المقال لا يتناول الفيلم من الناحية النقدية، ولذلك لا يعتبر مقالاً نقدياً. هذا المقال هو مثال واضح لوسيلة من وسائل الدعاية للأفلام الروائية الطويلة، إنه يهدف إلى ترويج الفيلم، وهذه النوعية من المقالات تعتبر طريقة للدعاية غير المباشرة للأفلام أثناء عرضها تجارياً في دور السينما. يعتمد المقال الترويجي على إعطاء قدر محدود من المعلومات عن طبيعة أحداث الفيلم، وعن صانعيه، وعن الظروف المحيطة بتنفيذه، وذلك من أجل إيجاد حالة من الشغف والتشويق لدى القارئ، وبالتالي تتولد عنده رغبة في معرفه المزيد عن أحداث الفيلم، فيقرر مشاهدة الفيلم، وكلما زاد عدد المشاهدين كلما زادت الأموال التي يحصدها الفيلم، وبالتالي تزداد الأرباح عن التكلفة الإجمالية لإنتاج الفيلم. تم نشر هذا المقال في مجلة سينمائية شهيرة Empire، وقت انطلاق فيلم (أساطير الخريف) تجارياً في دور العرض. وقد قمت بترجمته من أجل أن نتعرف أكثر على طبيعة هذه النوعية من المقالات التي تعتبر إحدى وسائل فن الدعاية للأفلام الروائية الطويلة. وهذا النوع من المقالات غير معروف في العالم العربي. الآن، هيا بنا نستكمل -سوياً- ما جاء بعد الاستهلال مباشرة. ها هو إدوارد زويك مخرج فيلم (أساطير الخريف) يفتخر وهو يصرح قائلاً: (إن هذا الفيلم عبارة عن قصة حياة رجل. وإنجاز هذا الفيلم هو قصة حياة مخرجه. إنها لملحمة). الفيلم الملحمة بدأ عندما كان المخرج ما يزال طالباً مفعماً بالآمال في معهد السينما. في بداية الأمر قرأ إدوارد زويك قصة قصيرة من تأليف جيم هاريسون تدور أحداثها عن أب وأولاده الثلاثة نشؤوا في مونتانا في العقد الأول من القرن العشرين. عندما نشرت هذه القصة في مجلة (المحترم) كان إدوارد زويك في السادسة والعشرين من عمره، ويدرس في (معهد الفيلم الأمريكي) في لوس أنجلوس. يتذكر إدوارد زويك بداية معافرة سبعة عشر عاماً لتحويل القصة إلى شاشة السينما، فيقول: (اتصلت بالوكلاء والناشرين، كنت وقتها طالباً في معهد السينما. سخروا مني وأخبروني أن الحقوق كانت مملوكة لأشخاص آخرين). هذه القصة عن نزاعات ومواقف بطولية لعائلة (لودلو). ولمدة طويلة، كان ينظر إلى هذه القصة باعتبارها غير رائجة من الزاوية التجارية. يؤدي أنتوني هوبكنز دور الأب الكولونيل المسن، وبراد بت، وإيدان كوين، وهنري توماس؛ أدوار أبنائه. معظم الشخصيات الرئيسة يصيبها المرض، تموت، يصيبها الجنون، أو تقرر الانتحار. لكن عندما أجريت التعديلات كان كل ممثل في موقعه بالضبط. إنهم ليسوا من النجوم المتلألئة في السماء إلا أنهم ممثلون يحققون الأرباح في شباك التذاكر. يعتبر اختيار براد بت هو أهم نجاح للمخرج إدوارد زويك، وقد حقق فيلم (مقابلة مع مصاص الدماء) للمثل براد بت عائداً قدره 105 ملايين دولار. إن انضمام أنتوني هوبكنز، والوجه الجديد البريطانية المتألقة جوليا أورموند، لفيلم (أساطير الخريف)؛ جعل الفيلم على رأس قائمة أعلى الإيرادات في الولايات المتحدة الأمريكية طوال أربعة أسابيع متتالية، وهو في طريقه لجمع 60 مليون دولار أمريكي، والبقية تأتي. وقد وقعت جوليا أورموند عقد فيلم أمام هاريسون فورد وعنوانه (سابرينا) وهو اسم بطلة الفيلم. لنسترجع ما حدث في كندا عندما زرنا الموقع الذي فيه تصوير الفيلم. ثمه برودة ورطوبة، كان فريق العمل في وقت الاستراحة وتناول الغداء. أمسك إد زويك بفطيرة واصطحبنا إلى غرفة بالطابق العلوي، وأخذ يتحدث عن عشقه لهذا الفيلم بنفس الحماس الذي يتفحص به طعامه. يبدو أن زويك كان موفقاً في اختيار الممثلين، إن اشتراك هوبنكز الفائز بجائزة الأوسكار الثمينة، مع هنري توماس الذي كان صبياً عندما مثل في فيلم (إي. تي)، وانضمام إيدان كوين الأقل شهرة من براد بت، وغير المعروفة على الإطلاق جوليا أورموند؛ جعل إدوارد زويك يُسَلِّم بأن ما لم يكن مقتنعاً به كان هو الصواب. يقول إدوارد زويك عن مجموعته المتنوعة: (لنتأمل ما يفعله الفيلم الجيد، إنه يجعلك ترى الشخص في إطار لم تره فيه من قبل، ويمنح للممثل جوانب مختلفة في الدور الذي يتيحه الفيلم للمثل). يقول هنري توماس الذي يتناول غداءه في الطابق العلوي بعيداً عن هذا الحشد: (علمت أن هناك إيدان كوين، وقلت لنفسي إن الأمور تسير على ما يرام. سمعت أن هناك أنتوني هوبكنز، كنت كمن تحقق له أمل، وبعد أن وقع اختيارهم على جوليا اختاروني. بعد أسبوع بدأنا التدريبات وكنت أشعر بانتعاش). توضح جوليا أورموند قائلة: (عندما تركز في عملك، وتدس أنفك بين شقي الرحاة مع أناس مثل براد وإيدان اللذين يُعرفان بأنهما نجمان كبيران؛ تجد أنه مع نهاية اليوم يصبحان صديقين وزميلي عمل. لكن عندما تتحدث عن الأشخاص الذين تعمل معهم فإنك تسرح بفكرك بحق، وتقول ياه.. انظر من الذين أعمل معهم!). يطالعنا أنتوني هوبكنز بحيويته وابتهاجه وهو يسير مع زوجته خلال موائد الطعام، ولا يبتغي معاملة خاصة. بعد الغداء تقابلنا في الطابق العلوي مع هذا المسرحي لنتحدث عن أول أدواره على الإطلاق كرجل من رجال الغرب: (ذات يوم قلت للمخرج إني قد جسدت شخصيات كتبها شكسبير وابسن وتشيكوف، لكن طوال حياتي تدربت كي أكون رجلاً من رجال الغرب)، هذا ما يقوله أنتوني في بهجة، وهو يرتدي قبعة رعاة البقر، وحذاء ذا رقبة، و(كوفية) حمراء جميلة حول رقبته. يتابع حديثه فيقول: (انظر إليّ، أنا لست بمستكشف علاج للسرطان، إنما حصلت على أجري كي أطلق العنان لأهواء مرحلة الطفولة). يتردد هوبكنز على لوس أنجلوس بعد حصوله على جائزة الأوسكار عن أدائه لشخصية (هانيبال). اتصل به وكيل أعماله وأخبره بأنه معروض عليه دور راعي بقر. إنه الشيء الذي يشتهيه منذ أيام صباه التي كان يشاهد فيها أفلام جون فورد. تهلل وجهه وهو يذكر أن (هذا الدور هو الذي جعلني أقلع عن أدواري الإنجليزية الثابتة، وساعدني كي أواصل العمل في صناعة السينما التي هي أكثر شيء أحبه). وقع الاختيار على براد بت، ليؤدي دور ترستان، هذا العاشق المتجهم المشاكس الذي يصعب معرفة مخبره في تلك العائلة. هذا الاختيار لم يتم في عُجالة كما حدث مع هوبكنز. يحكي إدوارد زويك: (قرأ براد النص السينمائي قبل عامين من قدرتي على اختياره للتمثيل. لم يكن حتى اشترك في فيلم (ثيلما ولويس). قلة هم الذين يعرفون أن براد عمل لمدة يومين في أحد المسلسلات التليفزيونية. وبدأنا في اللقاء والتحادث بشأن الدور، بينما أخذت أعماله في التدفق، كان متحمساً للدور في حين كنت أكافح من أجل تنفيذ الفيلم). ذاك المسلسل التليفزيوني الناجح الذي أخرجه زويك لا يعتبر علامة بارزة في قائمة أعمال براد بت. في ذلك الوقت تزوج زويك، وأصبح له أبناء، ووافت المنية أخاه. عاش بين نجاح وفشل، كل ذلك جعله في احتياج إلى تنفيذ هذه القصة فحسب. يستطرد إدوارد زويك قائلاً: (حكيت كيف أن حياة الإنسان تتبلور عن طريق الإخفاقات، والحزن، وكذلك الانتصارات. ترستان هو الإنجازات المتمناة الخاصة بكل واحد منا. إنه شخص يعبر عن أكثر الأفكار بدائية التي تنتابنا، ونتصرف على أساسها. إنه إنسان غير مقيد بالأعراف). استغل زويك نجاح فيلمه (عن الليلة الماضية). عُرض الأمر على جيف ساجنكسي الرئيس السابق لشركة النجمة الثلاثية. يواصل زويك حديثه فيقول: (وجدت أن الشركة حريصة على التعامل معي مرة أخرى. حاولت العثور على الكاتب المناسب ولم أفلح، قابلت بيل ويتلف، كان عليه أن يشتغل في فيلم (يمامة وحيدة). مضى عام دون أن نستطيع البدء في العمل. لذا أنجزت فيلم (مجد)، وهو عن الحرب الأهلية، وقد فاز الممثل دينزل واشنطون بجائزة أفضل ممثل في دور مساعد عن هذا الفيلم. عاد الكاتب ومعه العمل في شكله المبدئي، لكن الشركة قد بيعت ولم تُبد اهتماماً. أنجزت فيلماً آخر وهو (الرحيل بصورة طبيعية). ثمه حقيقة، وهي أن الممثلات الأمريكيات المشهورات توسلن للحصول على الدور الذي حصلت عليه جوليا أورموند. يقول إدوارد زويك: (أردت إنسانة تدرك تماماً أن سوزانا هي امرأة ترستان المكبلة بأعراف ذلك العصر. قابلت عدداً كبيراً من الممثلات ولم أستطع أن أعثر على واحدة تروق لي بحق، إلى أن رأيت جوليا في الفيلم التليفزيوني (ستالين). اتصلت بها في إنجلترا. رتبنا لوصولها إلى نيويورك. ركبنا الطائرة أنا وبراد وتمكنا من إجراء اختبار الشاشة معاً. جوليا استوعبت وتفهمت طبيعة الشخصية، ثم كان علي أن أقنع القائمين على أمر الأستوديو بأن يضعوا ثقتهم في ممثلة غير معروفة تؤدي الدور النسائي البارز الوحيد. هناك مشكلة ضخمة وهي الاثنان والثلاثون مليون دولار ميزانية الفيلم. أرجأ كل من زويك وبراد الحصول على معظم أجرهما على سبيل التعاون. يقول زويك: (استفدت من عملي في التليفزيون كيفية أن تزيد أموالك على المدى البعيد، وإني أفتخر بذلك). نحن الآن في أصغر منظر مجهز للتصوير في العالم، وهو حجرة لا تتجاوز مساحة الخزانة، بالكاد ينحشر في الحجرة براد وهوبكنز، وهما على وشك تصوير مشهد الحانة المفعم بالتوتر، والذي يحاول فيه براد أن يطيح بمنضدة الساقي. يجلس براد في هدوء في أحد الزوايا استعداداً للمشهد. يشتبك براد مع الساقي الذي يرفض أن يخدم صديقه الهندي. ينجح هوبكنز في تهدئة براد لبرهة إلا أن براد يهجم على ذلك المتعصب بقطعة خشب. مشهد آخر ويحضر براد المرهق ليتحدث عن دوره. دون ذرة غرور يقول إن ترستان هي الشخصية التي ولد كي يجسدها. يقول براد بت: (عندما أؤدي دوراً أجدني أشعر دوماً بأن هناك شخصاً ما أفضل مني في تمثيله لهذا الدور. هذه المرة وجدت أنه لا يمكن لأي أحد أن يؤدي الدور أفضل مني، فأنا أعرف الطريق والمنحنيات التي سلكها هذا الشاب). إن فيلمنا يعتبر من النوع المفعم بالمناظر الخارجية، أعطت مشاهد الحرب العالمية الأولى المخرج الفرصة لذلك، ثمه خنادق ومئات من المواد المتفجرة المزروعة لمحاكاة نيران المدفعية، ومئات من الجنود يموتون وسط الانفجارات. إلا إن زويك تولى مهمة جَعْل كل دولار له قيمة. يذكر أن التصوير الذي تم في كندا على أساس أنها مونتانا؛ وفر للقائمين على الإنتاج عبء مليوني دولار، نتيجة قيمة التحويل. كان زويك صاحب لمسة بارعة في خفض النفقات. (لي خبرة سابقة بالمسرح حيث الإيحاء يعتبر أمراً مهماً. ذات ليلة استخدمنا 800 شخص في واحد من مشاهد الحرب، ثم 300 في الليلة، ثم 100 في الليلتين التاليتين. بدا العدد أكبر من ذلك بكثير، لأننا عملنا على أن تظل الصورة مفعمة بالحياة). (ذهبنا إلى جامايكا وقضينا ثلاثة أيام، خلالها جعلنا جامايكا تبدو وكأنها غينيا الجديدة، وأفريقيا، والبحار الجنوبية، وجامايكا. فعلنا ذلك بأشياء قليلة التقطتها عدسة التصوير، وأنت وخيالك ستكملان الباقي. إن صورة واحده موحية خير من خمس دقائق من السرد). اختار زويك أن يصور الفيلم في كالجاري الكائنة في جنوب غرب كندا، لأنها من أشد المناطق جفافاً. بعد انتقال فريق العمل إليها؛ قرر الطقس أن يخالف عاداته، فسجل أرقاماً قياسية في معدلات سقوط المطر. يقول زويك: (لا شك في أنه لو لم يكن هذا الطقس غير العادي لما كان هذا البهاء الموجود في الفيلم. كل شيء تراه في الفيلم تم تصويره قبل هبوب العواصف أو بعدها مباشرة، إلا أن ذلك جعل الأمور صعبة علينا. يمكنك أن ترى الغيوم الجميلة لكنك لم ترنا ونحن قابعون مدة ثلاث ساعات تحت المصدات بمعداتنا). يعطي مشهد الحانة الفرصة للجميع لتجنب العواصف الغاضبة. انزوى براد وزويك في أحد الأركان، وأخذا يتناقشان في كيفية كسر قطعة من الخشب على رأس شخص ما. في صباح يوم بارد في ديسمبر في مدينة لوس أنجلوس، يأتي هذا النجم الظاهرة من أجل تكملة لقائنا. يعتذر بشدة عن كونه متأخراً بضع دقائق. يلقي بنفسه على واحد من الكراسي ذات التنجيد. شعره الأشقر الطويل غير الممشط يتهدل حول وجهه غير الحليق. يقول براد: (حضرت عائلتي بكاملها في العرض الافتتاحي لفيلم) مقابلة مع (مصاص الدماء)، تصورت أنه يتحتم علي تأجير سيارة مقفلة. نفذت ما عزمت عليه، أمامي متسع من الوقت على وصولي الفندق لأني جوعان. عبرت امرأة الشارع، عرفتها رغم أنها غيرت لون شعرها وبدت أقل جمالاً، توقفت لأحييها. توجهت لتنظيف السيارة، المحل صغير لم يكن أحد موجوداً فيه. انتظرت عشرين دقيقة، زدت سرعة السيارة، حزامي لا يعمل، هذه (البنطلونات) واسعة لدرجة أنه يمكنك دعوة أصدقائك فيها. وقف ووضع يده خلف حزامه كي يثبت أن بنطلونه غير محكم عليه. يذكر هذا الجنوبي في سخرية حزينة أنه أقر ببلوغ ذروة النجاح في فيلميين متتابعين هما (مقابلة مع مصاص الدماء)، و(أساطير الخريف). (كل واحد يريد أن يقول لك إنك جيمس دين. الناس تصيبني بالذهول فهم يريدون وضعك في تصنيفات. إن النجومية لشيء يبعث على الارتباك).
|