ولم يكترث ببقائهم أو رحيلهم, ولم يعبأ بمشاعرهم وآمالهم بل واجههم بعنف وغلظة وقسوة.
كان الموت الأبيض إذاً طريقاً أكثر راحة وسعادة وأملاً من الحياة التي يحظى بمتعها وسعادتها طبقات أخرى غير البسطاء, كما أنه سبيل لإجبار الآخرين على الاعتراف بهم، رغم أنه في الوقت ذاته اعتراف منهم بالفشل في هذا العالم وإن كان اعترافاً ينسب الأسباب إلى العالم ذاته.
في «كن كان» ليحيى حقي يتساءل حسين فرغلي عن معنى الحياة فلا يجد إجابة شافية، آماله الكبيرة تحطمت على صخرة الواقع، فلا هو تزوج ممن كان يرغب ولا هو امتهن المحاماة كما كان يريد، وجد حسين ضالته في هذا الشبح الذي ظهر له، ليعقد معه صفقة مفادها أن يهب الشبح عشر سنوات من عمره على أن يعيده الشبح سيرته الأولى كي يتمكن من تحقيق أحلامه السابقة، يكتشف حسين أن أحلامه بعد تحقيقها صارت كابوساً هي الأخرى، فزوجته الجديدة لا تكف عن الطلبات والرغبات ومكتب المحاماة الذي افتتحه لا يفي يمتطلبات البيت، فيضيق ذرعاً بحياته مكتشفاً أنه لا فرق بين ما كان وما لم يكن، ليظهر له الشبح من جديد مخطراً إياه بما نسي أن يقوله عند عقد الاتفاق وهو أنه لم يتبق له من عمره سوى السنوات التي تبرع بها لتنتهي حياة حسين وهو لم يعرف بعد إجابة لسؤاله. لقد كان حسين أسعد حظاً من بقية البشر، فقد أتيح له أن يعود القهقرى ليختار من جديد، لكنه اكتشف أن لا فرق بين أن يختار الإنسان أو لا يختار، لا فرق بين مهنة وأخرى ولا بين زوجة وأخرى، فالحياة منحت حسين حرية نظرية لكنها عملياً قررت سلفاً أن تسلبه السعادة ومن ثم باتت خيارته بلا قيمة. إن عمق المأساة في «كان كان» يكمن في اكتشاف حسين أن ما لم يتحقق قد يكون أكثر سوءاً مما تحقق، وعليه تكون معاندة الحياة معركة خاسرة، محكومة بالفشل، فحينما انتهى زمن الاتفاق عاد حسين إلى زوجته الأولى ومهنته الأولى وكل شيء من حياته الأولى التي كان يكرهها، لكنه عاد بعدما اكتشف أنها ليست أسوأ ما يمكن حصوله، وأن إحسان -التي فقدت جمالها- ربما تكون أفضل من غيرها, وأن التعليم ربما يكون أفضل من المحاماة المليئة بالكذب والخداع.
أين تكمن المشكلة إذاً؟ لقد أصرت نماذج تشيكوف على أن العودة بالزمن تمكننا من حل المشكلة، لكن حسين فرغلي يثبت لهم أن هذا لم يكن حلاً صائباً، فقد عاد وغيّر حياته لكنه لم يجن السعادة المنتظرة. لقد تميز حسين فرغلي على نماذج تشيكوف في كونه امتلك الفرصة كي يعود بالزمن ويعيد اختياراته وأولوياته، في حين استسلمت نماذج تشيكوف بشكل أسرع وفي كثير من الأحيان دون مقاومة تذكر، كان الموت الأبيض هو الأسلوب الوحيد للهروب من قتامة الواقع وجحيمه، في حين كان فرغلي أكثر إصراراً على مواجهة الواقع، أعلن أنه أخطأ مرة، لكنه لو عاد فلن يرتكب تلك الأخطاء ثانية. لماذا افتقدت نماذج تشيكوف إصرار فرغلي وابتكاره؟ هل افتقادها لتلك الروح نوع من الاستسلام أم شيء من بعد النظر توقعاً لما وصل إليه فرغلي في النهاية؟ لقد فشل فرغلي في نهاية الأمر وربما تمنى لو لم يعد سيرته الأولى من الأساس, لكنه مات مبتسماً راضياً، مبعث الراحة هنا أنه اجتاز الحياة بكل خياراتها المتاحة, واستثمر عقله وخياله قدر الممكن في تحقيق آماله وطموحاته، ليكتشف في النهاية مأساة أعمق مما اكتشفت نماذج تشيكوف، وهي ببساطة أن قدراً كبيراً من إنجازات الإنسان وطموحاته وأحلامه لم يكن ليستحق كل هذا العناء، فالمنجز البشري الذي يهدف -طيلة عمر الإنسان على الأرض- لتحقيق الراحة والرفاهية؛ أهمل ببساطة تحقيق السعادة والسلام النفسي والتوازن بين الإنسان والعالم.
إن سير الإنسان على كوكب القمر لا يعني بالضرورة أنه سعيد على كوكب الأرض، فحينما تطحن الحروب والمرض والجهل والفقر المليارات من أهل الأرض فما قيمة أن يسير عدة أشخاص على كوكب القمر. كما أن أغنية ينشدها حطاب تبعث في نفسه السعادة والراحة وتدر عليه وعلى أسرته اليسير من المال خير من بترول ينفث ملوثاته في الهواء ويثير الحروب ويعجز الفقير عن شرائه. فحين تصبح الرفاهية غاية، تصبح مفاهيم الحروب والسيطرة والهيمنة والتعالي وسائل مبررة. لقد سعى الإنسان إلى الرفاهية فحقق قدراً منها عبر طبقية موحشة لكنه افتقد السعادة تماماً مفتقداً معها معنى الحياة، هذا السؤال الذي ظل «ينخر كالسوس» في ذهن حسين فرغلي. ربما كانت جذور المأساة واحدة بين نماذج تشكيوف وبين حسين فرغلي، فكلاهما عانى من القهر الاجتماعي والفقر, وكلاهما شعر بأن العمر المديد ليس سوى سراب، وبأننا لو عدنا إلى الماضي لكانت اختياراتنا مختلفة، لكن يحسب لفرغلي أنه لم يتوقف عند حدود المأساة، ولم يرفع راية الموت الأبيض, وإنما أصر على اقتحامها متمرداً على الواقع، ليكتشف أن العالم ليس إلا كتاباً واحداً ذا إصدارات مختلفة, وأن آمالنا وأحلامناً ذاتها بحاجة إلى النقاش والمساءلة. ليبقى السؤال الأهم عما دفع فرغلي إلى امتلاك هذا الإصرار الذي افتقدته نماذج تشيكوف, وعما إذا كان من الممكن أن يرتبط ذلك بالمفاهيم الأيديولوجية المختلفة التي انطلقت منها تلك النصوص.
ذو صلة