مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

من تحديات الناقد

الوعي بالاختيار

يعد النقد أعقد اختيار يختاره ممارس، لأن اختيار النقد والإيمان بجدواه ومتعته لا يعني الإجادة فيه هكذا من غير دربة أو محن. وإذا كان فهمنا للحياة فهماً أعمق، يرتبط بمدى تجاربنا فيها، فإن رهان الناقد المبتدئ يتأسس على القراءات المضاعفة والشاقة حتى يقترب من خلال قراءاته، من تجارب الناقد/ المبدع المتمرس، الذي استثمر رؤيته للعالم في نقد أنساق الحياة. إن الدال الحقيقي على الإيمان بمجال الاشتغال هو الانشغال الكلي بالمقروء عن العالم وكائناته/ مكوناته المختلفة.. انشغالاً لا يعني قطيعة بل كفاية وهدوءاً، أي أن القراءة الحقيقية هي التي تحررك قبل أن تأسرك، تجعل وجودك ثابتاً ثقيلاً له معنى ولو نزع منك. 

إن الإيمان بالممارسة شرط ضروري لإنجاحها. إن إيماننا بمجال الاشتغال، تحقيق الذات، بداية حقيقية للنقد المنفتح.. ومن غير إيمان حقيقي تبقى الكتابة المهادنة/ المتواطئة، أياً كانت إبداعاً أو نقداً تيهاً. غير أن التبعية ليست من التحفيز في شيء، لأن الكتابة بفعل حافز أو حتى تحت الطلب من غير اقتناع بالممارسة مجرد تأجيل لحقيقة تقيدنا، تأسرنا وتلوح بنا بعيداً عن ذواتنا ولو أضأنا أناملنا بعوالم ثقافية يخيل لقارئها أن انسجامنا مع ذواتنا قد تم. إذا لم تكن الرحلة بين عوالم الثقافة محكومة بالاقتناع واللذة والاستمرارية، فسينتهي بنا المطاف جسداً عارياً من الكينونة، خالياً من الروح، لهذا قيل إن الكتاب لم يمت بل حضارة الكتاب. معنى ذلك أن الثقافة تبقى ثقافة على مر العصور منها المفيد ومنها الممتع أو معاً، منها التافه ومنها النبيل.. غير أن الأحوال أشد تأثيراً والإيغال في مجال أو الانتقال منه اقتناعاً، حتمية لتجنب تداعيات الأحوال العاصفة. 

الوعي بالممارسة هو الإشكال الحقيقي ومعرفته علم في نفسه على حد تعبير القرافي. وإذا كان المنطق يفرض علينا أن نقر بل نظن كل الظن أن النقد يمكننا من فهم الحياة اقتراباً من الحقيقة مقارنة مع نشاطات ثقافية أخرى، لأن النشاطات الأخرى ومهما تعددت أنماطها إلا وكان النقد جزءاً من حياتها، فإن ذات المنطق يفرض علينا كذلك أن نعتقد أن تشكل الأنساق داخل الخطابات والمجتمعات أمر ضروري ووارد لأنها من مشترطات الوجود وإلا خالفنا منطق الكون المنبني على التناقض أساساً، غير أن مهمة الإنسان عموماً معرفة تلك الأنساق، نعم معرفتها قبل نقدها وتجاوزها وتجنبها. 

لن يتأتى ذلك الرهان المعلن عنه إلا بتشكيل وعينا القرائي ونحته بإزميل القراءة الفاحصة والأسئلة القلقة لا الفاسدة. 

(.. من ضروراتنا الثقافية المعاصرة هو أن نجيد صناعة الأسئلة، وأن نحذر الوقوع في الأسئلة الفاسدة لكيلا تفسد مقولاتنا ويصيبها الزيف والتصدع. ولا ريب عندي أن ثقافة الأسئلة هي من الثقافات الغائبة عن فكرنا المعاصر) (عبد الله الغذامي، ثقافة الأسئلة مقالات في النقد والنظرية، ص89).

مناهج القراءة

للنقد قدرته التي لا توصف على تصحيح الرؤى ونقد الأنساق، غير أن درجة اطلاعه بهذا الدور تختلف تبعاً للمنهج والذات القارئة. النقد مساءلة ذاتية لآليات الاشتغال، وقوف مع العقل لمحاسبته، وأخيراً مساءلة للذات الناقدة نفسها. لن يكون هذا اللقاء المسائل إلا هدما لمسلمة الطفرة والفصل بين الممارسة النقدية على مر العصور، والقفز على الذاكرة مهما كانت ثقيلة، عميقة أو منتجة من غير نقد. لن يكون ذلك إلا ضرباً من معاداة العقل والمنطق. فالمنهج وهو يقرأ ويفيد ويمتع ويعري لا يمكن أن ننسبه للتاريخ ومن ثم يصبح شأناً من شؤون الماضي مهما كانت إمكانياته، لأن التجاوز لا يعني القطيعة.

كل شيء بدأ هيناً يسيراً، بل إن كل شيء أصله لا شيء/ صفحة بيضاء، غير أن الأشياء تتحول إلى أفكار وأطاريح ونظريات ومناهج واختراعات بالتراكم والتجاوز. لهذا كانت المناهج النقدية، مثلاً، استناداً إلى هذا المعطى العلمي منبنية على التجربة ثم الاستقلال من غير إلغاء لحدوده واحترامه لمناطق نفوذه. وإن كان لا بد من التجاوز وهو حاصل في جميع الأحوال، فإن النقد المسؤول سبيل ذلك، هنا يتم اللقاء مرة أخرى بين الممارسة النقدية من حيث إنها عدة مصطلحية منتقاة من خلال منهج له عدته المصطلحية التي ينفرد بها ويستثمرها وتميزه في الوقت نفسه، عن غيره من المناهج.

الناقد مثقف مهموم بقضايا عصره

لا ينفصل النقد عن الواقع أو هكذا يجب أن يكون، لأن الأدب تعبير عن المجتمع يوجهه ويؤثر فيه. من ثم فالأنساق الثقافية المجتمعية أنساق مندغمة في النص وأنساق المجتمع تؤثر في النص مندسة فيه، ولهذا كان الواقع تحدياً للناقد لا بد أن يقرأ ممارساته المختلفة وتمظهراته المؤثرة في الأفراد. هذا معناه أن يكون للناقد موقف تجاه الأحداث، لأن أحداث النص من أحداث الواقع والعكس صحيح. الناقد التقليدي لا ينفك عن الجمالي في النص والواقع معاً بل يستكين لهما ويمدحهما. وإن كنا قد أشرنا سابقاً إلى أهمية الاستفادة من الماضي أي الإيمان بالتجاوز في حدوده العلمية/ المنطقية، فإن الانفكاك عما هو تقليدي لا بد أن يتم من خلال القراءة المسائلة، إذ بالأسئلة تتشكل المواقف ويتحقق امتداد النقد إلى الواقع.

ذو صلة