واحد من سمات الأعمال الكلاسيكية هو خلودها واحتفاظها بسحرها على مر وفي كل العصور.. تفوقها على ملاحم إنسانية وأدبية خالدة وروايات عظيمة وضعها روائيون عظام وعلى مسرحيات وضعها كتاب وشعراء ذوو بصيرة نافذة. هي أيضاً موضع تأملات ودراسات أدبية متجددة، وموضوع لكتب جديدة تبحث في الأسباب الكامنة وراء سر تميز وتفوق وخلود تلك الأعمال الأدبية العظيمة.
تكمن عالمية الرواية في مدى قدرتها على حفظ حكايات وقضايا مهما مرت عليها من سنوات بحسب مجموعة مؤلفي كتاب (دليل القارئ إلى الأدب العالمي) تعتبر رواية الكاتب الأمريكي هيرمان ملفل (موبي ديك) أو الحوت الأبيض من أهم الأعمال الأدبية على مدى التاريخ وأثراً كلاسيكياً يعز نظيره في تاريخ الأدب الأمريكي كله، والرواية الأمريكية الحقيقية الأولى عن المغامرات البحرية في الأدب العالمي الروائي الذي تحول إلى صورة من كيان المجتمع الذي يخلق الأحداث منذ أن أصبحت الرواية ذاكرة الشعوب.
كان على هيرمان ملفل الكاتب الأول الذي تقوم المكتبة الأمريكية الوطنية بجمع أعماله الكاملة ونشرها، أن ينتظر طويلاً في عتمة الإهمال والنسيان إلى أن يأتي من يكتشفه عن طريق الصدفة فيعيد الاعتبار إليه وإلى روايته التي أسيء فهمها، ولم تلق التقدير الذي تستأهله في زمن عيش مبدعها الذي اضطر للتنقل بين عدة مهن للحصول على لقمة عيشه. هيرمان ملفل فجأة وجد نفسه مثقلاً بديون والده التاجر من الطبقة الوسطى والذي أفلس قبل وفاته فترك مدرسته واشتغل خادماً على ظهر سفينة أبحرت إلى ميناء ليفربول في إنجلترا، ثم ككاتب في مستودع قريبه، ومن ثم معلماً في إحدى المدارس لمدة عام ونصف، ثم بحاراً على إحدى السفن الأمريكية المخصصة لصيد الحيتان في الشطر الجنوبي من المحيط الهادئ، دار حول رأس هورن وتجول في المحيطات ومن ثم هجر تلك المهنة محفوفة المخاطر بعد وقوعه في أسر بعض المتوحشة من أكلة لحوم البشر في (تايبي) ليهرب ويعمل موظفاً عادياً في جمارك نيويورك. اعتقاداً منه أن روايته ستحقق له المجد والشهرة، وفي عام 1851 نشر هيرمان ملفل التي نضجت الرواية الأمريكية على يديه مع زميله المبدع صاحب رواية الحرف القرمزي (ناثانيال هورثون) روايته موبي في لندن أولاً في ثلاثة مجلدات، ثم نشرت في (نيويورك) من نفس العام لكنها قوبلت بالازدراء وفشلت تجارياً ونقدياً وهاجمتها الصحف الأمريكية كما رواياته السابقة.
الناشرون وبشكل لايمكن تفسيره في أيام ملفل كانوا عاجزين إزاء ما تحكم به صحيفة أو مجلة نقدية مهمة، الأمر الذي جعله يمضي السنوات الأخيرة من حياته يائساً وموظفاً مغموراً محبطاً، أجبره العوز المادي على الاستمرار في وظيفته إلى أن انتهى عجوزاً صموتاً بلا قراء، وقد نسيه الجميع وظنوا أنه مات قبل وفاته عام 1891.
هيرمان ملفل من الأدباء الذين رافقهم الإهمال طوال حياتهم، وبالصدفة يطالهم الاهتمام الكبير بعد موتهم، ربما للتعويض عن عقدة ذنب حيال عدم الفهم والتقدير والإهمال الذي ارتكب بحقهم وهم أحياء.
القرن العشرون تمكن من إنصاف ملفل وإعادة قيمته كاملة غير منقوصة، فبعد أكثر من ثلاثة عقود من رحيله وزهاء سبعين عاماً على نشرها كتب الناقد (كارل فان دورين) الذي اكتشف بالصدفة الرواية لدى بائع كتب قديمة مقالة أشادت بها وبكاتبها الذي ربما لم يكن غائباً عنه ما حدس به، ورافقه طوال حياته وتوقعه غداة موته؛ بالمتاعب التي سيواجهها، وبالشهرة والخلود أيضاً عبر رسالة كتبها لصديقه (ناثانيال هوثورن) قائلاً: (لقد كتبت كتاباً شريراً، وأنا أحس بنفسي نظيفاً كالحمل الآن -متابعاً- أن يحقق المرء شهرته وخلوده بعد موته لأمر فيه مايبعث على الأسى والحزن).
يمثل هيرمان ملفل (بكسر الميم والفاء وتسكين اللام) إلى جانب والت ويتمان، وناثانيال هوثورن، وإدغار ألن بو، وإميلي ديكنسون، أول جيل روائي أدبي عظيم أنتجته الولايات المتحدة. طور (موبي ديك) ذلك العمل الروائي المدهش شكل الكتابة الروائية في منتصف القرن التاسع عشر وجعل الرواية الأميركية تحتل مكانة متقدمة في تاريخ الرواية العالمية، لما تحويه من إشارات إلى بعض اللحظات التاريخية: أسماء ورموز تحيل في معظمها إلى سير الأنبياء وشخصيات الرسالات السماوية، وتأملات وصور شاعرية ومعلومات وخبرات عن الحيتان وصيدها واعتصارها بغية استخراج العنبر من جسدها، بل تكاد تكون موسوعة بالبحار وعوالمها الخاصة وخفاياها، اكتسبها المؤلف من خبرته ومهاراته أثناء الإبحار.
باقتدار ومهارة وإبداع نسج ملفل رواية ذات مغزى أخلاقي تصور الإنسان حين يحاول استجلاء كبد الحقيقة. مزج بين الرمز والواقع.. بين فلسفة الخلق والكون وحياة البحر وحرفة صيد الحيتان، ليخرج بعبرة مفادها: أن إنساناً ما يطارد الشر والمتمثل بالحوت، لكي يخلص العالم من شروره ليدرك البشر المعنى الحقيقي لحياة الخير والسكينة والسلام. ورسم شخصيات بطولية أكبر من الحياة: إسماعيل هو الراوي في (موبي ديك) يتعرف على (كويكوج) وهو رجل بحار أصله من أكلة لحوم البشر يتعاقدان مع (بيكود) المتخصصة بصيد الحيتان، يقودها ثلاثة أمريكيين: (أخاب) مالكها وربانها (أخاب) ذا الرجل الاصطناعية المسكون بهاجس الانتقام من الحوت الأبيض الذي التهم ساقه، والشخصية المنفردة التي يقودها سعيها الاستحوذاي لصيد الحوت الأبيض للتصدي للمجهول ولمصيرها القاتم والمأساوي وإلى دمار السفينة وهلاك رجالها، أما البحارة فهم من كافة الأعراق ومختلف الديانات. قبيل إبحار (بيكود) يحذر (إيليا) المعتوه إسماعيل وكويكوج من خطورة العمل مع (أخاب) الذي يريد قتال الحوت الأبيض الذي ألحق به الضرر وليس أي حوت آخر من جنسه أو فصيلته. تلتقي السفينة بعدة سفن أخرى أهمها (راحيل) التي تبحث عن زورق فقدته فيه بعض بحارتها وابن ربانها اليافع. بعد صراع من أجل اصطياد موبي ديك ومطاردات استمرت طوال أيام ثلاثة، تقع الكارثة حيث يغرق جميع البحارة باستثناء إسماعيل الذي تشبث بتابوت كان قد صنع من أجل (كويكو) حين مرض وأشرف على الموت.