مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

الفضول العلمي طريق التقدم والإبداع

إن حفظ المعرفة أمر سهل، ونقلها أيضاً أمر سهل، ولكن صناعة معرفة جديدة ليست بالسهلة، وليست مربحة على المدى القصير، غير أن التاريخ أثبت للجميع أن المعرفة أساس النهضة والتقدم، كما أنها قوة تثري أي مجتمع وتجعله قائماً على المنطق والحقائق الأساسية.

إنه الفضول العلمي؛ نعم إنه الفضول العلمي طريق الاكتشاف والابتكار وتقدم الأمم، والفضول العلمي هو رغبة وجدانية قوية، تصل حد الشغف، في معرفة الحقيقة، وفهم الظواهر التي تحدث في الكون والحياة، والبحث عن التفسيرات التي تزيل غموض جوانب متعددة في الوجود، والوقوف على القوانين التي تربط الأشياء وتحكمها، واستكشاف الجديد، سواء أكان ذلك في مجال العلوم الطبيعية أم الإنسانية. وهو (شغف) مقرون دائماً بشعور يشبه الاشتياق..! اشتياق الباحث إلى النتيجة التي تمحو جهله في موضوع ما، وتزيل الشك واللبس الذي يلف ظاهرة أو حدثاً أو علاقة بين الأشياء والأحياء. كل ذلك بالمعرفة.. ولكن ليس أي معرفة، وإنما المعرفة العلمية القائمة على المنهج السليم، والمستندة إلى العقل والمنطق والتجربة.

كيفية تشجيع الأبحاث المبنية على الفضول

كيف إذن يمكننا أن نشجع مثل هذا الشكل من الأبحاث المبنية على الفضول؟ الأبحاث التي يحركها الفضول تحتاج مبدئياً إلى علماء مبدعين يعملون في بيئة تشجع على التعاون بين الباحثين وتؤلف بين المجالات المختلفة، ولكن يجب ألا يتم تقييد هذا المناخ بالإدارة الرتيبة والجامدة، حيث إن العقول المبدعة لا تعمل جيداً مع البيروقراطية.

وبالتالي لابد أن نسأل: هل هناك معادلة معينة لإدارة صناعة الاكتشافات والاختراعات؟ وتكمن الإجابة في الاقتناع بثلاثة مبادئ:

الأول: والأكثر أهمية، هو البشر أنفسهم، فمنح الأهمية الملائمة لتأسيس وتشجيع التعليم المُلهم في العلم والتكنولوجيا والرياضيات والهندسة ضروري، حيث يجب أن تستقطب مجالات الأبحاث أفضل العقول الشابة، فالمباني الضخمة والتمويل الغزير لن ينتجا الكثير في ظل عدم وجود الأشخاص المناسبين.

ثانياً: إن خلق مناخ من التبادل المعرفي يعد من أهم الأساسيات لبلورة الأفكار بشكل واضح، فإنهاك الباحثين في البيروقراطية وكتابة عدد كبير ومكثف من التقارير في الجامعة أو تحويلهم لإداريين متفرغين هو بمثابة بداية النهاية للتقدم.

وأصبح النظام الحالي في إدارة الأبحاث معقداً ومتشابكاً، وهو ما يبرز الحاجة لمراجعة نظام التمويل التقليدي، ليكون السؤال: كيف يتم اختيار وتمويل الباحثين المميزين؟ وما مستوى التمويل اللائق لتحقيق الفائدة للمجتمع؟

ثالثاً: دون الموارد فإنه لا يمكن تحقيق الكثير، فمهما كانت العقول مبدعة فإن التمويل ضروري لتصنيع الأدوات اللازمة للابتكار ولتوظيف الأطقم المساعدة للباحث المبدع، فالدول والمؤسسات التي تقدم البنية التحتية الملائمة وتمول تنفيذ الأفكار الإبداعية ستكون موطناً للابتكارات، ولكن هذا البناء والتمويل يجب أن يأتي بعد الحصول على الباحثين الخلاقين، لا أن يكون الأساس هو إدارتهم للحصول على المال من جهة معينة أو إجبار الباحث على العمل من أجل (موضة) متداولة مثل ما يفعله الكثيرون تحت شعارات الـ(نانو تكنولوجي) والـ(بيو تكنولوجي).

الفضول العلمي وتنميته لدى النشء

ولئن كانت إثارة الفضول العلمي وتنميته لدى النشء مهمة، فإن الأهم فيما أرى هو الانتباه إلى عدم طمس فضولهم الفطري الطبيعي الأصيل، من خلال تجاهل أسئلتهم أو الاستخفاف بها، أو تقديم إجابات سريعة جاهزة خرافية وأسطورية لهم، تقطع تسلسل أسئلتهم، وتطفئ جذوة فضولهم في مهدها، وتريحهم أبد العمر من عناء البحث والتفكير والتحليل. ولاسيما إذا كانت تلك الإجابات مما لا يقبل النقاش، ولا يرضى بغير التسليم. 

إذن فالفضول العلمي شعور أصيل وفطري، قابل للتنمية أو للطمس، وهو باعث على تحري الحقيقة، والدراسة والبحث والإبداع، يحفز على الاستغراق في طلب المعرفة العلمية، ذلك الاستغراق الذي يقاوم الملل، ويقوي العزيمة، ويديم المثابرة والاستمرارية، بدافعية ذاتية، ليست لها غاية إلا إشباع ذلك الفضول الإيجابي الأصيل. وإني لأقترح هنا على الدارسين والمثقفين والمفكرين المهتمين بالبحث عن أسباب تقدم أمم وتخلف أخرى، أن يضيفوا إلى عوامل التقدم والإبداع والابتكار والاكتشاف عاملاً مهماً ومؤثراً، وهو مدى توافر الفضول العلمي لدى أفراد المجتمع أو مدى تضاؤله أو غيابه. ويوجد العديد من المسؤولين في كثير من الدول الذين يأملون في الوصول إلى نفس مستوى وكم الابتكارات الموجودة في العالم المتقدم، وخلال سعيهم هذا يهملون المفتاح الرئيس وهو التعليم المبنى على الفهم والطريقة العلمية ووضع قاعدة رئيسة واسعة للبحث عن الحقيقة، وللأسف فإن بعض الدول المتقدمة بدأت تقوم بالأمر نفسه، وعلى القادة أن يعلموا أن الرغبة في اكتشاف معارف جديدة هو ما يُنتج الاختراعات والاكتشافات، وأنه دون تلك الرغبة والإرادة القومية فإن الشباب الواعدين لن يكونوا منجذبين للإبداع والاختراع وخدمة وطنهم.

ذو صلة