تستضيف صالة ناشيونال جاليري بلندن، معرضاً بالغ الأصالة يوثق سيرة فنية لرجل لا نعرف حتى الآن ماذا نطلق عليه، وتحت أي مسمى نستطيع أن نصنف مهنته، هل هو تاجر لوحات فنية أم هو ذواق للفن التشكيلي ومتابع جيد له.
وعلى أي حال، هناك شيء مؤكد لا يمكننا الاختلاف عليه، هو أن له بالغ الأثر في الحركة التشكيلية الانطباعية، ولولاه لما وجدت هذه الحركة أو خرجت للضوء وعرفها الجمهور، وهذه هي المرة الأولى التي يقام فيها معرض من هذا النوع، ليعرفنا برجل على قدر كبير من الأهمية، لم يسطع اسمه في سماء الفن لأن الدور الذي يؤديه كان من خلف الستار، ليدفع الآخرين لهالة الضوء. إنه بول دوران رويل (1831 - 1922)، الذي عاصر بداية الحركة الانطباعية، وظل يشد من أزر روادها آنذاك. ففي الوقت الذي كانت تتجاهلهم الأوساط الفنية، وترفض صالات الفن عرض لوحاتهم، ويهاجمهم الجمهور في الجرائد والمجلات؛ كان هو يراهن بعناد بماله وبسمعته على هذا التيار الجديد، وكان عناده هذا بمثابة حياة أو موت بالنسبة له، فمنذ ظهور هذه الحركة، وقد أخذت في التحقير الذي أدى إلى استبعادها من الصالون الرسمي لباريس 1870م، وتحالف النقاد وبعض الكتاب كإميل زولا ضدها، وأكبر شاهد على ذلك النص الذي يعلق بالمعرض لذم الانطباعية، يقول أحدهم: (لوحاتهم مريعة، لا تملك أي قيمة، منجزة من قبل معتوهين).
هكذا كانت تصنف الانطباعية وقتها بأنها لوحات مريعة رسمها حفنة من المعتوهين، ونجح بول دوران بجدارة في تحديه لهم حتى تم الاعتراف المطلق بقيمة وجمال هذا النوع من الفن التشكيلي الجديد، ولم تتوقف مسيرته في مؤازرة هؤلاء الفنانين حتى بعد الاعتراف بهذا النوع من الفن، بل ظل يواصل رهانه وتحديه منذ بداية نشأة هذا النوع من الفن في 1870 حتى توفي عام 1922، فأخذ يسافر ويقدم الانطباعية في معارض العالم، فمن باريس، للندن، لنيويورك، وروما، يعرض المعرض حوالى ثمانين لوحة انطباعية من مجموعته الخاصة التي تمسك بعدم بيعها أو التفريط فيها. وإن دلت تلك الأعمال فهي تدل على الذوق الراقي الذي كان يتمتع به، فهي لوحات قمة في الجمال والإبداع، وقد أجمع كل من مؤرخي الفن ونقاده على أهمية الدور الذي قام به دوران رويل، فهو بدون شك كان المحرك الرئيس للحركة الانطباعية، ولم يكن دوران هو تاجر الفن الوحيد الذي أدى دوراً محورياً في تاريخ الفن التشكيلي، فهناك الكثير منهم قاموا بأدوار مهمة في مساعدة الفنانين، ولولاهم لما سطعت أعمال عظماء مثل: فيرمير وفان جوخ ورامبرانت للضوء، ولكن الاختلاف في أن دوران لعب دوراً مهماً وأساسياً ليس في حياة فنان واحد فحسب، ولكن في وجود حركة تشكيلية جديدة، لعدد كبير من الفنانين. لم تكن علاقة دوران بالفنانين علاقة عمل فقط بقدر ما كانت علاقة إنسانية، فكان يساعدهم في استئجار الإتيليه الخاص بهم ويشتري لهم المواد التي يحتاجونها لإنجاز أعمالهم، وفي كثير من الأحيان كان يمدهم بالأموال اللازمة للمعيشة. قال مونيه عن ذلك: (لولا دوران لقضينا من الجوع). في عام 1872 قام بشراء جميع أعمال إدوار مانيه، وكان الفنان الفرنسي بيسارو، يمر بضائقة مالية فخصص له دوران راتباً شهرياً مقابل أعماله المقبلة، وقد تعرف تاجر اللوحات على مانيه وبيسارو في لندن أثناء الحرب البروسية على فرنسا، وسرعان ما ابتاع أعمالهما وعرضها في الجاليري الخاص به في حي ماي فير بلندن، وأصبح للجاليري الخاص به في باريس عدة أفرع في لندن ونيويورك وبروكسل، تعرض فيها الأعمال الانطباعية، حتى أصبحت تلك الحركة هي الأكثر انتشاراً في العالم. وليقينه بهذا النوع من الفن، اشترى 12 ألف لوحة في الفترة ما بين 1891 و1922، منها ألف لوحة لمونيه، و1500 لرينوار، وأكثر من 400 لديغا، و800 لبيسارو، إلى جانب 200 لمانيه، و400 لماري كاسات. ومعرض ابتكار الانطباعية هو معرض متجول لاقى إقبالاً بشكل كبير من الجمهور، حيث تعرض فيه قطع فنية لأول مرة من مقتنيات دوران، وهي أعمال مميزة وفريدة، وسيتجول المعرض من مدينة لأخرى ليقدم لنا بالإضافة لمجموعة اللوحات المميزة، الدور الكبير الذي قام به رجل واحد بمساندة فنانين عظماء، في وقت لم تكن أعمالهم تلقى أي قبول. ويعد معرض ابتكار الانطباعية توثيقاً لتلك الحركة وانتشارها، فنجد ديكوراً لغرفة الجلوس في شقة التاجر، تعرض على حوائطها لوحات لرينوار ومونيه، حيث كانت هذه هي طريقته في عرض وإقناع زواره، وكان عدد كبير منهم من زبائنه، وبعد عرض هذه اللوحات بمنزله يقوم بوضعها في الجاليري الخاص به، ثم يقوم بطبع كتالوجات خاصة بهم، ودوران رويل كان يتمتع بحدس خاص كتاجر الجواهر الذي يعرف قيمة مجوهرات بعينها، فإن أدرك أهمية وقيمة هذا العمل يقوم بشرائه على الفور، وفي أوقات كثيرة يقوم بشراء الأعمال جميعها لتكون أعمال الفنان حكراً عليه هو فقط، وفي إحدى غرف المعرض كانت لوحات الفنان ديلاكروا التي قال عنها رويل: (هذه الصور فتحت عيني على أن أساعد هؤلاء الفنانين)، وأكثر الأعمال المشاركة، لمونيه، ورنوار، حيث أن دوران رويل كان محتكراً لأعمالهم، وهناك أعمال تاجر آخر كان منافساً له، وهو (إمبرواز فول)، وقد تخصص في أعمال فان جوخ وسيزان وبيسارو وسيسلي وديفا ومانيه. وتكشف وثائق البيع والشراء التضارب الكبير والتناقض ما بين الأسعار في هذه الفترة 1870 - 1900 مثال لوحة مانيه (الأنفالد) التي اقتناها دوران 1872 بألفي فرنك ثم باعها بثلاثة أضعاف سعرها، وأهم المعارض التي أقامها دوران كان معرض ضخم في عام 1905 بجاليري غرافتون بلندن، حيث علقت على جدرانه أكثر من 315 لوحة انطباعية لـ200 فنان، ومن ثم انتقل هذا المعرض لصالات الفن بالمدن المختلفة نيويورك- روما- برلين، وذلك أكبر دليل على دور دوران في زيادة شعبية هذا الاتجاه الجديد، وبعد موت دوران توارث أولاده المهنة باحترافية شديدة حتى استمروا في ازدهار صالاته في باريس حتى عام 1974م. وأخيراً يمكننا أن نؤكد أن أهمية المعرض لا تتوقف فقط على الأعمال المعروضة التي لا تقدر بثمن، بقدر إلقاء الضوء على خفايا هذه المرحلة، ونضوج هذه الحركة، وذيوعها وانتشارها في العالم كله.