تحت ظل سحاب التكنولوجيا، والتقنيات الحديثة، والأجهزة المتطورة، في خضم عالم تتوافر فيه كل الحاجيات، وسط زمان التواصل بالنقرات والأزرار.
تحت مظلة توافر كل ما نحتاجه في مختلف متطلبات الحياة، وكون العلم وجبة دسمة على مائدة المتلهفين، والمتطلعين؛ نعيش الآن.
فهل يا ترى أثر فينا هذا تحسناً وتقدماً؟ وهل يا ترانا قد استخدمنا ما منح لأيدينا من أنجع اكتشافات البشرية لصالحنا؟ ولفائدتنا؟ وما هي الحالة التي يتمظهر عليها المسلمون خاصة والعرب عامة، مع كل ما له ارتباط بكلمة تكنولوجيا؟ وما مخلفات وآثار هاته الاختراعات على حياتنا اليومية؟
على حسب تركيبة العقول البشرية، فإن كل ما هو جديد، وما زالت شمسه في ضحاها؛ فإنه لا ينال الكثير من الترحيب، وخصوصاً عند العرب والمسلمين، وبالأحرى لو كان المصدر هو الغرب، ولقد كان موقف رفض العرب لكل ما هو صادر من الغرب واضحاً، مقرراً في كتب التاريخ، وشيئاً فشيئاً ومع الاصطدام مع خطوات الغرب البعيدة المدى في مختلف المجالات الصناعية، أدرك العرب ضرورة أن عليهم مواكبة العصر، واللحاق بالموكب، وصاروا يقتنون كل ما هو جديد.
لم يكن العرب في القرون المتأخرة إلا أسواقاً للمنتجات الأوروبية، الأمريكية، والغربية بصفة عامة، فرغم أن ألمانيا قد سحقت مرتين في الحربين العالميتين الأولى والثانية، فقد استطاعت النهوض من جديد، وري اقتصادها المتصحر، وكذا اليابان والصين وكوريا بقسميها.
كل الأمم رغم شدة عثرتها وتجمد أقدامها في الوحل إلا أنها استطاعت الخلاص، ما عدا المسلمين، مع العلم أن الدين الإسلامي دين الرقي والصعود، والابتكار والاختراع، وغير غائب عن أنظارنا ما خلفه المسلمون من منشآت وعمران وثقافة، واستطلاعات لم يسبق لها مثيل، وتجديد للعلوم والفنون وصقل لها. وما انطلق الغرب إلا من مبادئ علمائنا التي خطوها، ومناهجهم.
أضحى العالم قرية صغيرة تحت سقيفة العولمة، وضوء الأقمار الصناعية، وصار من كان يقطع الشهور والأيام لزيارة قريب له، أو ليوصل خبراً ما؛ يكفيه بضع دقائق لقضاء وطره ومبتغاه. وصار ما يحدث في أبعد قارة وكأنه حدث بضواحي المدينة. صار التبادل التجاري، وإبرام الصفقات، والتواصل، وإجراء البحوث، وتحرير المواضيع، ونشر الفكر؛ سهلاً جداً، بفعل الشبكة العنكبوتية.
كثير من الإيجابيات في عالمنا التي نعايشها هي وليدة التقدم العلمي والاختراعات التكنولوجية. ولكن أليس لهذه الإيجابيات من حفر على طريقها؟ وإن قلنا بأن طريقها معبدة، أفليس هناك من يريدون عرقلة حركة السير؟
فما هي أضرار التكنولوجيا؟ (الهاتف والحاسوب مثلاً).
أول ما يلحظ في مجتمعنا أن الشباب خصوصاً قد أصبح مدمناً عل الهاتف، لا يستطيع التخلي عنه، يرافقه الشاحن أينما حل وذهب، وكأن قلبه لن ينبض بسلام إن هو لم يرى الشاشة مضيئة، فكثيراً ما يكون الواحد منا ماراً بأحد الشوارع فيصطدم من دون ما سابق إنذار مع شخص لا يرى ما هو أمامه من فرط انشغاله بمحادثة ما، كما أن التجمعات العائلية والصديقية قد فقدت حميميتها، فلكل رفيق جديد هو هاتفه، ناهيك عن تقنية الفوتوشوب، والتجسس، والابتزاز.
هذه بعض التمظهرات المجتمعية، وهناك بعض الأضرار الصحية، وهاؤم بعضاً منها:
فقد كشفت دراسات أمريكية نشرت في مواقع طبية متعددة أخيراً أن الوميض الناتج من المستويات العالية والمتباينة من الإضاءة في الرسوم المتحرّكة الموجودة في ألعاب الأجهزة اللوحية والمحمولة؛ يتسبّب في حدوث نوبات من الصرع لدى الأطفال، محذرةً من الاستخدام المستمر والمتزايد لألعاب الكمبيوتر الاهتزازية من قبل الأطفال، لاحتمال ارتباطه بالإصابة بمرض ارتعاش الأذرع.
وأشارت دراسات إلى أن الإدمان المرضي على ألعاب الفيديو قد يسبب اضطرابات في النوم وفشلاً على صعيد الحياة الخاصة أو الدراسة، وكسلاً وخمولاً وعزلة اجتماعية لدى الأطفال، إضافة إلى التوتر الاجتماعي وفقدان المقدرة على التفكير الحر وانحسار العزيمة والإرادة لدى الفرد.
كما أكدت دراسة أخرى أن الذين يتفحصون الرسائل ويقربون الأجهزة من أعينهم، سواء بمشاهدة الفيديو أو غيرها، يكلفون أعينهم مجهوداً إضافياً، مما يؤدي إلى ضعف أعصاب العين.
ويقول الدكتور خالد النمر استشاري وأستاذ أمراض القلب وقسطرة الشرايين والتصوير النووي والطبقي للقلب في مستشفى الأمن العام بالرياض، إن الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية (باتت جزءاً لا يتجزأ من حياة الإنسان، وفي واقعنا الحالي أصبح استخدامها في عمر مبكر جداً)، مبيّناً أن (هناك طيفاً للموجات الكهرومغناطيسية من البث التلفزيوني إلى الإشعاع النووي، وتنقسم علمياً إلى مؤينة (بكسر الياء) مثل الأسلحة النووية والنظائر المشعة، وغير مؤينة مثل الميكروويف والراديو والتلفزيون والأجهزة الذكية). ويوضح أن (الموجات غير المؤينه (الآمنة) لا تنتج إيونات من الأجسام مثل الميكروويف والأجهزة المحمولة، ولم يثبت علمياً أنها تسبب السرطان أو الباركنسون أو أمراض الكلى أو أمراض الأعضاء التناسلية أو العينين، كما أفادت منظمة الصحة العالمية في عام 2010).
وعلى مستوى الإدمان النفسي، يقول النمر: (تتولّد لدينا مشاعر سلبية إذا فقدنا الجهاز، مثل الغضب، الانعزال والاكتئاب، إذ أصبح الشخص يعيش في عالم افتراضي، ما يؤدي إلى فقدان المهارات الاجتماعية للشباب والأزواج والزوجات. لم يعد الشخص يحتك بوالديه وأقاربه بل مع أصحابه الافتراضيين وبالتالي تغيّرت العلاقات الاجتماعية إلى علاقات إلكترونية بحتة أحياناً).
ونهايةً، فإذا كان للتكنولوجيا فوائد عديدة يستفيد منها الإنسان؛ فإن لها بالقابل أضراراً وأخطاراً ينبغي الحذر منها، فعلينا أن نقتصد في استعمالها، وأن نتوسط في الإقبال عليها.