مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

ساراماغو: رجل بخيال مرعب

رحل عن عالمنا يوم 18 يونيو 2010م الأديب البرتغالي الشهير وصاحب نوبل للآداب خوسي ساراماغو بجزيرة لانثروتي في كانارياس الإسبانية الواقعة قرب الساحل الجنوبي المغربي (تبعد نحو 92 كيلومتراً).
عاش حياة حافلة بالكتابة الروائية والمسرحية والعمل الصحفي، وترك عدداً من المؤلفات ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، وكان أول أديب برتغالي يحصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1998م فأهداها إلى بلاده ولغته الأم، بالرغم من كونه اختار الإقامة منفياً بسبب نعت الحكومة البرتغالية لروايته (الإنجيل بحسب يسوع المسيح) بالتجديف، واتهامها للكاتب بانتهاك إرث البرتغاليين الديني. وقد أنصف أخيراً اللغة البرتغالية التي كانت تبحث عن الاستمرارية في ظل تجاهلها (يتحدثها 230 مليون نسمة)، ويردد المتحدثون بالإسبانية مازحين إن البرتغالية هي إسبانية تنطق بطريقة سيئة.
وبذلك انضم ساراماغو إلى لائحة الأدباء الإيبيريين (إسبانيا والبرتغال)، فاستطاع أن يقتعد كرسياً في قسمة نوبل، وهو تكريم حظي به لما كان له من مكانة بارزة في ميدان المعرفة الإنسانية، وخصوصاً في السنوات الأخيرة حيث زاد اهتمام أوروبا والعالم في البرتغال بعد «ثورة القرنفل» في (25 أبريل 1974م) التي حملت إلى سدة الحكم الجبهة الاشتراكية، وفتحت المجال لحرية الإبداع، واندماجها الكلي اقتصادياً وسياسياً وثقافياً في الفضاء الأوروبي.
لقد فرض ساراماغو نفسه كواحد من الكتاب الرئيسيين في البرتغال بفضل رواياته المتعددة الأصوات التي تعيد التاريخ البرتغالي بتهكم دقيق قريب من الأسلوب الذي اعتمده الكاتب الفرنسي (فولتير)، وتمكن من خلال استخدامه المجاز المدعوم بالخيال والعاطفة والتهكم من جعل الواقع المتباعد ملموساً.
يقول عنه الناقد إدريس الخضراوي «إن أعمال ساراماغو التي كثيراً ما وقف النقاد عند قدرتها الفائقة على احتضان أنماط تعبيرية متنوعة: عامة وشعبية، وعلى ترجمة مرارة الوجود الإنساني التي لا تستوعب، وتحويل المشاعر والأحاسيس العميقة إلى كلمات منبورة وضاغطة ومفعمة بالشاعرية؛ إن ذلك ليجعل منه كاتبا متفردا وخارج المعايير السائدة أو المألوفة».
والغريب في الأمر أن الأوساط الأدبية البرتغالية تجاهلته لوقت طويل منذ صدور أولى رواياته (أرض الخطيئة) سنة 1947م, وكذلك ديوانه الشعري (قصائد مؤكدة) الصادر سنة 1966م بحيث لم يثيرا أي رد فعل في الأوساط النقدية آنذاك، فقد استقبلا بقليل من الاهتمام، ولم يدخل إلى دائرة الضوء إلا وهو على أبواب الستين من عمره عندما أصدر روايته (الإله مانشو) سنة 1982م، والتي مثلت في منظور الكثير من النقاد بداية لمسيرته الأدبية المتألقة، وبدا مقتنعاً بمساره، فطالما تمنى أن يصبح كاتبا، وتحقق له ذلك، وأدركه عندها الشعور بأنه ضروري. وعلق على ذلك بقوله إنه لو كان قد مات في سن الستين لما ترك شيئاً له قيمة.
انطلق ساراماغو من قاع المجتمع، فقد ولد في أسرة فقيرة جدا في قرية هامشية اسمها (أزيناغا) لا تبعد كثيراً عن لشبونة، واشتهرت أسرته بلقب (ساراماغو)، وبعد سنتين انتقلت إلى لشبونة، وبسبب ظروف الفقر لم ينجح في إتمام دراسته فاتجه إلى دراسة الميكانيكا، حيث عمل حداداً (صانع أقفال) وذلك في سنة 1939م, ويعترف بذلك قائلا: «أنا من عائلة أمية، فقيرة جداً، لم يصل أحد من أفرادها الجامعة، ولذلك كان من الطبيعي أن أترك المدرسة في مرحلة مبكرة من حياتي، وعملت في الكثير من الأعمال اليدوية من أجل تأمين لقمة عيشي، وفي الوقت ذاته عملت على تثقيف ذاتي بنفسي دون مساعدة أحد، وكانت روايتي الأولى (بلد الخطيئة) نقلة نوعية في حياتي، فقد نقلتني من صبي حداد إلى وظيفة في إحدى المجلات الأدبية (سيارا)، بالرغم من أن تلك الرواية لم تترك أي أثر يذكر على الخارطة الأدبية في بلادي».
لقد تفرغ للكتابة الصحفية والأدبية وانخرط في صفوف الطبقة العمالية التي قادت خطاه مباشرة إلى الحزب الشيوعي البرتغالي المعارض سنة 1969م، واستمر فيه عضواً مناضلاً إلى أن أصبح رئيس تحرير جريدة الحزب. وفي سنة 1975م قرر التفرغ للكتابة الأدبية فقط. ويعتبر من أكثر الكتاب تأثراً وتعمقاً بدراسة الأدب الإسباني، ومن أشدهم كتابة حول أثر أدب القرون الوسطى في الأدب الأوروبي الحديث، مع اعتزازه بالشاعر البرتغالي الكبير (فرناندوبيساو) (1888 - 1935م). كتب الشعر والرواية والقصة والمسرحية والدراسة واليوميات، وشكلت الكتابة بالنسبة إليه مهنة مثل غيرها من المهن يتحدث عن نفسه قائلا: «كلامي هذا يمكن أن يصدم البعض الذين يعتقدون أن الكاتب يعيش في عالم مختلف ولديه حياة مختلفة، دعنا من تلك الترهات التي تقول بالإلهام وما إلى ذلك، الواحد منا يعيش في هذا العالم محاطاً بالمجتمع وكل ما تعنيه الحياة، لذلك يحاول أن يفهم الحياة ويعبر عما بداخله إلى الدرجة التي يصل إليها فهمه ولا ينتظر حتى ينزل عليه الإلهام فيبدأ الكتابة لأن المعجزة حدثت أخيراً. إن الإلهام الحقيقي هو الكتابة التي تستمد جذورها من الظروف المحيطة بالكاتب سواء التي تعجبنا أو التي لا تعجبنا».
أما أشهر أعماله فنذكر منها:
أ- في مجال الرواية والقصة:
1 - أرض الخطيئة 1947م.
2 - دليل الرسم والخط 1977م.
3 - الناهض عن الأرض 1980م، وهي الرواية الأهم في إيضاح أسلوب ساراماغو الروائي الخالص، وحصل بها على جائزة مدينة لشبونة.
4 - يوميات الدير 1982م، الحائزة على جائزة القلم الدولي.
5 - سنة موت ريكاردو رييس 1984م، وهي الأكثر شهرة، وحصل بها على جائزة النقد الكبرى.
6 - مركب الحجارة 1986م.
7 - تاريخ حصار لشبونة 1989م.
8 - الإنجيل حسب يسوع المسيح 1992م.
9 - العمى 1995م.
10 - كل الأسماء 1997م.
11 - الكهف 1998م.
ب- المسرحيات:
1 - الليل 1979م.
2 - ماذا سأفعل مع هذا الكتاب؟ 1980م.
3 - الموت الثاني لفرانسيسكو دي آسيس 1987م.
ج- الدراسات:
1 - من هذا العالم والآخر 1965م.
2 - أمتعة المسافر 1973م.
3 - مذكرات 1976م.
4 - رحلة إلى البرتغال 1981م.
أما يومياته فقد أطلق عليها: (دفاتر لانثاروتي) صدرت في أربعة مجلدات (1994-1997م).
ترجمت أولى رواياته إلى اللغة الفرنسية سنة 1983م تحت عنوان (الإله الأكتع) وهي رواية باروكية خرافية، وتوج كأكبر أدباء البرتغال بحصوله على جائزة (كاميوس) أعرق الجوائز الأدبية في بلاده تكريماً له على أعماله خاصة منها (سنة موت ريكاردو رييس) التي يحكي فيها عن شبه الجزيرة الإيبيرية منفصلة عن أوروبا وتطوف بين إفريقيا وأمريكا، وعندما لم يتحقق ذلك طلب تحويلهما إلى دولة واحدة، ولذلك دلالته الكبرى. وقد أثارت دعوته الوحدوية ردود الفعل في إسبانيا والبرتغال إلى درجة أن وزير الخارجية البرتغالي آنذاك (لويس أمادو) كان أول المعلقين عليها حين قال: إن ذلك غير ممكن، وإن ساراماغو مفكر وكاتب حر يمكن أن يدلي بكل الآراء التي يريد من دون أن يلومه أحد. واخترع البرتغاليون والإسبان الكثير من النكات حول هذا الاندماج العجائبي، لكن الكاتب لم يهتم بذلك لأن الاندماج أهون من أن تنفصل البرتغال وإسبانيا عن أوروبا وتسبحان في المحيط الأطلسي.
ثم أخيراً رواية (العمى) التي استخدم فيها صوراً مجازية عن العمى المعدي الذي يضرب مجتمعاً تسيطر عليه العبثية، وفيها يتخيل وباء مرعباً هو (العمى) الذي سينتقل بالعدوى إلى ملايين الناس منذ أن أصيب به ذلك السائق المشؤوم. هكذا ستتحول البلاد، أي بلاد كانت، إلى شعب للعميان وتسود الفوضى ويتغير سلوك الناس بشكل جذري، فيصبحون أشد شراسة من الحيوانات في البحث عن الملاذ والطعام، وتكثر القاذورات والجثث في كل مكان، وهي رؤية نقدية بأسلوب روائي فلسفي يمضي فيه إلى المواقع الإنسانية الباطنية ليحللها من رؤية فنان.
كما حصل على الجائزة الأوروبية الدولية عن روايته (الإنجيل حسب يسوع المسيح) وهذه الرواية كانت السبب في هجرته لوطنه سنة 1993م إلى جزر الكناري الإسبانية نتيجة غضبه من قرار وزارة الثقافة والتعليم منع روايته من التداول في المدارس والجامعات البرتغالية، كما كانت السبب في الانتقادات التي وجهها الفاتيكان إلى لجنة جائزة نوبل بالسويد، لأنها منحت لكاتب متمرد على الكنيسة الكاثوليكية. لقد أثارت الرواية سجالاً منذ صدورها إلى الآن، ولا تزال محظورة في الأوساط المسيحية. وتساءل ساراماغو منفعلاً على غير عادته: «لماذا يتدخل الفاتيكان في هذه الأشياء؟ لماذا لا يهتم فقط برعاية المصلين؟ لماذا لا يفتح خزاناته بدلاً من ذلك ويعرض الهياكل العظمية المحفوظة داخلها؟ وبتهكمه المعهود قال في إحدى لقاءاته الصحفية في مدريد لا أعرف معنى الكلمة التي وصمني الفاتيكان بها ليعلن عن معارضته حصولي على جائزة نوبل، لذلك أقول للفاتيكان أن يتفرغ لصلواته ويترك الآخرين في سلام.
عرف ساراماغو بتمرده وخروجه عن المألوف فكان صديقاً للفلسطينيين وعدواً للصهاينة والفاتيكان ومزعجاً للمستبدين، تعاطف مع العالم الإسلامي وغضب من الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-, وكتب عن حصار غزة واستنكره، تميز بالجرأة والشجاعة والمواقف الواضحة، ولم يكن يكترث لا بالحصار الذي يمكن أن يفرضه عليه يهود أوروبا ولا بالتهميش الذي قد يلاقيه من طرف بعض دور النشر الأوروبية التي كانت تحت سيطرة الصهاينة. وبقدر ما كانت رغبته في إظهار الحقيقة وقدرته على البوح بها مزعجة ومقلقة للإمبرياليين والمسيطرين على العالم وعلى خيراته؛ إلا إنها وجدت صدى ووقعاً كبيرين لدى الشعوب المحبة للحرية والسلام. وكان يعتقد أن (هر العولمة سيلتهم فأر حقوق الإنسان) بالرغم من كل المظاهر التي توحي بالعكس، ذلك أننا نعيش - برأيه - «ديكتاتورية من نوع جديد، مختلفة عن سابقتها في أنها ليست مثلها بينة وواضحة وسهلة الرصد، مما يتيح لنا الكفاح ضدها، بل هي مستترة كسرطان خبيث لن نستطيع أن نرصد هول خرابه إلا بعد فوات الأوان».
ويعتبر ساراماغو أن «الفجور لا يكمن في الأفلام الإباحية، بل في أن ثمة أناساً يموتون في قرننا هذا بسبب الجوع وبسبب الحروب العبثية». ويعتبر الشكوك أثمن ما يملك الإنسان لأنها تدفعنا إلى التفكير، أما اليقين فيتسبب في الشلل والجمود، ويحولنا إلى مومياءات. والكتابة عنده تعتبر نوعاً من تحقيق الوجود وكذلك طريقاً للحصول على حب الآخرين، وكان يرى أن حرية الفكر والتعاطف معها يؤديان إلى نوع من التوازن العقلي، ذلك التوازن الذي يسمح له بالتفكير الصحيح في قضايا المجتمع والعالم الذي يعيش فيه. واقعي في ما كتب وفي ما عالج من هموم الطبقة المسحوقة والمضطهدة. ويراه بعض النقاد كاتبا متشائما على الرغم من إعلانه دائما بأنه سعيد ومتفائل، ويشرح هذا التناقض بقوله: إنه بالفعل متشائم مما يراه حوله من أحداث مأساوية، لكنه يحاول أن يؤكد للآخرين بأنه سعيد حتى لا يجد نفسه مطالبا بأن يتحدث عن أشياء أخرى تنقصه لتحقيق السعادة الكاملة، أو على الأقل السعادة بالمعنى الذي يفهمه هو شخصياً, يقول: «أنا لست من أولئك القادرين على الكتابة لأجل المتعة فقط، فأنا أبحث عن ذاك المرافق دوما، بل حتى بصورة سرية، تشغلني أمور عديدة في كتاباتي ليس من بينها الإيضاحات أو متعة الكتابة التي نحن مجبرون على تعريفها مرات ومرات في مقابلاتنا ومقالاتنا، ما أحسبه فعلا في أثناء الكتابة هو قدرة التجارب مع الأفكار، مدى التحرر في صياغتها إذ طالما تشغلني عبوديتنا للواقع، لسنا أحرارا بشكل تام، إذ نحن مقدرون تبعا للخارج المحيط بنا، والكتابة –على الأخص- أكثرها تأثرا بالأبعاد المحيطة، في كل مناسبة أعود للقول إنني أكتب كي أمارس هيأتي».
إن أجمل ما كان في شخصية ساراماغو أنها متعددة الوجوه من غير أن تعرف أي انفصام، وهذا التعدد هو مثل صارخ على غنى الكاتب الثقافي والإنساني، كما أن شهرته كروائي كانت ترتكز على عبقرية حرة وأسلوب مبتكر ودفاق, حيث يتحرر سبل الجملة بفضل علامات قطع محدودة وعلى غنى سمعي للغة البرتغالية وأسلوب سردي يقيم علاقة حميمية مع القارئ. أما أدبه فيعتمد على تراث ضخم مكتوب باللغة البرتغالية، منذ تلك الكتابات التي يصنفها النقاد تحت اسم (الغنائية الجالايكو-برتغالية) التي سادت في القرون الوسطى من خلال الأعمال الأدبية للعديد من الكتاب البرتغاليين.
ذو صلة