مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

أمبرتو إيكو الباحث في الألغاز التاريخية المشوقة

توفي الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو بتاريخ 19 فبراير 2016 عن عمر ناهز 84 سنة. في البداية لم يكن إيكو معروفاً خارج أروقة الجامعة حتى الخمسينات تقريباً، عندما وجد نفسه من مشاهير العالم بين عشية وضحاها بفضل روايته الأولى، التي كانت قصة بوليسية استثنائية. ففي سنة 1980 فاجأ إيكو العالم بأولى رواياته (اسم الوردة)، وقدم فيها نصاً اكتملت فيه شروط الفن الروائي بأعلى درجات الإتقان، سارداً حكاية بوليسية مشوقة تجري أحداثها في دير ناءٍ في القرن الرابع عشر الميلادي. كان إيكو مثالاً استثنائياً للمثقفين الأوروبيين؛ إذ جمع بين ذكاء فريد عن الماضي، وقدرة لا تنضب لاستشراف المستقبل.
ولد أمبرتو إيكو يوم 5 يناير 1932 في مدينة صغيرة في الشمال الإيطالي، أليساندريا، وعاش طفولته في ظل عائلة ميسورة الحال، وكان من المقرر أن يلتحق بالجامعة لدراسة المحاماة لكنه عدل عن ذلك وفضل التخصص في فلسفة وآداب القرون الوسطى. وبعد حصوله على شهادة الدكتوراه سنة 1954 بدأ بتدريس الفلسفة في جامعة تورينو والعمل في الإذاعة الفرنسية وتلفزيون RAI والصحافة، محرراً للشؤون الثقافية، إلى جانب نشاطه في دار نشر (بومبيني) التي استمر فيها حتى 1975. كما درّس السيميائية في كلية الآداب والفلسفة البولونية في سنة 1971، وفي العام نفسه أسّس مجلة فيرسوس العالمية للدراسات السيميائية. لم يكن هذا العلم التجريبي الذي افتتحه اللغوي الفرنسي الراحل رولان بارت؛ بالنسبة لإيكو مجرد نظرية؛ بل اعتبره صلة ربط بين التفكير والممارسة الأدبية، بين المعرفة العلمية والثقافات الشعبية.
يتميّز السيميائي والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو عن غيره من أهل الثقافة والعلم؛ أنه يجمع في كتاباته بين فلسفة اللغة والترجمة وتأويل النص والخلق الإبداعي، ممثّلاً في خمس روايات من بينها الرواية الشهيرة (اسم الوردة) (1980) و(بندول فوكو) (1988) و(جزيرة اليوم السابق) (1994) و(الشعلة الغامضة للملكة لوانا). (2004)، أما آخر رواياته فقد صدرت سنة 2014 بعنوان (العدد صفر)، وهي قصة مغامرات معاصرة تتركز حول عالم الصحافة. وفي رصيد إيكو عشرات المقالات الأدبية عن موضوعات متنوعة، تشمل الجماليات في القرون الوسطى وذاكرة النبات وشخصية (جيمس بوند) وتاريخ الجمال والقبح.
وترجمت رواية «اسم الوردة» إلى عشرات اللغات، وحققت مبيعات تجاوزت 14 مليون نسخة، وحصلت على عدة جوائز أدبية دولية. كما تم اقتباسها سنة 1986 في فيلم سينمائي من إخراج الفرنسي جان جاك أنو، مع شون كونري بدور الراهب ويليم، المكلف بالتحقيق في شأن الوفاة المريبة لأحد الرهبان في دير في شمال إيطاليا. وأرجع إيكو نجاح الكتاب لتشابه الخبرات المشتركة بين البشر في القرنين الرابع عشر وأواخر القرن العشرين. وقد رصد إيكو في روايته المذكورة ظواهر وتحولات المجتمع الأوروبي في انتقاله من سلطة الكنيسة إلى الانفتاح على الفكر الفلسفي تمهيداً للإصلاح الديني، من خلال قصة الراهب ويليام الذي يلتحق بدير تحدث فيه سلسلة من الجرائم. ويرفض ويليام نظرية الأرواح الشريرة ويستخدم تحليله المنطقي الذي يقوده إلى اكتشاف المجرم الذي يعيش بين جدران الدير نفسه.
وقد مهّد شكل الرواية انطلاقة جديدة للكاتب أمبرتو إيكو، الذي كان قد اشتهر قبل ظهور روايته (اسم الوردة) بكتاباته الأكاديمية بدرجة كبيرة حول السيميائية، ودراسة الإشارات والمقالات الأسبوعية في المجلة السياسية الإيطالية المعروفة L’Espresso. أما روايته الثانية، (رقاص فوكو)، فكانت أقل نجاحاً دولياً، ولكنها لا تزال تنال استحساناً كبيراً. وكانت روايته الأخيرة، (الرقم صفر)، التي تدور أحداثها في غرفة الأخبار لصحيفة إيطالية، قد نشرت في السنة الماضية.
رغم أنه لم يكن معروفاً في المشهد الثقافي سوى بمؤلفاته النظرية في فلسفة اللغة والتأويل والدلالة؛ كان أمبرتو إيكو فيلسوفاً عارفاً بأدب القرون الوسطى ومنظراً رفيع المستوى لبنية النص الأدبي ورموزه وعلاماته، ولم يجرؤ على دخول ميدان التطبيق العملي لأفكاره النظرية إلا في سنة 1980، بعد ظهور أولى رواياته (اسم الوردة)، ليكتسح بذلك المسرح الروائي بعمل متكامل فنياً وفكرياً، وليعلن عن نفسه منذ ذلك الحين واحداً من أهم الروائيين المعاصرين في العالم. وإن ما يميز رواياته هو اتساع مجالها المعرفي الذي يجعلها تتجاوز البناء القصصي المتقن إلى البحث العميق في محطات تاريخية فاصلة في الثقافة والدين والسياسة، مستغلاً في ذلك معرفته النظرية العميقة في هذه المجالات.
ذو صلة